الفصل الرابع والأربعون: غرفة الخرائط
لم يكن إشعار “غرفة الخرائط” مجرد موعد.
كان إعلانًا غير مباشر أن الواجهة انتهت مؤقتًا، وأن الكلام سيصبح أثقل. إيليانا لم تخف من الغابة بقدر ما تخاف من الغرف التي تصنع الغابة على الورق.
في الصباح، حاولت أن تبدأ يومها كالمعتاد، بترتيب بسيط يجعل الأشياء تبدو قابلة للسيطرة: ربط الشعر، ترتيب المعطف، وضع الهاتف في مكانه، التأكد من أن خطواتها ثابتة.
لكنها حين نظرت إلى المسار مرة أخرى، رأت السطر كما لو أنه يُكتب من جديد:
مراجعة نهائية قبل الصيد الرئيسي
المكان: غرفة الخرائط
الحضور: المرافق الرسمي + كوستوس + المتدربة
ثلاثة أسماء، ثلاثة أدوار، وثلاثة خطوط تتقاطع في مكان واحد.
خرجت إيليانا إلى البهو، فوجدت جريس وحدها تنتظرها هذه المرة، بلا نيكو ولا سيلفي ولا إيلارا. كأن جريس فهمت أن هذا النوع من المواعيد لا يحتاج جمهورًا.
قالت جريس بصوت منخفض:
“كيف حالك؟”
إيليانا حاولت أن تجيب طبيعيًا:
“بخير.”
جريس لم تبتسم كثيرًا.
قالت:
“لا تتوتري.”
ثم أضافت:
“إذا شعرتِ أنهم يريدون أن يجعلوكِ تبدين صغيرة… تذكري أنك لستِ وحدك.”
إيليانا ترددت لحظة.
ثم قالت:
“أحيانًا أشعر أنني وحدي على أي حال.”
جريس أمسكت يدها بسرعة، ضغطت عليها ثم تركتها قبل أن يراها أحد.
“ليس اليوم.”
ثم ابتعدت خطوة، كأنها تعطي إيليانا مجالها لتدخل وحدها الباب التالي.
وصل أوغست في الوقت الصحيح، كما يفعل دائمًا. لم يبدُ عليه أي شيء يوحي بأنه نام أو أنه قلق. كان يرتدي معطفًا داكنًا، وفي يده ملف صغير.
قال بهدوء:
“هيا.”
سارت إيليانا معه عبر الممرات الداخلية التي لا تمر على الأتريوم ولا على البحر. ممرات خشبية، إضاءة خافتة، هواء بارد، وصمت يجعل خطواتك تُسمع كأنها اعتراف.
عند باب غرفة الخرائط، وقف موظف، فتح الباب دون كلمة.
دخلت إيليانا.
الغرفة نفسها لم تتغير، لكنها اليوم بدت أضيق.
الخريطة الكبيرة على الجدار، كأن الغابة معلقة هناك وتنتظرهم.
طاولة خشبية.
أوراق مرتبة بعناية.
ورائحة حبر خفيف، كأن القرارات تُكتب هنا قبل أن تُقال.
أوغست جلس في مكانه الجانبي، ليس في مركز الطاولة، بل على خط موازي لها، كما لو أنه يرفض أن يبدو جزءًا من “المحاكمة”.
أما الكرسي المقابل لإيليانا… فكان فارغًا.
ثم انفتح الباب الداخلي ودخل كايل.
لم يدخل ببطء، ولا باستعراض.
دخل كما يدخل من يعرف أن وجوده هنا بحد ذاته رسالة.
وقف أولًا قرب الطاولة، وضع ملفه، ثم رفع نظره إلى إيليانا.
لم يقل شيئًا شخصيًا.
قال فقط:
“صباح الخير.”
كانت تحية صغيرة، لكنها في هذا السياق تبدو مختلفة.
تحية تقول: أنا أراكِ، لكنني لن أظهر ذلك كثيرًا.
جلست إيليانا.
قال أوغست مباشرة:
“سنراجع المسار النهائي.”
ثم أشار إلى الخريطة.
“هذه المنطقة ستكون مغلقة.”
“هذه المنطقة ستكون للجمهور المختار.”
“وهذه المنطقة… لا تدخليها.”
نظر إلى إيليانا عند الجملة الأخيرة.
“حتى لو بدا الطريق أقصر.”
إيليانا أومأت:
“حسنًا.”
كايل لم يقاطع.
كان يستمع فقط، لكن استماعه ليس صامتًا. هو نوع من الاستماع الذي يجعلك تشعر أن كلمة واحدة منه قد تغيّر كل شيء.
