الفصل الثاني والأربعون: تدريب إضافي

لم يمنحهم المسار وقتًا طويلًا للراحة.

في الصباح التالي، ظهر البند الذي قرأته إيليانا في نهاية فصل الموسم الأول:

تدريب إضافي مختار

المكان: جناح التأهيل الخاص

الحضور: كوستوس + المتدربة

كانت الجملة تبدو رسمية، لكنها في ڤيريتاس تعني شيئًا آخر أيضًا: أن هناك من يريد أن يراكِ تحت عدسة أضيق.

دخلت إيليانا الجناح وحدها.

الممرات هنا دائمًا أبرد، كأنها مصممة لتسحب من الإنسان دفئه قبل أن يدخل، حتى لا يدخل بشيء زائد.

وصلت إلى القاعة الجانبية الصغيرة التي اعتادت أن تُستخدم للتدريب الفردي.

كان كايل هناك، يقف قرب الطاولة، ملف في يده، ولا شيء على وجهه يقول إن أمس كان موسمًا وإن الغابة كانت ضبابًا.

رفع نظره إليها وقال بصوته المنخفض:

“اليوم ليس قوة.”

“اليوم حضور.”

جلست إيليانا بهدوء.

“حضور أمام من؟”

كايل قال:

“أمام من يحب أن يختبر.”

ثم أضاف:

“وأمام نفسك.”

كانت القاعة اليوم مختلفة.

لا أهداف إلكترونية.

لا سلاح.

فقط مرآة طويلة، وخط على الأرض، وكرسي واحد مقابل نافذة عالية يدخل منها الضوء بلا دفء.

قال كايل:

“ستقفين هنا.”

ثم أشار إلى الخط.

“وسأطرح عليك أسئلة واجهة.”

“إجابتك جملة واحدة.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

“مثل ماذا؟”

كايل قال بلا مقدمات:

“لماذا أنتِ هنا؟”

توقفت إيليانا لثانية.

شعرت أن السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتح بابًا كبيرًا.

قالت:

“لأنني من العائلة.”

كايل أومأ:

“جيد.”

ثم تابع:

“هل تريدين الوراثة؟”

تجمدت إيليانا.

ثم قالت بصوت ثابت:

“أريد أن أعيش بكرامة.”

صمت كايل لحظة.

ثم قال:

“جيد.”

ثم قال سؤالًا آخر، أقرب إلى الفخ:

“هل تخافين من المجلس؟”

إيليانا لم تبتسم.

قالت:

“أحترم القواعد.”

كان الرد ذكيًا بما يكفي ليغلق الباب.

أومأ كايل.

ثم قال:

“مرة أخرى.”

وأعاد السؤال بصيغة مختلفة.

“هل تثقين بمن حولك؟”

هنا ترددت إيليانا لحظة أطول.

لأنها رأت في ذهنها جريس ودائرتها، ورأت أوغست، ورأت الظل الذي يظهر حين لا يجب أن يظهر.

قالت أخيرًا:

“أختار أن أثق حين أرى فعلًا، لا كلامًا.”

كانت جملة تحمل معنى أكبر من الواجهة.

كايل فهم ذلك.

لم يعلق.

لكنه قال بصوت أقل حدة:

“حسنًا.”

تحركت الجلسة إلى تدريب جسدي بسيط: المشي على الخط ببطء مع الحفاظ على ثبات الوجه.

كل مرة كانت عين إيليانا تهرب، كان كايل يقول كلمة واحدة:

“أمامك.”

لم يكن يلمسها إلا إذا اضطرت.

لم تكن الجلسة عن لمس.

كانت عن السيطرة.

بعد نصف ساعة، قال:

“انتهى.”

نهضت إيليانا وهي تشعر بتعب في الكتفين أكثر من الرجلين.

سألته قبل أن تخرج، بصوت خافت:

“هل أنا… أتحسن؟”

توقف كايل لثانية.

ثم قال:

“نعم.”

وأضاف مباشرة:

“وهذا سيجعلهم يقتربون.”

لم تفهم كل شيء، لكنها فهمت التحذير.

خرجت إيليانا من الجناح.

في الخارج، في الممر المؤدي إلى البهو، التقت بريّون.

كان وحده، يحمل ملفًا صغيرًا، ووجهه أقل قسوة من البداية.

وقف أمامها مسافة محترمة، ثم قال:

“أنتِ خرجتِ من هنا.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“نعم.”

