الفصل الثالث والأربعون: الممرات العليا
بدأت بروفة اليوم من مكان لا تحبه إيليانا.
ليس الغابة.
بل الممرات العليا.
ممرات طويلة فوق قلب ڤيريتاس، تطل من نوافذ عالية على الأتريوم والساحات الداخلية، وتمر بجوار أبواب لا تحمل أسماء. هنا يمر الناس الذين يعرفون أين يذهبون دون أن يسألوا.
ظهر إشعار المسار قبل الموعد بربع ساعة:
نقطة التجمع: الشرفة الشرقية
مهمة: اختبار الواجهة تحت الحركة
المدة: 40 دقيقة
ملاحظة: ممنوع التوقف دون سبب
وصلت إيليانا مبكرًا مع دائرتها.
جريس لم تكن تثرثر اليوم كثيرًا، لكنها بقيت قريبة.
نيكو كان يحاول أن يبدو نشيطًا رغم أنه يكره الصباحات.
سيلفي تراقب الوجوه كما تراقب علامات الخريطة.
إيلارا واقفة كعادتها كأنها تحرس ظهرهم.
وصل ريون بعدهم بقليل.
لم يقترب من إيليانا هذه المرة.
اكتفى بهزة رأس صغيرة.
بداية احترام، لا صداقة بعد.
ثم ظهر كايل.
كان معه نواه اليوم.
نواه يحمل ملفًا وابتسامة ساخرة لا تفارقه، كأنه يرفض أن يأخذ أي شيء على محمل الجد حتى وهو في قلبه.
قال كايل بصوته المنخفض للجميع:
“اليوم اختبار حركة.”
“ستمشون.”
“وستجيبون على أسئلة واجهة أثناء المشي.”
“من يتوقف… يُسجّل.”
نيكو همس:
“أنا سأسجّل منذ البداية.”
إيلارا ضغطت على ذراعه حتى يسكت.
أشار كايل إلى بداية الممر:
“انطلقوا.”
تحركت المجموعة.
كان المشي بطيئًا لكنه مستمر.
الأسئلة تأتي من موظفين يقفون عند نقاط محددة، يطرحون أسئلة مصممة لتكون بريئة في الظاهر.
“كيف وجدتِ ڤيريتاس؟”
“هل تشعرين بالانتماء؟”
“هل لديكِ خطط للمستقبل؟”
إيليانا تذكرت تدريب الأمس.
جملة واحدة.
ثم إغلاق.
أجابت بهدوء.
لم تتلعثم.
لم تفتح بابًا.
كان هذا نجاحًا صغيرًا.
ثم جاء السؤال الذي يشبه الشق.
موظفة وقفت عند طرف نافذة، ابتسمت وقالت:
“هل لديكِ شخص تعتمدين عليه هنا؟”
توقفت إيليانا في داخلها.
لكن قدماها لم تتوقف.
قالت بجملة واحدة:
“أعتمد على نفسي، ثم على القواعد.”
كانت إجابة باردة بما يكفي لتغلق الباب.
ومع ذلك، شعرت أن بعض العيون التقطت شيئًا: أنها لم تقل “الأصدقاء” ولم تقل “العائلة”.
وهذا وحده مادة.
واصلوا المشي.
عند منعطف ضيق، حدثت “الصدفة”.
ريّون كان أمام إيليانا بخطوة، ثم تباطأ فجأة بسبب ازدحام بسيط عند الباب.
وجدت إيليانا نفسها قريبة منه أكثر من المعتاد.
التفت ريون قليلًا وقال بصوت منخفض:
“لا تتركي سيلست تشغلك.”
إيليانا رفعت حاجبها:
“لماذا تهتم؟”
ريّون لم ينظر إليها مباشرة.
قال:
“لأنني لا أريد خطأ إضافيًا.”
ثم أضاف:
“لا لكِ… ولا لي.”
كانت الجملة صادقة بما يكفي لتربكها.
وفي طرف الممر، على بعد، رأت إيليانا كايل.
رأته يراقب حركة المجموعة.
لم يكن ينظر إلى ريون وحده، ولم يكن ينظر إليها وحدها.