قال أوغست:
“الجزء الأهم في الصيد ليس إطلاق النار.”
“الجزء الأهم هو الحركة.”
ثم قال بصوت أكثر جمودًا:
“من ينفصل… يصبح قصة.”
تذكرت إيليانا تحذير المسار.
تذكرت الضباب.
وتذكرت أن الناس لا ينتظرون سقوطها الحقيقي، بل ينتظرون لقطة تسقط فيها صورتها.
سألته إيليانا، محاولة أن تبقي صوتها ثابتًا:
“وماذا لو انفصل أحدهم عني؟”
أوغست لم يتردد:
“لا تلحقيه.”
“اجعليه يلحقك.”
كانت قاعدة بسيطة.
لكنها صعبة حين يتورط قلبك في المجاملة.
تحرك كايل أخيرًا.
قال بصوته المنخفض:
“وأضيف شيئًا.”
التفتت إيليانا إليه.
قال:
“إذا رأيتِ دليلًا على الأرض…”
ثم توقف لحظة، كأنه يختار كلمة لا تُفهم خطأ:
“لا تنحني بسرعة.”
أوغست نظر إليه للحظة.
ثم عاد إلى الورق.
أما إيليانا، فشعرت أن الجملة ليست عن الدليل وحده. هي عن الحركة كلها، عن الثواني التي يلتقطونها لتصنع منك قصة.
قالت إيليانا:
“حسنًا.”
أوغست دفع ورقة نحوها.
كانت قائمة قصيرة: “جمل الواجهة”.
جمل جاهزة للإجابة على الأسئلة الشائعة.
قال:
“ستحفظينها.”
“ليس لتقوليها كما هي.”
بل لتعرفي كيف تغلقين الأبواب.”
بدأت إيليانا تقرأ.
“أنا هنا لأتعلم.”
“أحترم القواعد.”
“أقدّر دعم العائلة.”
“أفضّل أن أبقى مع المجموعة.”
جمل تبدو بسيطة.
لكن كل واحدة منها مثل قفل.
قال كايل فجأة:
“هذه الجملة لا تقوليها.”
رفعت إيليانا رأسها.
“أي جملة؟”
أشار بإصبعه إلى سطر:
“أقدّر دعم العائلة.”
أوغست رفع حاجبًا لأول مرة.
“لماذا؟”
كايل قال ببرود:
“لأنها تفتح سؤالًا ثانيًا.”
ثم أضاف:
“ومن يفتح سؤالًا ثانيًا… يفتح طريقًا.”
شعرت إيليانا أنها تراه كما هو في لحظة كهذه: عقل يسبق الفخاخ بربع ثانية.
أوغست لم يجادل.
قال:
“حسنًا.”
ثم نظر إلى إيليانا:
“اكتبي بدلها: أقدّر وضوح المسار.”
كتبت إيليانا.
ثم سأل أوغست سؤالًا بدا عاديًا:
“هل تفهمين الآن لماذا أنتِ هنا؟”
إيليانا لم تجب بسرعة.
ثم قالت:
“لأكون… ضمن الصورة.”
أوغست أومأ:
“نعم.”
ثم أضاف:
“لكن ليس لتُبتلعي.”
سكتت إيليانا.
ثم رفعت عينها إلى كايل، وسألت سؤالًا لم تفكر فيه طويلًا:
“وأنت؟”
“لماذا أنت هنا؟”
تجمد الهواء ثانية واحدة.
أوغست لم ينظر إليهما، كأنه يعطي السؤال لحظته دون أن يتدخل.
لكن كايل نظر إلى إيليانا مباشرة.
نظر أطول من المعتاد.
ثم قال بصوت منخفض، بارد بما يكفي ليبدو مهنيًا، وصادق بما يكفي ليخيفها:
“لأغلق الأبواب قبل أن تُفتح.”
لم يقل: لأحميك.
لكنه قال ما يشبهها من طريقته.
ثم نهض كايل، كأنه أنهى مساحة الكلام.
قال:
“انتهينا.”
وقف أوغست أيضًا.
“سنلتقي قبل الانطلاق.”
ثم قال لإيليانا:
“اذهبي.”
“ولا تفكري كثيرًا.”
خرجت إيليانا من الغرفة وهي تشعر أن الخريطة بقيت في رأسها حتى بعد أن أغلقت الباب.
ومع ذلك، كان هناك شيء آخر بقي معها:
سؤالها له.
وجوابه الذي لم يُكتب في المسار.
في نهاية الممر، رأت نواه ينتظر كايل قرب باب جانبي.
كان يمسك بعلبة إسعاف صغيرة، وكأنه يتوقع أن يوم الغد لن ينتهي بابتسامة.
