الفصل السادس والثلاثون: ثلاثة أيام
حين ظهر إشعار المسار في نهاية الليلة الممنوعة، شعرت إيليانا أن الضحك كان استراحة قصيرة فقط، استراحة سمح بها ڤيريتاس كي تعود بعدها القواعد أكثر صلابة.
بدء الاستعداد الرسمي لفعالية الصيد السنوي: بعد ثلاثة أيام
ثلاثة أيام.
كأنها ليست زمنًا، بل عدّاد.
في الصباح، استيقظت إيليانا على ألم خفيف في كاحلها، أقل من السابق، لكنه حاضر كي يذكّرها بالغابة وبالعين التي تراقب من بعيد.
فتحت المسار.
تحديثات كثيرة ظهرت دفعة واحدة.
جلسة فردية: تدريب تنفس وثبات
جلسة جماعية: بروتوكول الواجهة
موعد مع المرافق الرسمي: مراجعة “خطة اليوم”
ثم بند أخير:
يوم مفتوح للواجهة: نشاط بحري + ألعاب
تنفست إيليانا.
على الأقل هناك شيء أخف.
طرق خفيف على الباب.
دخلت جريس وفي يدها كوبان.
قالت بنبرة خفيفة:
“القهوة لا تحل المشكلة، لكنها تجعلها أقل قسوة.”
ابتسمت إيليانا:
“هذا كاف.”
جلست جريس قربها، ثم قالت بصراحة:
“ثلاثة أيام تعني أن سيلست ستتحرك.”
إيليانا قالت:
“وأن المجلس سيبقى يراقب.”
جريس أومأت:
“وأن كايل سيختفي أكثر.”
توقفت إيليانا عند الاسم، لكنها لم تعلّق.
اكتفت بسؤال عملي:
“ما خطتنا اليوم؟”
جريس ابتسمت:
“اليوم سنأخذ الواجهة ونحوّلها إلى حقيقة.”
ثم أضافت:
“سنضحك مرة أخرى، قبل أن يصبح كل شيء اختبارًا.”
في الظهيرة، اجتمعت دائرتهم عند الشاطئ الخاص، ليس الشاطئ المفتوح لكل الأعضاء، بل شريط رملي هادئ تحيطه صخور ومنحدر منخفض يمنع العيون من أن تنتشر.
كان هناك نشاط بحري رسمي: ألواح توازن، كرات مطاطية، وبعض الألعاب التي تبدو طفولية لكنها هنا تُقدّم كـ “تحرير ضغط”.
نيكو وصل وهو يحمل حقيبة كبيرة وملامحه منتصرة.
قال:
“لقد جهّزت منافسة.”
إيلارا رفعت حاجبها:
“ماذا فعلت؟”
نيكو قال بفخر:
“أحضرت صافرة.”
جريس قالت:
“وأنت لا تملك الحق في استعمالها.”
نيكو ردّ بجدية مصطنعة:
“بل أملك، لأنني أعلن نفسي حكمًا.”
ضحكت إيليانا رغم نفسها.
كانت سيلفي جالسة قرب الماء تقرأ، لكن الكتاب كان مغلقًا هذه المرة.
وجودها هنا يعني أنها تريد أن تشارك، ولو قليلًا.
قالت سيلفي بهدوء:
“اجعلها منافسة قصيرة.”
“لا أريد ضجيجًا طويلًا.”
نيكو قال:
“سأجعل الضجيج أنيقًا.”
بدأت المنافسة.
تحدي لوح التوازن أولًا.
من يقف دقيقة دون أن يسقط.
نيكو سقط في عشر ثوانٍ.
قال وهو ينهض:
“لقد فعلت ذلك عمدًا، حتى لا يشعر أحد بالضغط.”
جريس قالت:
“أنت تفعل كل شيء عمدًا كي لا تعترف بأنك لا تجيد.”
ضحكوا.
إيلارا نجحت بسهولة، ثم قالت ببرود:
“هذا ممل.”
سحبت جريس نفسًا:
“إيلارا، استمتعي.”
إيلارا ابتسمت ابتسامة صغيرة:
“أنا أستمتع.”
ثم جاء دور إيليانا.
وقفت على اللوح بحذر بسبب كاحلها.
لكنها ثبتت.
تنفست كما تدربت.
نظرت إلى الأفق بدل قدميها.
مرت عشرون ثانية.
ثم أربعون.
ثم دقيقة كاملة.
صفق نيكو تصفيقًا صاخبًا:
“رائع!”
جريس ابتسمت:
“أحسنتِ.”
شعرت إيليانا بفخر هادئ.