لكن نظرة واحدة تأخرت عند المسافة التي صارت بينهما.
ثم أكمل السير دون تعليق.
واصلوا حتى نهاية الممرات العليا.
هناك، فتح باب يؤدي إلى ممر خارجي ينزل تدريجيًا نحو تخوم الغابة.
الهواء صار أبرد.
والضوء أقل نعومة.
قال كايل عند نقطة الانتقال:
“انتهى الجزء الأول.”
ثم أضاف:
“الآن… الغابة.”
تحركت المجموعة نحو المسار الميداني.
وكان واضحًا أن هذا اليوم مصمم ليكون طويلًا.
لم تكن الغابة اليوم كثيفة مثل الغابة الشمالية في البروفة السابقة، لكنها كانت أكثر إزعاجًا بطريقتها الخاصة.
لأنهم وصلوا إليها بعد أربعين دقيقة من المشي والأسئلة.
كان على الأعصاب أن تكمل أداءها وهي متعبة.
وقف كايل عند بداية المسار الميداني، وأشار إلى لوح صغير معلّق على جذع شجرة:
“مهمة مزدوجة.”
“تصوير علامة.”
“وجمع دليل واحد فقط من الأرض.”
“كل ثنائي يسلّم الدليل مع الصورة.”
رفع أحد المتدربين صوته:
“ولماذا دليل واحد فقط؟”
كايل قال ببرود:
“لأن من يجمع أكثر… يظن أنه أذكى من القاعدة.”
لم يضحك أحد.
ثم تابع:
“الثنائيات ثابتة كما وُزعت.”
لم تُعلن الأسماء هذه المرة بصوت عالٍ.
وصلت على الهواتف.
وكانت الرسالة واضحة أمام إيليانا:
الثنائي: إيليانا بيلمون + ريون
توقفت إيليانا نصف ثانية.
جريس نظرت إليها بسرعة.
إيلارا شدّت فكها.
سيلفي رفعت حاجبها كأنها تقول: هذا اختبار.
أما نيكو ففتح فمه، ثم همس:
“هذا… مثير للاهتمام.”
أوغست كان بعيدًا، يراقب دون أن يتدخل.
وكـايل… لم يظهر أي رد فعل.
لكن إيليانا، حين رفعت رأسها، رأته ينظر إلى الثنائيات لحظة أطول مما يحتاج.
ثم قال للجميع:
“ابدأوا.”
سارت إيليانا مع ريون.
في البداية كان المشي صامتًا.
ثم قال ريون بصوت منخفض:
“سأكون واضحًا.”
“هذه ليست محاولة صداقة.”
“هذه مهمة.”
إيليانا أومأت:
“أتفق.”
كان هذا أسهل من المجاملات.
وجدوا العلامة الأولى بسرعة، رمزًا صغيرًا محفورًا على حجر.
التقطت إيليانا الصورة.
ثم قال ريون:
“الدليل على الأرض سيكون قريبًا من جذع مائل.”
“هكذا يخفونه عادة.”
نظرت إليه إيليانا:
“كيف تعرف؟”
ريّون قال:
“لأنني كنت أحاول الفوز.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“ثم اكتشفت أن الفوز هنا لا ينفع.”
قالها وكأنه يكره الاعتراف.
سارا دقيقة أخرى.
ثم توقفت إيليانا عند شيء صغير بين الأوراق: بطاقة معدنية رقيقة عليها رقم.
انحنت لتلتقطها.
وفي اللحظة نفسها، انحنى ريون أيضًا، بحركة تلقائية، كأنه يشاركها الفعل دون أن يفكر. كانت المسافة بينهما قريبة أكثر مما يلزم لثانية واحدة فقط.
نهضت إيليانا بسرعة.
أمسكت البطاقة.
وقالت بجدية:
“وجدتها.”
ريّون قال:
“جيد.”
كان كل شيء طبيعيًا.
لكن إيليانا شعرت أن الهواء تغيّر خلفها.
كأن هناك عينًا قرأت تلك الثانية.
لم تلتفت.
أكملا العودة نحو نقطة التجمع.