وحين مرّت إيليانا، رفع نواه حاجبه لها كأنه يقول: استعدّي.
لم تقل شيئًا.
اكتفت بأن تمشي.
لأن اليوم الذي يسبق الحدث الكبير لا يسمح لك أن تكوني كثيرة الكلام.
يطلب منك أن تكوني ثابتة… فقط.
خرجت إيليانا من الممرات الداخلية وهي تشعر أن ضوء الواجهة في الأتريوم أقوى من اللازم، كأنه يبالغ في التظاهر بأن الحياة عادية.
كانت تريد أن تعود مباشرة إلى جناحها، أن تغلق الباب على نفسها ساعة واحدة على الأقل، لكن المسار لم يسمح حتى بذلك.
إشعار جديد ظهر بعد دقائق:
جلسة واجهة أخيرة قبل الصيد
المكان: الشرفة البحرية
الوقت: 18:00
الحضور: المختارون
قالت جريس حين قرأت الإشعار:
“إنهم يريدونكِ مرئية.”
ثم أضافت بمرارة خفيفة:
“حتى قبل أن يبدأ المسرح.”
قبل الغروب بقليل، كانت الشرفة البحرية تلمع بأضواء صغيرة، طاولات مرتبة، موسيقى هادئة، وكؤوس تُرفع كأنها ترفع الهدوء لا الشراب. الهواء مالح، والبحر تحتهم يبدو ثابتًا بطريقة تثير القلق، لأن الثبات في الطبيعة لا يعني الثبات في الناس.
وقفت إيليانا مع دائرتها عند طرف لا يلتقط الضوء مباشرة.
نيكو كان يرتدي شيئًا رسميًا لكنه أضاف عليه تفصيلة سخيفة صغيرة: دبوسًا على شكل صافرة.
قال بفخر:
“هذا تذكار من ساعة الضحك.”
“لأذكر نفسي أنني لن أُقتل غدًا قبل أن أضحك اليوم.”
إيلارا قالت:
“لا تتحدّث عن القتل.”
نيكو هز رأسه فورًا:
“صحيح.”
“سأقول: لا أُسحق.”
سيلفي قالت بهدوء:
“هذا أدق.”
ضحكت جريس ضحكة قصيرة رغم توترها.
ثم التفتت إلى إيليانا:
“هل أنتِ بخير؟”
إيليانا أرادت أن تقول: لا.
لكنها قالت ما تعلمته:
“أنا ثابتة.”
لم تكن كذبة كاملة.
كانت اختيارًا.
بدأ المختارون يتوزعون على الطاولات، يختلطون ببطء كما لو أن كل واحد منهم يعرف قيمة دقيقته. ظهرت سيلست بعد قليل، لا تبدو كخصم، بل كسيدة مجتمع تتقن أن تجعل وجودها يبدو ضرورة.
لم تأتِ إلى إيليانا مباشرة.
جعلت ذلك يبدو عفويًا.
توقفت أولًا عند شخصين، ضحكت، ثم التفتت كأنها لاحظت إيليانا صدفة، ومشت نحوها.
قالت سيلست بنبرة دافئة:
“مساء الخير، إيليانا.”
إيليانا أجابت بأدب:
“مساء الخير.”
سيلست نظرت إلى جريس ثم إلى سيلفي وإيلارا ونيكو، وابتسمت:
“دائرة لطيفة.”
ثم أضافت:
“من حسن حظك أنكِ لست وحدك.”
لم تكن جملة عدائية.
لكنها تحمل تلميحًا: من يحتاج دائرة، يحتاج حماية.
قبل أن ترد جريس، قال نيكو بسرعة وبفصحى خفيفة:
“نحن لا نحميها.”
“نحن فقط نمنعها من أن تموت مللًا.”
ابتسمت سيلست:
“الملل موت اجتماعي بالفعل.”
ثم عادت بعينيها إلى إيليانا:
“غدًا يوم طويل.”
“أردت فقط أن أقدّم لك نصيحة… كمن جرّب المواسم.”
إيليانا لم ترفض النصيحة.
لم تقبلها أيضًا.
قالت:
“تفضلي.”
سيلست قالت بهدوء:
“في الصيد، لا تحاولي أن تظهري أفضل من اللازم.”
“الذين يلمعون كثيرًا… يثيرون غيرة من لا يحبون اللمعان.”
ثم ابتسمت كأنها تخفف:
“وأنتِ لا تحتاجين خصومًا أكثر.”
بدت النصيحة منطقية.
لدرجة أنها خطيرة.
لأنها تدفع إيليانا إلى شيء واحد: أن تقلّل من نفسها.