فخر لا يحتاج أن يراه المجلس.
لكن خلف هذا الفخر، كانت هناك عين أخرى تراقب من بعيد.
حين نزلت إيليانا عن اللوح، رفعت رأسها نحو الممر الصخري الذي يؤدي إلى المرسى الجانبي.
لم تكن تبحث عنه عمدًا، لكنها وجدته.
كايل.
كان بعيدًا، يقف مع رجلين من الإدارة، يتحدثون بصوت منخفض.
لم يكن جزءًا من اللعب.
لكنه كان قريبًا بما يكفي ليرى أنها ثبتت.
التقت عيناه بعينيها للحظة.
لم يطل.
لم يهرب بسرعة أيضًا.
فقط نظر ثم عاد إلى حديثه، كأنه يقول لها: رأيت.
وهذا وحده جعل قلبها يهدأ قليلًا، رغم أنها لا تريد أن تعترف بذلك.
قال نيكو فجأة:
“القانون التالي!”
أخرج بطاقات صغيرة جديدة.
قال:
“كل شخص يختار شخصًا آخر ليعطيه لقبًا لطيفًا لهذه الساعة.”
جريس نظرت إليه:
“لماذا؟”
نيكو قال:
“لأن الألقاب هنا سكاكين.”
“وأنا أريد أن أجعلها حلوى.”
ضحكوا.
ثم بدأوا.
جريس أعطت سيلفي لقب “العقل البارد”.
سيلفي رفعت حاجبها وقالت:
“هذا ليس لطيفًا.”
لكنها لم تعترض.
سيلفي أعطت نيكو لقب “الضجيج المفيد”.
نيكو وضع يده على صدره:
“هذه أجمل جملة سمعتها.”
إيلارا أعطت جريس لقب “الملجأ”.
جريس صمتت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صادقة.
ثم جاء دور نيكو ليعطي إيليانا لقبًا.
نيكو نظر إليها بجدية مصطنعة، ثم قال:
“لقبك لهذه الساعة: الثبات.”
شعرت إيليانا بشيء دافئ.
قالت:
“شكرًا.”
لكن نيكو لم يكتفِ.
أضاف بصوت أخفض، كأنه يمزح لكنه لا يمزح:
“لأن هناك من يراقب الثبات أكثر مما يراقب الفوز.”
جريس ضربته على ذراعه بخفة:
“نيكو.”
نيكو رفع يديه:
“صمت.”
لكن إيليانا فهمت.
وفهمت أيضًا أن الرومانسية هنا لا تنمو فقط في القاعات الخاصة.
تنمو في لحظة يرى فيها كايل أنها نجحت… ثم يتظاهر أنه لم ير شيئًا.
وقبل أن تنتهي فترة الشاطئ، جاء موظف من الإدارة.
ابتسم ابتسامة رسمية وقال:
“آنسة بيلمون، السيد أوغست ينتظرك بعد ساعة لمراجعة خطة الأيام الثلاثة.”
تنفست إيليانا.
أوغست مرة أخرى.
الخريطة مرة أخرى.
المسرح يقترب.
نظرت إلى جريس.
جريس أومأت:
“سنكون قربك.”
لكن إيليانا عرفت أن بعض الأبواب لا يدخلها إلا اثنان.
هي.
وأوغست.
——————
بعد ساعة، كانت إيليانا تقف أمام الباب الذي يقود إلى “غرفة الخرائط”.
المكان نفسه الذي يملك رائحة خشب قديم وصمت متعمد، كأنهم يربّون فيه القرارات قبل أن يعلنوها.
دخلت.
أوغست كان هناك وحده، واقفًا قرب الطاولة الكبيرة، والخرائط مفتوحة، وأوراق صغيرة مرتبة على الجوانب كأنها علامات طريق لا تُرى في العلن.
رفع نظره إليها وقال بهدوء:
“اجلسي.”
جلست إيليانا.
حاولت أن تضع كاحلها في وضع مريح دون أن يبدو أنها تبحث عن راحة.
أوغست لم يعلق على قدمها هذه المرة.
قال مباشرة:
“ثلاثة أيام.”
ثم أشار إلى الورق:
“اليوم: واجهة.”
“غدًا: بروتوكول كامل.”
“وبعد غد: الصيد.”
رفعت إيليانا عينيها:
“وماذا يريدون مني تحديدًا؟”
أوغست قال:
“يريدونكِ أن تظهري كقرار صحيح.”
الجملة بدت بسيطة.
لكنها كانت ثقيلة.
