الفصل التاسع والثلاثون: الغابة الشمالية

في الصباح كانت الجزيرة أهدأ من المعتاد.

ليس هدوء نوم، بل هدوء استعداد. كأن ڤيريتاس تحبس أنفاسها قبل أن تفتح باب الغابة من جديد.

ارتدت إيليانا ملابس عملية داكنة، ربطت شعرها بإحكام، وتأكدت أن رباط كاحلها ثابت دون أن يظهر. لم يعد يؤلمها كثيرًا، لكن وجوده وحده يذكرها: الخطوة الخاطئة هنا لا تبقى خطوة.

في البهو، كانت دائرتها تنتظرها.

جريس أعطتها زجاجة ماء صغيرة وقالت:

“اليوم لا تتفلسفي.”

“فقط اتبعي القاعدة.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“أي قاعدة؟”

جريس قالت:

“إذا شعرتِ أن شيئًا غير طبيعي… قولي لي.”

سيلفي قالت بهدوء:

“وقولي لنفسك: لا تظهري.”

إيلارا أضافت:

“ولا تبتعدي.”

نيكو كان يحمل شيئًا يشبه البوصلة، وملامحه فخورة.

قال:

“أنا جاهز.”

سيلفي نظرت إلى البوصلة:

“من أين جئت بها؟”

نيكو قال بثقة:

“من متجر الواجهة.”

ثم أضاف:

“أنا رجل يعتمد على الأدوات.”

إيلارا قالت:

“أنت رجل يعتمد على الحظ.”

ضحكوا.

ضحك قصير.

ثم توقف.

لأن موظف الإدارة ظهر عند الطرف وأعلن ببرود:

“المشاركون في البروفة الميدانية، الرجاء التوجه الآن.”

تقدمت إيليانا مع المجموعة المختارة.

كانوا أقل من عشرة.

وجوه متدربة.

وجوه تريد أن تُرى.

وجوه تعرف كيف تخفي خوفها بابتسامة.

وعند البوابة التي تقود إلى الغابة الشمالية، كان كايل ينتظر.

هذه المرة لم يكن في الظل فقط.

كان واضحًا، رسميًا، مع شارة بسيطة على سترته تشير إلى دوره دون أن تشرح: كوستوس.

وقف بجانبه نواه، يحمل ملفًا وحقيبة إسعاف صغيرة، يلوّح لنيكو بحركة سريعة كأنه يقول: لا تفسد الأمر بنكتك اليوم.

لكن نيكو لم يستطع ألا يهمس لإيليانا:

“هل ترين؟”

“حتى الغابة لديها مدير.”

جريس ضغطت على ذراعه حتى يسكت.

قال كايل بصوته المنخفض للجميع:

“هذه بروفة.”

“ليست سباقًا.”

“أي خروج عن المسار… سيُسجل.”

لم يرفع صوته.

ومع ذلك، سكتت المجموعة.

ثم أضاف:

“الهدف اليوم ليس أن تكونوا شجعانًا.”

“الهدف أن تكونوا أذكياء.”

رفعت إيليانا عينيها إليه.

كانت هذه جملة تحبها.

تحركوا.

الغابة الشمالية مختلفة عن الجنوبية.

أكثر كثافة.

أكثر برودة.

وأكثر صمتًا.

كانت هناك علامات على الأشجار، لكن المسار لم يكن واضحًا دائمًا. كأنهم يريدون أن يختبروا: هل تتبعون الإشارة أم تتبعون غروركم؟

كان أوغست حاضرًا أيضًا، لكنه لم يكن مع إيليانا مباشرة.

كان مع طرف آخر من المجموعة، كأنه يؤدي دور “الشاهد” لا “المنقذ”.

سارت إيليانا وسط المجموعة، لا في الأمام ولا في الخلف.

كما تعلمت: نصف خطوة فقط.

سمعت نواه خلفها يهمس لنيكو:

“إذا قلت نكتة الآن، سأتركك هنا.”