أوغست كان على بعد عدة خطوات، يتحدث مع رجلين، لكنه رفع نظره لحظة قصيرة نحو سيلست ثم عاد للكلام كأنه لم ير شيئًا. وجوده وحده قال لإيليانا: انتبهي.
إيليانا ردّت بجملة واحدة، كما تدربت:
“سأبقى مع المجموعة.”
ابتسمت سيلست، كأنها أعجبتها الإجابة لأنها لم تعطها مادة.
“جميل.”
ثم أضافت الجملة التي زرعت الإبرة:
“وإذا رأيتِ شيئًا على الأرض… لا تترددي.”
“التردد هو الذي يوقع الناس.”
قالتها بنعومة.
لكنها كانت عكس ما قاله كايل في غرفة الخرائط.
وعكس ما قاله أوغست.
وعكس ما تعلمته إيليانا من فخاخ الدليل.
شعرت إيليانا ببرودة خفيفة في صدرها.
لم تظهرها.
قالت فقط:
“شكرًا.”
سيلست ابتسمت، ثم انسحبت كما جاءت، كأنها لم تفعل شيئًا سوى لطف.
حين ابتعدت، زفرت جريس ببطء:
“هذه ليست نصيحة.”
إيليانا همست:
“أعرف.”
سيلفي قالت:
“إنها تزرع حركة.”
إيلارا قالت:
“كي تبدين مخطئة وحدك.”
نيكو رفع إصبعه:
“إذن نحن سنزرع حركة مضادة.”
جريس نظرت إليه:
“نيكو، لا تزرع شيئًا.”
نيكو ابتسم:
“حسنًا.”
ثم أضاف:
“سأزرع نكتة.”
وقبل أن يمنعه أحد، تحرك نيكو نحو مجموعة من المختارين وبدأ “لعبة صغيرة” من لا شيء: يسألهم عن أكثر شيء سخيف يخافونه، ويجعلهم يجيبون بسرعة. الفكرة كانت بسيطة، لكنها نجحت: الضحك انتشر قليلًا، وصار التركيز أقل على الكلمات الخبيثة وأكثر على خفة اللحظة.
حتى بعض الوجوه الثقيلة ابتسمت.
وهذا ما كانت تحتاجه إيليانا: أن ترى أن الواجهة يمكن أن تُستخدم لصالحها أيضًا، لا ضدها فقط.
على طرف الشرفة، رأت نواه وماديسون يقفان قرب باب جانبي.
نواه كان يقول شيئًا بصوت منخفض، وماديسون تستمع دون أن تهرب.
ثم ناولها نواه شيئًا صغيرًا، ليس رسالة هذه المرة، بل قفازات رقيقة للعمل الميداني.
قال نواه بنبرة ساخرة أخف من المعتاد:
“غدًا ستحتاجينها.”
“وحتى أنا لا أستطيع إنقاذ أصابعك إذا تجمدت.”
ماديسون ردت ببرود:
“أنا لا أحتاج إنقاذًا.”
نواه قال بهدوء:
“أعرف.”
ثم أضاف:
“لكنني أقدّمها على أي حال.”
توقفت ماديسون لحظة.
ثم أخذت القفازات.
لم تشكره.
لكنها لم ترفض.
كان هذا كافيًا ليبتسم نواه لنفسه.
في نهاية الواجهة، عاد أوغست إلى إيليانا.
قال بصوت منخفض:
“هل قالت لك سيلست شيئًا؟”
ترددت إيليانا جزءًا من ثانية.
ثم قالت:
“نصيحة.”
أوغست قال:
“وما هي؟”
إيليانا اختارت ألا تكررها حرفيًا.
قالت فقط:
“شيئًا يناقض الخطة.”
أوغست أومأ:
“جيد.”
ثم أضاف:
“إذن لا تتذكريها غدًا.”
كانت جملة بسيطة.
لكنها كانت حماية.
وقبل أن يتفرقوا، ظهر إشعار المسار الأخير لليوم:
اليوم الرئيسي: الصيد السنوي
التجمع: 05:20
اللباس: كامل
القاعدة: لا انفصال
ملاحظة: أي مخالفة تُوثّق
أغلقت إيليانا الهاتف ببطء.
لم يعد هناك تدريب آخر يخفف عنها.
لم يعد هناك ضحك يطيل الوقت.
غدًا، كل خطوة ستكون لقطة.
وكل لقطة قد تصبح قصة.
وعلى الرغم من ذلك، كانت تعرف شيئًا واحدًا:
أنها لن تدخل الغابة وحدها.
حتى لو بدا ذلك في الصورة.
نهاية الفصل الرابع والأربعون