الفصل الخامس والأربعون: اليوم الرئيسي

في الخامسة وعشرين دقيقة قبل الفجر، كان البهو كأنه قاعة انتظار لشيء أكبر من فعالية.

أضواء خافتة، وجوه مختارة، وهمسات قليلة لأن الصوت هنا يُسجل حتى لو لم يحمل جهازًا. إيليانا كانت تقف مع دائرتها، تحاول أن تبقي أنفاسها طبيعية وأن تترك الخوف في مكانه دون أن يخرج على وجهها.

جريس لم تقل الكثير. اكتفت بأن وقفت قريبة.

سيلفي كانت صامتة، تنظر إلى الناس كما لو أنها تقرأ ترتيبهم.

إيلارا كانت أكثر يقظة من أي يوم.

أما نيكو… فكان جادًا على نحو غير مألوف، وكأن الليلة سحبت منه الرغبة في المزاح مؤقتًا.

قال نيكو أخيرًا، بصوت منخفض:

“أنا لا أحب أن يكون الصمت… كبيرًا هكذا.”

جريس همست:

“اصنع صمتًا أصغر.”

نيكو أومأ، ثم ابتلع أي نكتة كانت على وشك الهروب منه.

ظهر أوغست في الموعد تمامًا.

لم يكن يحمل سلاحًا بيده، لكن وجوده وحده كان يكفي ليبدو كأنه يحمل القرار.

وقف أمام إيليانا وقال:

“هل أنتِ جاهزة؟”

إيليانا قالت:

“نعم.”

أوغست نظر إلى وجهها ثانية واحدة أطول، ثم قال:

“اليوم… لا تلتقطي شيئًا من الأرض.”

ثم أضاف:

“حتى لو كان يبدو لكِ أنه لكِ.”

لم يشرح.

لم يحتج.

هزّت إيليانا رأسها:

“حسنًا.”

ثم دخل كايل.

دخوله لم يكن صاخبًا، لكنه كان واضحًا. معه فريق أمن صغير، وخريطة مطوية، وسماعة في أذنه. كان كأنه يوازن بين عالمين: عالم يبتسم للواجهة، وعالم يتحرك للسلامة.

قال كايل بصوته المنخفض للجميع:

“القاعدة: لا انفصال.”

“القاعدة: لا بطولات.”

“القاعدة: لا تكرار للخطأ.”

ثم توقف لحظة قصيرة، كأنه يضيف بندًا غير مكتوب:

“والذين يريدون أن يختبروا حدودكم… سيحاولون.”

تحركت المجموعة نحو نقطة الانطلاق.

كانت المنطقة هذه المرة أكبر، والضباب أثقل، والناس أكثر. “الجمهور المختار” لم يكن يجلس على كراسٍ. كان يقف على منصات خشبية مرتفعة عند بعض النقاط، يراقب مرور المجموعة كأنها عرض حي.

لم يكن أحد يصفق.

لكن العيون تكفي.

بدأت الحركة.

المسار الأول كان سهلًا ظاهريًا: علامات واضحة، توقفات قصيرة، ومهام صغيرة تُسلم عند نقاط محددة. الهدف ليس الفوز، بل “الانضباط تحت النظر”.

إيليانا بقيت مع دائرتها، ضمن مجال الرؤية كما قال كايل.

كانت تركز على ما تدربت عليه: لا تشرح كثيرًا، لا تلتقط الطُعم، لا تمنحيهم قصة.

عند أول نقطة تسليم، حدثت الحركة الأولى من سيلست.

لم تقترب منها كعدوة.

اقتربت كصديقة، بابتسامة مريحة، وبجملة مريحة.

قالت سيلست لإيليانا وهي تمر قربها:

“تذكري نصيحتي.”

فقط هذه الجملة.

ثم مرت.

لم تقل النصيحة نفسها.

لكن إيليانا تذكرتها.

وتذكرت أيضًا أنها كانت معاكسة لما قاله أوغست وكايل.

