الفصل الثالث: المرآة

في المساء، صارت إيل ميراج أهدأ، لا لأن الناس اختفوا، بل لأن الضوء تغيّر

كانت الشمس تميل نحو البحر كأنها تعتذر قبل أن تغيب، وعلى الممرات الحجرية ظهرت بقع ذهب صغيرة بين ظلال الأشجار، والهواء صار ألطف، يحمل رائحة ملوحة خفيفة تمتزج بعطر نباتات لا تعرف إيليانا أسماءها بعد

وقفت إيليانا عند نافذة البهو العالية، تنظر إلى المرسى

اليخوت بدت ثابتة كأنها جزء من لوحة، والعمال يتحركون بصمت، كل خطوة محسوبة، كأن الجزيرة لا تسمح للعشوائية أن تعلن نفسها

شعرت إيليانا للحظة أنها داخل مكان يعرف كيف يسحر الناس دون أن يصرح بسحره، سحرٌ يريحك، ثم يضعك في امتحان دون أن تخبرك الورقة أنه امتحان

سمعت صوتًا خلفها

"إذا وقفتِ هنا طويلًا، سيظنون أنكِ تنتظرين أحدًا"

التفتت

كانت جريس تقف بقربها، تحمل كوب ماء كالعادة، وتبتسم كأنها تُنقذها من خطأ صغير قبل أن يصير قصة

قالت إيليانا

"كنت أنظر فقط"

جريس رفعت حاجبها بخفة

"النظر هنا ليس فقط"

ثم ضحكت لتخفف وقع الجملة

"لكن لا تقلقي، الليلة فعالية خفيفة، ستعجبك"

سألت إيليانا

"أي فعالية"

جريس قالت

"صالون مسائي"

"موسيقى هادئة، حديث أكثر هدوءًا، وناس يحاولون أن يظهروا كأنهم لا يحاولون"

ثم مالت نحوها وأضافت بصوت منخفض

"وأحيانًا… يختبرون الجديد"

شعرت إيليانا بوخزة توتر

"كيف يختبرون"

جريس قالت

"بسؤال بسيط، أو تعليق صغير"

"والغريب أن أبسط الأشياء هنا تترك أثرًا طويلًا"

سارتا معًا عبر الممر الزجاجي الذي يربط جناحين

كانت المياه تحت الزجاج بعيدة قليلًا، لكنها تُرى، تعكس لون السماء وتبتلع الأصوات، حتى خطواتهما بدت كأنها تتحرك داخل حلم مرتب

قالت جريس وهي تشير إلى إحدى القاعات

"هذه قاعة الصالون"

"وإذا دخلتِ، لا تبحثي عن أكثر شخص يتكلم"

"ابحثي عن أكثر شخص يصمت"

سألت إيليانا

"لماذا"

جريس قالت

"لأنه غالبًا هو الذي يقرر"

ترددت إيليانا ثم سألت

"هل تقصدين ريون"

جريس ضحكت

"ريّون يظن أنه يقرر"

ثم أضافت بجدية خفيفة

"لكن لا، ليس هو"

لم تشرح أكثر، وكأن الشرح هنا ترف

دخلتا القاعة

الإنارة دافئة، ليست قوية، تجعل الوجوه أنعم مما هي عليه، وعلى الطاولات شموع قصيرة لا تتصاعد منها روائح قوية، فقط ضوء يلمع ثم يهدأ

الموسيقى بالكاد تُسمع، كأنها خلف الحوار لا أمامه

جلست إيليانا قرب جريس، وفي عينيها ارتباك صغير حاولت أن تخفيه بابتسامة مهذبة

كانت هناك امرأة تتحدث وتضحك، وحولها شخصان يهزان رأسيهما في الوقت المناسب، وكانت هناك مجموعة أخرى تتكلم عن شيء لم تفهمه إيليانا، كلمات مالية ووعود، لكنها قيلت بنبرة تشبه الدعابة

قالت جريس

"لا تحاولي فهم كل شيء"

"اختاري شيئًا واحدًا فقط في الليلة"

سألت إيليانا

"مثل ماذا"

جريس قالت

"مثل أن تتذكري الأسماء"

ثم أشارت بعينيها إلى امرأة قرب النافذة

"هذه سيلست"

شعرت إيليانا أن الهواء صار أثقل قليلًا

سيلست لم تكن تنظر كثيرًا، لكنها كانت تُرى، كأن وجودها يفرض نفسه من غير حركة

قالت جريس

"وذلك الرجل الذي يجلس قربها… اسمه أدريان"