قالت إيليانا:
“قرار من؟”
أوغست نظر إلى الخريطة دون أن ينظر إلى وجهها:
“قرار هنرييت.”
ثم أضاف بوضوح:
“وقرارهم أيضًا.”
توقفت إيليانا عند الكلمة.
“هم” لا تُقال عادة بصيغة واضحة، لكنه قالها كأنه يتعب من التمويه.
قالت:
“وهل أنا خطر؟”
أوغست رفع عينه إليها أخيرًا:
“أنتِ لستِ خطرًا.”
ثم قال:
“لكن وجودكِ يحرّك خوفهم.”
“ليس منكِ… بل مما تمثلين.”
سألت إيليانا بهدوء:
“وماذا أمثل؟”
أوغست قال:
“تغييرًا.”
ثم دفع ورقة صغيرة نحوها.
كانت قائمة قصيرة بعنوان: نقاط الظهور.
النقطة الأولى: لا تبتعدي عن المجموعة في العلن
الثانية: لا تردي على الاستفزاز إلا بجملة واحدة
الثالثة: لا تعطي أحدًا اسمًا
الرابعة: إذا طلبوا قصة… أعطيهم قاعدة
رفعت إيليانا حاجبها:
“أعطيهم قاعدة؟”
أوغست قال:
“القاعدة تجعلهم يملّون.”
ثم أضاف:
“القصة تجعلهم يتغذّون.”
ابتلعت إيليانا ريقها.
“وسيلست؟”
أوغست لم يتردد:
“ستحاول أن تجرّك إلى لحظة.”
“لحظة تبدين فيها وحدك.”
أو “لحظة تبدين فيها محتاجة.”
أو “لحظة تبدين فيها قريبة من أحد.”
سكت لحظة قبل أن يكمل:
“لا تمنحيها هذا.”
شعرت إيليانا بحرارة خفيفة في وجهها دون سبب واضح.
“قريبة من أحد” كانت جملة واسعة، لكنها تعرف أي اسم يحوم حولها.
قالت:
“وهل لديك خطة؟”
أوغست أومأ:
“لدي قاعدة.”
ثم نظر إليها:
“إذا وجدتِ نفسكِ محاصرة، انقلي المشهد إلى الضوء.”
“اجعليه علنيًا.”
“الفخاخ تحب الظل.”
هزت إيليانا رأسها:
“حسنًا.”
أوغست أغلق بعض الأوراق، ثم قال بنبرة أقل صلابة:
“أنتِ اليوم نجحتِ.”
رفعت إيليانا عينيها بصدمة صغيرة.
أوغست لا يوزع هذه الجمل.
قالت:
“شكرًا.”
أوغست قال:
“لا تشكريني.”
ثم أضاف:
“فقط لا تثقي بذكائك وحده.”
“ثقي بمن حولك.”
توقفت إيليانا عند الجملة.
سألته:
“تقصد دائرتي؟”
أوغست قال:
“نعم.”
ثم قال كلمة واحدة، كأنه يضعها في مكانه الصحيح:
“وبكوستوس.”
تجمدت إيليانا.
أوغست لم يشرح.
بل نهض وقال:
“انتهينا.”
خرجت إيليانا من غرفة الخرائط وهي تحمل الورقة الصغيرة في يدها كأنها خريطة أخرى، لكن هذه المرة ليست للأشجار، بل للوجوه.
في طريقها إلى جناحها، جاءها إشعار جديد من المسار:
جلسة فردية: جناح التأهيل الخاص
الوقت: بعد ساعة
توقفت إيليانا في منتصف الممر.
الجلسات الفردية لا تعني دائمًا كايل.
لكن قلبها عرف قبل عينيها.
بعد ساعة، دخلت الجناح.
كان أكثر هدوءًا من المعتاد.
لا متدربين آخرين.
لا ماديسون.
فقط القاعة الجانبية الصغيرة، وطاولة عليها زجاجة ماء، وكرسيان متقابلان.
وكان كايل هناك.
لم يكن واقفًا.
كان جالسًا هذه المرة، كما لو أنه اختار أن يقلّل المسافة قبل أن تبدأ.
رفع نظره إليها، وقال بصوته المنخفض:
“اجلسي.”
جلست إيليانا.
سكت لحظة، ثم قال:
“أوغست أعطاكِ خطة.”
لم تسأله كيف يعرف.
قالت فقط:
“نعم.”
كايل أومأ:
“جيد.”
ثم أضاف:
“الخطط تنجح… إذا لم تحاولي أن تكوني بطلة.”
رفعت إيليانا حاجبها:
“أنا لا أحاول.”