نيكو همس:

“هذا تهديد غير إنساني.”

نواه قال:

“تعوّد.”

كادت إيليانا تضحك، ثم تذكرت أين هي.

بعد نصف ساعة، أعلن كايل التوقف.

قال:

“سنقسم إلى ثنائيات.”

“كل ثنائي يحدد اتجاهه عبر العلامات، ثم يعود إلى نقطة التجمع.”

تحركت القلوب في الصدور.

الثنائيات تعني أخطاء ممكنة.

تعني عزلة قصيرة.

نظرت إيليانا تلقائيًا نحو جريس، لكن موظفة من الإدارة تحركت بسرعة وأعلنت الأسماء.

كانت الخانة الأولى:

“الآنسة بيلمون… مع كوستوس.”

توقف الهواء لثانية.

حتى نيكو فتح فمه ثم أغلقه كأنه قرر ألا يموت اليوم.

جريس نظرت إلى إيليانا بعين قلقة.

سيلفي رفعت حاجبها.

إيلارا شدّت فكها.

أما كايل… فلم يتغير وجهه.

قال فقط:

“اتبعيني.”

سارت إيليانا خلفه، قلبها يدق أسرع مما يجب.

ليس خوفًا من الغابة وحدها.

بل لأن الانعزال معه هنا سيكون علنيًا داخل بروفة، وليس صدفة مثل الجزيرة.

قالت إيليانا بصوت منخفض حين ابتعدوا عن المجموعة:

“هل هذا… قرارك؟”

كايل لم ينظر إليها:

“هذا قرار المسار.”

إيليانا قالت:

“المسار لا يختار وحده.”

توقف كايل لحظة قصيرة.

ثم قال:

“تنفّسي.”

توقفت إيليانا.

ثم تذكرت العبارة كاملة.

لم يقل “من فضلك” هذه المرة.

عاد للنسخة العملية.

لكنها فهمت.

هو يقول: لا تفتحي الآن.

ساروا أعمق قليلًا.

كان كايل يقرأ العلامات بسرعة، يتوقف عند جذع شجرة، يلمس الخشب بأطراف أصابعه كأنه يتأكد، ثم يتحرك.

إيليانا تحاول أن تقلده.

قالت بعد فترة، لتكسر الصمت:

“هل أنت متأكد؟”

كايل قال:

“نعم.”

إيليانا تذكرت الليلة التي كانت القاعدة تمنع كلمة نعم، فابتسمت رغم نفسها.

قالت بنبرة خفيفة:

“اليوم مسموح.”

لم ينظر إليها، لكن صمته كان أخف.

ثم فجأة سمعا صوتًا بعيدًا.

ليس غصنًا ينكسر.

شيء أشبه بحركة سريعة بين الأشجار.

تجمدت إيليانا.

وقالت بقلق:

“هل هناك أحد؟”

كايل رفع يده إشارة توقف.

نظر حوله.

ثم قال بهدوء:

“لا تتحركي.”

كان صوته مختلفًا الآن.

كوستوس الحقيقي.

صوت يسبق الخوف.

وفي تلك اللحظة، فهمت إيليانا لماذا كان هذا الرجل لا يظهر أمام الآخرين كثيرًا.

لأن وجوده الكامل… ليس للعيون.

وجوده الكامل للحظة الخطر.

——————

لم يتحرك كايل فورًا بعد الصوت.

بقي ثابتًا، كأن جسده أصبح جزءًا من الشجرة. رفع يده مرة أخرى، إشارة صريحة أن تبقى إيليانا خلفه.

كانت الغابة صامتة، لكن الصمت هنا ليس هدوءًا.

هو انتظار.

همست إيليانا:

“هل هو حيوان؟”

كايل أجاب دون أن يلتفت:

“لا أعرف.”

ثم أضاف:

“لكنني أعرف أنك لن تتحركي.”

كانت جملة قصيرة، لكنها حملت ثقة غريبة.

ثقة جعلت إيليانا تشعر بالخجل والفخر في آن واحد.