في الطريق، تعثرت إيليانا بحجر صغير مخفي تحت الأوراق.
لم تسقط، لكن قدمها ارتجفت لحظة.
مدّ ريون يده فورًا ليثبتها من ساعدها.
لمسة قصيرة، مساعدة لا أكثر.
قال ريون:
“هل أنتِ بخير؟”
إيليانا سحبت ذراعها بهدوء، ليس رفضًا له، بل لتبقى داخل قاعدتها.
“أنا بخير.”
ثم أكملت المشي.
وصلوا إلى نقطة التجمع.
سلّمت إيليانا الدليل والصورة.
سُجلت المهمة.
تحركت الثنائيات الأخرى.
بعضهم نجح.
بعضهم عاد بلا شيء ووجهه متوتر.
نيكو عاد وهو يتظاهر أنه ضائع رغم أنه يعرف الطريق.
قال لنواه:
“الغابة لا تحبني.”
نواه رد:
“الغابة لا تعرفك حتى تكرهك.”
ضحكوا بخفة.
ثم جاء الموقف الثاني.
أحد المتدربين، شاب يحاول أن يبدو شجاعًا، قرر أن يلتقط دليلًا ثانيًا “للاحتياط” وأخفاه في جيبه.
لم يكن خطأ كبيرًا.
لكن في ڤيريتاس، الخطأ الصغير يكشف شيئًا أكبر: الرغبة في تجاوز القاعدة.
لاحظ كايل ذلك فورًا.
لم يحرجه أمام الجميع بصراخ.
اقترب منه خطوة واحدة، مد يده دون كلمة، كأنه يطلب شيئًا لا يُرفض.
الشاب تردد.
ثم أخرج الدليل الثاني ووضعه في يد كايل.
كايل قال بجملة واحدة:
“لن تنجو بالزيادة.”
ثم نظر إلى المجموعة:
“انتهى.”
كانت النهاية حادة.
كأن كايل لا يريد أن يطول اليوم أكثر مما ينبغي.
بدأت المجموعة تخرج من المسار.
إيليانا وجدت نفسها تمشي قرب كايل لبضع خطوات، لأن الناس تداخلوا عند الممر الضيق.
لم يكن بينهما وقت لحديث.
لكنها كانت تشعر بوجوده القريب.
وفجأة، ظهر ريون مرة أخرى بجانبها، وقال بصوت منخفض:
“أنتِ أسرع مما توقعت.”
ثم أضاف:
“وهذا جيد.”
لم تعرف إيليانا كيف ترد.
اكتفت بهزة رأس.
ثم ابتعد ريون.
وبقيت إيليانا لثانية مع كايل وحدهما تقريبًا، قبل أن يلحق بهم الآخرون.
التفتت إليه بابتسامة مزاح خفيفة، سريعة، كأنها ترمي حجرًا صغيرًا وترى أين يقع.
وقالت كلمة واحدة فقط:
“غِرْتَ؟”
توقف كايل جزءًا من ثانية.
جزء صغير لا يراه أحد بسهولة.
لكن إيليانا رأته.
ثم قال ببرود فوري:
“ركّزي.”
كانت كلمة تدريب.
لكنها خرجت أسرع من اللازم، كأنها تُغلق بابًا.
إيليانا ابتسمت أكثر، وكأنها لم تقصد شيئًا كبيرًا:
“أركز.”
ثم سبقت بخطوة لتلحق بجريس.
تركت كايل خلفها للحظة.
لم ينادِها.
لم يعلّق.
لكن وقفته ظلت ثابتة أكثر من المعتاد، كأنه يحارب فكرة لا يريدها أن تكبر.
وفي نهاية اليوم، وصل إشعار جديد:
مراجعة نهائية قبل الصيد الرئيسي
المكان: غرفة الخرائط
الحضور: المرافق الرسمي + كوستوس + المتدربة
قرأت إيليانا الإشعار ببطء.
هذه ليست جلسة تدريب.
هذه رسم لخط واضح.
الموسم يقترب من ذروته.
والخطوط تقترب من بعضها أكثر مما يسمح به أحد.
نهاية الفصل الثالث والأربعون