كايل قال:
“أنتِ تحاولين من غير قصد.”
سكتت إيليانا لحظة.
ثم قالت بصوت خافت:
“اليوم على الشاطئ… كنت هناك.”
لم تكن جملة اتهام.
كانت حقيقة.
كايل لم ينكر.
قال ببساطة:
“نعم.”
ثم سكت، وأضاف:
“كان عليكِ أن تستمتعي.”
إيليانا قالت:
“أنا استمتعت.”
ثم ترددت قبل أن تقول:
“لكنني شعرت… أنك تراقب.”
كايل نظر إليها طويلًا، ثم قال بجملة واحدة لا تشبه دفاعًا ولا اعتذارًا:
“هذا عملي.”
كانت الإجابة الرسمية.
لكن إيليانا لم تتركها تمر.
قالت بهدوء:
“وتيو؟”
“هل هو أيضًا عملك؟”
تصلب شيء خفيف في وجه كايل.
ليس غضبًا.
أقرب إلى حماية غريزية.
قال:
“لا تذكري اسمه أمام أحد.”
إيليانا أومأت فورًا:
“حسنًا.”
سكتت لحظة، ثم قالت:
“لكنه جاءني وحده.”
“وقال أشياء…”
كايل قطعها بهدوء:
“الأطفال يسمعون.”
ثم قال ببطء:
“وهذا المكان… يتكلم كثيرًا.”
كانت جملته أقرب لتعليق على ڤيريتاس كلها.
كأنه يكره كثرة الكلام هنا، ويكره أنه مضطر أن يكون جزءًا منها.
قالت إيليانا:
“هل تخاف عليه؟”
نظر كايل إليها.
لم يجب بسرعة.
ثم قال:
“أنا لا أحب أن يُستعمل أحد.”
كانت جملة عامة.
لكنها خرجت منه بصدق شديد.
سكتت إيليانا.
ثم قالت بصوت خافت:
“وأنا؟”
رفع كايل نظره.
صمتت القاعة لثانيتين كاملتين.
ثم قال بصوته المنخفض:
“أنتِ… لا تُستعملين.”
لم يقل “لن أسمح”.
لم يقل “سأحميك”.
قالها كحقيقة يريد أن يفرضها على العالم.
شعرت إيليانا أن صدرها اتسع لحظة.
ثم عاد يتقلص، لأن الحقيقة هنا تحتاج قوة كي تعيش.
وقف كايل.
قال:
“سنراجع قاعدة واحدة لليومين القادمين.”
إيليانا قالت:
“ما هي؟”
كايل قال:
“حين يقتربون منكِ… لا تقتربي منهم.”
ثم أضاف:
“ابتسمي، وتراجعي نصف خطوة.”
سألته إيليانا:
“حتى لو كان الحديث لطيفًا؟”
كايل قال:
“اللطافة هنا ليست دائمًا لطفًا.”
ثم سكت، وقال بنبرة أخفض:
“وأنتِ… قد تُصدّقين.”
كانت الجملة قاسية، لكنها تعرف أنها صحيحة عنها.
وقبل أن تخرج إيليانا، قالت بصوت خافت:
“كايل.”
رفع نظره.
قالت:
“الليلة الممنوعة… كانت مضحكة.”
توقفت زاوية فمه لحظة.
ذلك التوقف الصغير أصبح الآن علامة تعرفها.
قال:
“لا تجعلي الضحك يبعدك عن الحذر.”
إيليانا قالت:
“لن أفعل.”
ثم خرجت.
في الممر الخارجي، وجدت نيكو يركض نحوها كأنه يحمل خبرًا كبيرًا.
قال بحماس:
“لقد وافقوا!”
إيليانا رفعت حاجبها:
“على ماذا؟”
نيكو رفع هاتفه، وقرأ بصوت عالٍ بلهجة احتفالية فصحى متحمسة:
“تم اعتماد فعالية إضافية مقترحة من العضو نيكو.”
“عنوانها: الليلة الممنوعة – الجولة الثانية.”
“قاعدة الافتتاح: كل شخص يجب أن يقدم نفسه باسم مستعار فقط.”
جريس ظهرت خلفه وقالت:
“أنت ستجعلهم يقتلونك.”
نيكو ابتسم:
“سيحاولون.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى إيليانا:
“لكنهم سيضحكون أولًا.”
ضحكت إيليانا، ضحكة قصيرة حقيقية.
ثم تذكرت: ثلاثة أيام.
الضحك الآن… استراحة أخرى.
قبل أن يبدأ المسرح الحقيقي.
نهاية الفصل السادس والثلاثون