"سيكون لطيفًا معك"

"ثم سيحاول أن يستفيد من اللطف"

ابتسمت إيليانا بخجل

"هل الجميع هنا هكذا"

جريس قالت ببساطة

"لا"

ثم نظرت إلى إيليانا

"أنتِ مثلًا… لستِ هكذا"

لم تعرف إيليانا هل تفرح أم تقلق

قبل أن ترد، اقترب ريون

كان يرتدي بدلة داكنة، ووقفته مستقيمة كأنه يحاول أن يبدو أكبر من عمره، عيناه تحملان تلك القسوة التي لا تحتاج سببًا معلنًا

قال ريون بصوت مهذب جدًا

"آنسة بيلمون"

رفعت إيليانا رأسها

"نعم"

ريّون نظر إلى مقعد فارغ ثم جلس دون أن يستأذن

قال

"أردت أن أعتذر عن دخولي أمس"

كان الاعتذار غريبًا، لأن نبرة صوته لم تعتذر

قالت إيليانا بحذر

"لا بأس"

ريّون ابتسم ابتسامة قصيرة

"أنتِ تقولين لا بأس بسرعة"

ثم أضاف

"هذا شيء يجب أن تتعلمي أن تتوقفي عنه"

شعرت إيليانا أن قلبها ارتفع

سألت

"لماذا تهتم"

ريّون نظر إليها لحظة طويلة، ثم قال بوضوح

"لأنكِ هنا بسبب شيء"

ثم وضع يده على الطاولة، كأنه يثبت الحقيقة

"وأنا أريد أن أعرف ما هو"

جريس تدخلت بسرعة، بصوت خفيف

"ريّون، الليلة ليست محكمة"

ريّون لم ينظر إليها، كأنه لا يعترف بسلطتها الاجتماعية

قال لإيليانا

"هل تعرفين ماذا يعني أن تكوني وريثة محتملة"

تجمدت إيليانا

"أنا… لا أعرف"

ريّون قال

"إذن اسألي جدتك"

ثم نهض وكأنه ملّ من بطء فهمها

"وإن لم تفعلي… سيسألك الآخرون"

ذهب ريون

وبقيت إيليانا تنظر إلى ظهره، تشعر أن كلمة وريثة محتملة ثقيلة أكثر مما تبدو

قالت جريس وهي تحاول أن تمزح

"لا تأخذي كلامه بجدية كاملة"

"هو يتنفس بالتهديد"

ضحكت إيليانا ضحكة صغيرة، لكنها لم تختفِ عنها الغصة

بعد قليل، اقتربت سيلست فعلًا

لم تقترب بسرعة، بل كأنها تتسلل بأناقة، حتى الحركة عندها لها معنى

وقفت قرب إيليانا وقالت بصوت دافئ مصقول

"إيليانا بيلمون"

تفاجأت إيليانا للمرة الثانية أن اسمها معروف

أومأت

سيلست ابتسمت

"البياض يليق بك"

الجملة كانت مدحًا، لكنها جعلت إيليانا تشعر أنها تُفحص، بياض بشرتها واضح تحت الضوء الدافئ، وعيونها السوداء تبدو أعمق، كأنها لا تتناسب مع براءتها التي تحاول أن تظهر

قالت إيليانا بأدب

"شكرًا"

سيلست قالت

"لا تشكري كثيرًا"

ثم نظرت إلى الشامة قرب عينها

"هذه… تفصيل جميل"

شعرت إيليانا بالخجل، رفعت يدها تلقائيًا كأنها تريد أن تغطي الشامة، ثم تراجعت بسرعة لأن الحركة بدت طفولية

ضحكت سيلست بخفة

"لا تخافي"

"أنا لا أعض"

ثم أضافت، وهي تنظر إلى جريس

"لكنني ألاحظ"

ثم قالت لإيليانا

"سمعت أنكِ بدأت برنامجًا خاصًا"

سألت إيليانا بحذر

"نعم"

سيلست قالت

"جيد"

ثم مالت قليلًا

"إيل ميراج لا تحب من يدخلها دون سبب"

شعرت إيليانا أن القاعة صارت أضيق

قالت جريس بسرعة

"سيلست، دعينا نتركها تتنفس"

سيلست ابتسمت

"بالطبع"