ريّون قال:

“إذن هم يجهزونكِ جيدًا.”

لم تحب كلمة “هم”.

لكنها لم تعترض.

قالت:

“إنه تدريب.”

ريّون تردد لحظة، ثم قال بصوت منخفض:

“سيلست لن تترككِ بسهولة.”

ثم أضاف:

“إذا رأيتِها تبتسم أكثر من اللازم… تراجعي.”

كانت النصيحة مفاجئة.

إيليانا نظرت إليه بجدية:

“لماذا تقول لي هذا؟”

ريّون لم يهرب هذه المرة.

قال:

“لأنني أخطأت في فهمكِ.”

ثم أضاف بسرعة، كأنه لا يحب الاعتراف:

“ولأن الموسم لا يرحم الحمقى.”

ابتسمت إيليانا ابتسامة صغيرة.

“شكرًا.”

ريّون قال:

“لا تشكريني.”

ثم أشار إلى الملف:

“سأراكِ في بروفة الغد.”

ومضى.

كانت لحظة قصيرة.

لكنها كانت كافية لتجعل إيليانا تشعر أن ريون، لأول مرة، يقف في نفس الاتجاه ولو قليلاً.

ولم ترَ كايل.

لكنها شعرت، للحظة، أن الممر صار أبرد بعد أن مرّت تلك المحادثة.

كأن هناك عينًا قرأت المشهد من بعيد… ثم اختفت.

——————

خرجت إيليانا إلى البهو وكأنها خرجت من غرفة امتحان، لا من تدريب.

الهواء هنا أدفأ، لكنه ليس أكثر أمانًا. الواجهة تحب أن تلتقط الإنسان بعد التعب، حين يكون أقل قدرة على التمثيل.

وجدت دائرتها قرب نافذة كبيرة.

نيكو كان يشرح لِسيلفي شيئًا بحماس شديد، وسيلفي تنظر إليه كما لو أنها تراقب ظاهرة طبيعية.

قال نيكو:

“أنا اكتشفت شيئًا.”

“إذا تكلمت بسرعة، لن ينتبه أحد أنك لا تقول شيئًا مهمًا.”

سيلفي قالت:

“نحن انتبهنا.”

ضحكت جريس حين رأت إيليانا تقترب.

“كيف كان التدريب؟”

إيليانا قالت:

“أسئلة.”

ثم أضافت:

“كثيرة.”

إيلارا رفعت حاجبها:

“هل أحرجك أحد؟”

إيليانا هزت رأسها:

“لا.”

ثم ترددت لحظة:

“لكنني شعرت أنه… إعداد.”

جريس قالت بهدوء:

“هذا ما هو عليه.”

جلسوا دقائق، ثم جاء إشعار واجهة قصير:

جلسة ضيافة سريعة في الأتريوم

الحضور: المختارون

اتجهوا إلى الأتريوم.

الضوء العالي، النافورة، الطاولات… كل شيء يبدو كما لو أنه لا يهم، وهذا ما يجعله أخطر. في الأتريوم تُزرع الجمل وتُقطف لاحقًا.

كانت سيلست هناك.

هذه المرة لم تقترب من إيليانا بسرعة.

بقيت تتحدث مع امرأة أكبر سنًا، ثم التفتت كأنها لاحظت إيليانا صدفة، وابتسمت ابتسامة لطيفة لا تحمل حدة.

اقتربت بعد دقائق، وحدها، دون لافينيا.

قالت بنبرة دافئة:

“إيليانا.”

“كيف حالك اليوم؟”

إيليانا أجابت بأدب:

“بخير.”

سيلست أومأت، ثم قالت بصوت خفيض كأنه تعاطف:

“الموسم يضغط على الجميع.”

“وأنتِ… جديدة على ضغطه.”

كانت جملة منطقية.

وهذا ما جعلها خطيرة: لأنها تبدو صادقة.

قالت إيليانا:

“أتعلم.”

سيلست ابتسمت:

“جميل.”

ثم أضافت:

“إن احتجتِ إلى نصيحة اجتماعية… أنا موجودة.”

تجمدت جريس من الداخل، لكنها لم تظهر.

أما إيليانا ففهمت أن “النصيحة الاجتماعية” قد تكون قيدًا جديدًا.

قالت إيليانا بهدوء:

“أشكرك.”

“سأفكر.”

لم ترفض.

لم تقبل.

أغلقت الباب بأدب.

سيلست بدت راضية.