مرّت ثوانٍ، ثم ظهر السبب.

ليس حيوانًا.

بل متدرب.

شاب من المجموعة الأخرى، خرج من بين الأشجار وهو يلهث قليلًا، يحمل بطاقة المسار بيده كأنه يريد أن يثبت أنه لم يهرب.

قال وهو يلتقط أنفاسه:

“عذرًا… ظننت أنني رأيت العلامة هناك.”

كايل نظر إليه ببرود:

“وأنت لم تكن ثنائيًا.”

الشاب تلعثم:

“أنا… انفصلت لحظة.”

كايل قال:

“لا تنفصل.”

ثم أشار بيده:

“ارجع إلى نقطة التجمع.”

“الآن.”

الشاب أومأ بسرعة، ثم انسحب.

حين اختفى، التفت كايل أخيرًا إلى إيليانا.

نظر إلى وجهها ثانية واحدة.

ثم قال:

“أنت بخير؟”

هزّت إيليانا رأسها:

“نعم.”

قال:

“جيد.”

ثم أضاف بصوت منخفض:

“لا تتعلمي من أخطاء غيرك.”

“تعلمي من ثباتك.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

ثم قالت محاولة أن تبدو خفيفة:

“أنا أحاول.”

تحركا من جديد.

بعد مسافة قصيرة، أشار كايل إلى علامة على جذع شجرة.

“هنا.”

ثم مدّ لها ورقة صغيرة كان يحملها ضمن البروفة: خريطة مصغرة للعلامات، بلا أسماء.

قال:

“اقرئي.”

إيليانا رفعت الورقة، وقارنتها بالعلامات حولها.

توقفت عند تقاطع صغير في المسار.

ثم قالت:

“اليسار.”

كايل نظر إلى المكان.

ثم قال:

“لماذا؟”

إيليانا أشارت إلى رمز صغير:

“لأن هذا يعني اتجاه العودة.”

كايل أومأ ببطء:

“صحيح.”

شعرت إيليانا بنشوة صغيرة.

أنها أصابت شيئًا دون أن يهمس لها أحد.

ثم قالت، بلا قصد:

“هل رأيت؟”

“أنا أستطيع.”

كايل توقف لحظة.

نظر إليها نظرة قصيرة جدًا.

ثم قال:

“أعرف.”

كانت كلمة بسيطة، لكنها سقطت في قلبها بثقل لا يُرى.

واصلا السير نحو اليسار.

المسار صار أضيق.

الأرض أكثر رطوبة.

وأوراق الشجر على الأرض تخفي الحجارة الصغيرة.

شعرت إيليانا أن كاحلها يذكّرها بنفسه.

لم يؤلمها كثيرًا، لكن حضور الألم الخفيف يجعلها أكثر حذرًا.

قال كايل دون أن ينظر:

“لا ترفعي كتفك.”

تجمدت إيليانا.

“كيف عرفت؟”

كايل قال:

“عندما تتوترين، ترفعين كتفك الأيسر.”

سكتت إيليانا لحظة.

ثم قالت بنبرة خفيفة:

“أنت تراقب كثيرًا.”

كايل أجاب فورًا:

“هذا عملي.”

لكنها هذه المرة لم تبتلع الجملة.

قالت بهدوء:

“وأحيانًا… أكثر من عملك.”

توقف كايل نصف ثانية.

ثم أكمل المشي دون رد.

لكن خطواته صارت أبطأ قليلًا، كأنه أعطاها مساحة لتتنفس.

وقالت هي، وكأنها ترد له ما قاله سابقًا:

“تنفّسي.”

التفت كايل إليها بسرعة.

نظر إليها بدهشة صغيرة، لا تظهر كثيرًا على وجهه.

ثم قال ببرود يحاول أن يستعيد نفسه:

“لا تلعبي.”

إيليانا ابتسمت:

“أنا لا ألعب.”

ثم أضافت:

“أنا أتذكر.”

لم يجب.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن جدارًا كاملًا.