ثم ابتعدت كما جاءت، كأنها لم تفعل شيئًا، لكنها تركت أثرًا واضحًا

تنفست إيليانا

ثم همست لجريس

"لماذا يشعرون أنني… غريبة"

جريس نظرت إليها بجدية لأول مرة في الليلة

"لأنكِ لستِ من نوعهم"

ثم أضافت ببطء

"وأحيانًا… هذا يجعلهم يطمعون"

شعرت إيليانا بقشعريرة، لكنها لم تفهم الطمع بأي معنى

وقفت لتبتعد قليلًا عن الصالون، تحتاج هواء

سارت إلى ممر جانبي يؤدي إلى غرفة صغيرة فيها مرآة طويلة ونبتة خضراء، كأنها مساحة استراحة بعيدًا عن العيون

وقفت أمام المرآة

نظرت إلى وجهها

رأت بياض بشرتها تحت الضوء، ورأت سواد عينيها، ورأت الشامة قرب العين، ورأت ابتسامة حاولت أن تكون ثابتة لكنها لم تنجح

وتذكرت سؤال كايل في اليوم الأول

ما الذي لا يرونه

سمعت صوتًا خلفها دون أن ترى أحدًا يدخل

"أنتِ تتعبين نفسك"

التفتت بسرعة

كان كايل واقفًا قرب الباب، كأنه خرج من الظل لا من الممر

قالت إيليانا بارتباك

"ظننت… أنك لا تحضر هذه الفعاليات"

كايل لم يرد على الجملة مباشرة

قال فقط

"أنا هنا لأن هذا جزء من برنامجك"

ثم نظر إلى المرآة، إلى انعكاسها

"المرآة لا تكذب"

سألت إيليانا

"وماذا تقول"

كايل قال

"تقول إنكِ تحاولين أن تبدي عادية"

ثم أضاف بنبرة ثابتة

"وهذا لا ينفع هنا"

ابتلعت إيليانا ريقها

"وماذا أفعل"

كايل اقترب خطوة واحدة فقط، ثم توقف، كما لو أن المسافة قانون عنده

قال

"افعلي شيئًا بسيطًا"

"لا تعتذري"

سألت إيليانا بصدق

"أنا لا أعتذر"

كايل نظر إلى عينيها السوداوين مباشرة

"بل تفعلين"

"في صوتك"

"وفي كتفيك"

"وفي طريقة سحبك لنفسك إلى الخلف"

شعرت إيليانا بالخجل، لكنه خجل غريب، لأنه لم يبدُ كاتهام، بل كأنه يرى ما لم تره هي

قالت

"أنا لا أعرف كيف أكون… هنا"

كايل قال

"ستتعلمين"

ثم سكت لحظة، كأنه يريد أن يقول شيئًا آخر ثم يبتلعه

لكن الباب في الطرف الآخر من الممر فتح، وصوت ضحكة بعيدة وصل، وعاد العالم من جديد

كايل قال ببرود مهذب

"ارجعي إلى القاعة"

"واختاري مقعدًا لا يجعلكِ في المنتصف"

سألت إيليانا

"لماذا"

قال

"لأن المنتصف ليس مكانًا آمنًا للوافدين الجدد"

ثم استدار كأنه لم يأتِ إلا ليقول هذا

وقبل أن يبتعد، قالت إيليانا بسرعة، كأنها تمسك سؤالًا قبل أن يهرب

"كايل… لماذا يظن ريون أنني هنا لأخذ شيء"

توقف كايل لحظة

ثم قال دون أن يلتفت

"لأنهم اعتادوا أن كل شيء يؤخذ"

ثم مضى

بقيت إيليانا وحدها أمام المرآة

تلمس بيدها طرف الحقيبة كما لو أنها تذكّر نفسها أنها ما زالت موجودة

ثم عادت إلى القاعة

لكنها لم تجلس

لأنها حين دخلت، رأت جدتها عند الباب

مدام دي لافونتين كانت واقفة بهدوء، حضورها يكفي ليصمت المكان، وحين التقت عيناها بعيني إيليانا، أومأت إيماءة صغيرة

ثم قالت بصوت لا يرفع نفسه، لكنه يصل إلى الجميع

"إيليانا، تعالي"

وتحركت القاعة كلها في داخلها

لأن الجدة لم تقل تعالي كثيرًا لأحد

وهنا انتهى الفصل الثالث

2026/02/23 · 2 مشاهدة · 1287 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026