ثم قالت جملة أخيرة وهي تبتسم:

“الذين يثبتون بسرعة… يجعلون الآخرين يتساءلون من أين جاء الثبات.”

ثم ابتعدت.

نيكو همس:

“إنها تتكلم كما لو أنها تبيع عطرًا.”

سيلفي قالت:

“بل تبيع اتجاهًا.”

ضحك نيكو، لكن ضحكته كانت منخفضة.

بعد قليل، جاء إعلان صغير من الإدارة:

تحديث مهمة رمزية للمختارين: “علامة الضوء”

التنفيذ في الممر الشرقي خلال 15 دقيقة

التعاون مسموح ضمن المجموعة

تحركت المجموعة نحو الممر الشرقي.

كان الممر طويلًا، فيه لوحات قديمة وأبواب جانبية تؤدي إلى مكاتب صغيرة.

“علامة الضوء” كانت لعبة واجهة بسيطة: العثور على انعكاس محدد في مرآة، تصويره، ثم العودة.

نيكو قال:

“أخيرًا مهمة تناسبني.”

“أنا أرى الانعكاسات في كل شيء.”

جريس قالت:

“أنت ترى نفسك في كل شيء.”

ضحكوا.

كان ريون هناك أيضًا، ضمن المختارين.

اقترب من إيليانا بطريقة طبيعية هذه المرة، لا كخصم.

قال:

“هذه المهمة سخيفة.”

ثم أضاف بصوت منخفض:

“لكنهم يستخدمون السخافة كي يختبروا من يتجاوز.”

إيليانا قالت:

“أنت تلاحظ كثيرًا.”

ريّون أجاب:

“أنا اضطررت.”

ثم، بلا قصد واضح، اقترب خطوة ليشير إلى مرآة في الجهة الأخرى.

كان قربًا بسيطًا، لكنه في ممر ضيق يبدو أكبر مما هو.

في اللحظة نفسها، ظهر كايل من باب جانبي.

لم يأتِ مسرعًا.

لم يرفع صوته.

لكن حضوره قطع الهواء.

وقف بزاوية بين الممر وبين المجموعة، وقال ببرود مهني:

“العودة إلى مسار المهمة.”

ثم نظر إلى ريون تحديدًا:

“ليس من الحكمة الوقوف هنا.”

ريّون لم يجادل.

تحرك خطوة إلى الخلف فورًا، كما لو أنه يعرف أن هذا النوع من الأوامر ليس للمناقشة.

قال ريون ببرود خفيف:

“مفهوم.”

ثم ابتعد ليكمل المهمة من الطرف الآخر.

تجمدت إيليانا لثانية.

لم تكن تريد أن تجعل الأمر قصة، فركزت على المهمة فورًا.

وجدت الانعكاس المطلوب، التقطت الصورة، وعادت إلى جريس.

نيكو كان يحتفل وكأنه فاز بوسام.

“نجحنا!”

لكن إيليانا لم تكن تسمع الاحتفال كله.

كانت تشعر بشيء واحد فقط: أن كايل دخل في لحظة محددة جدًا، ثم خرج كأنه لم يفعل شيئًا.

بعد انتهاء المهمة، تفرق المختارون تدريجيًا.

بقيت إيليانا مع دائرتها.

ثم لاحظت أن كايل يمر عند نهاية الممر، وحده، عائدًا إلى باب جانبي.

لم تلحقه.

لم تنادِه.

فقط وقفت لحظة تشاهد ظهره وهو يبتعد.

وكانت تعرف أنها ستتذكر هذه الحركة لاحقًا.

ليس لأنها رومانسية علنًا، بل لأنها كانت أسرع مما ينبغي أن يكون عليه “مجرد عمل”.

وفي نهاية اليوم، وصل إشعار جديد:

بروفة ميدانية غدًا

المكان: الممرات العليا ثم الغابة

الحضور: المختارون + كوستوس

رفعت إيليانا عينيها إلى جريس.

جريس قالت:

“غدًا سيكون أطول.”

نيكو قال بمرح مصطنع:

“أنا أحب الأطول… إذا كان طعامًا.”

ضحكت إيليانا، ضحكة صغيرة.

ثم انطفأت الضحكة بهدوء حين تذكرت:

كل يوم يقربها أكثر من الفصل الذي ستسقط فيه حقًا… أو سيظنون أنها سقطت.

نهاية الفصل الثاني والأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1262 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026