بعد دقائق، سمعا صوت صفارة بعيدة.

إشارة التجمع.

قال كايل:

“وصلنا قريبًا.”

سارت إيليانا خطوة أسرع، ثم تعثرت في حجر مخفي تحت الأوراق.

لم تسقط، لكنها اهتزت.

مدّ كايل يده فورًا ليثبتها.

لمسة سريعة على ساعدها، أقرب إلى رد فعل غريزي.

تجمدت إيليانا للحظة.

ثم وقفت مستقيمة.

قال كايل بصوت منخفض:

“نصف خطوة فقط.”

ابتسمت إيليانا، رغم توترها.

“أنت لا تمل من هذه العبارة.”

كايل قال:

“لأنها تنجح.”

ثم، وكأنه أدرك أنه قال شيئًا يخصها، أضاف ببرود:

“تحركي.”

وصلوا إلى نقطة التجمع.

كانت المجموعة قد بدأت تتجمع.

وجوه متوترة.

وبعض الابتسامات التي تحاول أن تبدو واثقة.

نيكو ظهر من بين الأشجار وهو يلوّح بالبوصلة وكأنه بطل حرب.

قال بصوت عالٍ:

“وجدت الطريق!”

نواه رد فورًا:

“لقد وجدنا نحن الطريق.”

“أنت فقط كنت تتبع صوتنا.”

نيكو وضع يده على صدره:

“هذا افتراء.”

ثم همس لإيليانا:

“لكن نعم.”

ضحك نواه ضحكة قصيرة، ثم قال بصوت مسموع:

“لا تنسَ أننا لا نسجل الضحك في التقارير.”

ماديسون كانت تقف قرب كايل، تحمل لوحة صغيرة تسجل عليها.

نظرت إلى نواه لحظة، ثم قالت:

“سجلت.”

نواه نظر إليها بصدمة مصطنعة:

“ماذا سجلتِ؟”

ماديسون قالت:

“أنك تتكلم كثيرًا.”

ضحك بعض المتدربين.

نيكو صفق كأنه يشاهد عرضًا:

“هذا أفضل حوار اليوم!”

لم تبتسم ماديسون، لكن نظرتها كانت أقل قسوة من المعتاد.

ونواه التقطها.

قال بنبرة أخف:

“حسنًا.”

“سأصمت.”

ثم أضاف:

“لعشر ثوانٍ.”

ماديسون قالت:

“لن تستطيع.”

قال:

“أستطيع.”

ثم سكت فعلًا… ثانيتين فقط.

ضحكت إيليانا بصوت مسموع.

وتفاجأت أنها ضحكت هنا، في الغابة، وسط بروفة.

ثم تداركت نفسها.

لكن كايل سمعها.

ورأى الضحك.

ولم يمنعه.

أنهى كايل البروفة بجملة واحدة:

“انتهى.”

ثم نظر إلى الجميع:

“غدًا راحة واجهة.”

“وبعده… الموسم.”

تجمدت القلوب عند كلمة الموسم.

تحركت المجموعة للعودة.

وقبل أن تمشي إيليانا خطوة، مرّت قرب كايل.

لم تنظر إليه مباشرة.

لكنها قالت بصوت منخفض جدًا، كأنه لا يسمعها غيره:

“تنفّسي.”

سمعها.

توقف نصف ثانية.

ثم قال بصوت أخفض من المعتاد:

“ليس الآن.”

وكانت هذه، بطريقة غريبة، أقرب شيء إلى ضحكة بينهما.

خرجت إيليانا من الغابة وهي تشعر أن شيئًا صغيرًا تغيّر.

ليس حدثًا كبيرًا.

لكن بداية لغة خاصة.

لغة نصف خطوة.

ونَفَس.

وهذه اللغة… ستصبح أهم عندما يأتي اليوم الذي يسقط فيه أحدهما حقًا.

نهاية الفصل التاسع والثلاثون

2026/02/24 · 2 مشاهدة · 1469 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026