هذا هو فخ سيلست الحقيقي: أن تضع في رأسك خيارين، فتترددين نصف ثانية، والنصف ثانية تُصنع منها قصة.

قالت جريس بسرعة، وكأنها تقطع الشرود:

“إيليانا.”

التفتت إيليانا.

جريس قالت:

“إلى الأمام.”

كانت كلمة واحدة.

لكنها أعادتها إلى المسار.

بعد دقائق، ظهرت مهمة جديدة على الهواتف:

“رمز الموسم: زهرة بيضاء”

“التقاط صورة للزهرة في موقعها دون قطفها”

“التسليم عند النقطة الثالثة”

همس نيكو:

“حتى الزهور أصبحت وثائق.”

سيلفي قالت:

“لا تلمسها.”

إيلارا أضافت:

“ولا تقفي وحدك.”

ساروا بحثًا عن الزهرة.

وهنا، حدثت “الصدفة” التي تشبه المقصودة.

ريون كان ضمن مجموعة قريبة.

اقترب هذه المرة بشكل طبيعي، ليس ليأخذها، بل ليقول شيئًا واضحًا:

“الزهرة البيضاء توجد قرب الصخور الرطبة.”

“لكن لا تقتربي كثيرًا من الحافة.”

كان تحذيرًا حقيقيًا.

إيليانا نظرت إليه وقالت بهدوء:

“شكرًا.”

ريّون أومأ، ثم ابتعد خطوة.

لم تكن هناك حميمية، ولا شيء مبالغ.

لكن القرب وحده، تحت نظر المختارين، يصبح مادة.

رأت إيليانا كايل من بعيد عند منصة خشبية، يراقب تفرعات المسارات.

لم يتدخل.

لم يتحرك.

لكنها شعرت أنه رأى.

وصلوا إلى منطقة الصخور الرطبة.

كانت هناك زهور صغيرة فعلًا، بيضاء، رقيقة، تنمو قرب حافة منخفضة حيث يجري ماء خفيف على الحجر. المكان جميل بشكل يوقعك في فخ: تنسين أنك في اختبار وتتصرفين كأنك في نزهة.

اقتربت إيليانا خطوة، تريد أن تلتقط الصورة كما طُلب.

ثم رأت شيئًا آخر على الأرض.

ليس زهرة.

بل بطاقة معدنية صغيرة تشبه “دليلًا إضافيًا”.

كانت موضوعة بطريقة لا تبدو صدفة.

تذكرت نصيحة سيلست: لا تترددي.

وتذكرت تحذير أوغست: لا تلتقطي شيئًا من الأرض.

تجمدت لثانية.

وفي تلك الثانية، صارت الحافة أكثر انزلاقًا تحت قدمها.

لم تسقط بعد.

لكن الأرض قالت: انتبهي.

رفعت إيليانا رأسها بسرعة، تراجعت خطوة لتثبت نفسها، وقررت أن تترك البطاقة حيث هي.

التقطت صورة الزهرة فقط.

ثم عادت إلى دائرتها.

نجت من الفخ الأول.

لكنها شعرت أن اليوم لن يكتفي بفخ واحد.

لأن الموسم الحقيقي لا يسقطك مرة واحدة.

هو يجرّبك حتى تتعب… ثم يختار اللحظة.

لم تمضِ عشر دقائق بعد نقطة الزهرة البيضاء حتى جاء تحديث جديد على المسار، وكأن النادي لا يسمح للنجاة بأن تُشبه الراحة.

مهمة انتقالية

المدة: 25 دقيقة

الهدف: الوصول إلى نقطة “الممر الحجري”

ملاحظة: يمنع التباطؤ المتعمد

قال نيكو وهو يقرأ:

“حتى التباطؤ صار جريمة.”

سيلفي قالت:

“يريدون أن يتعبك.”

ثم أضافت:

“التعب يصنع الأخطاء.”

إيلارا نظرت إلى الطريق أمامهم:

“إذن لا نتعب.”

نيكو قال:

“هذه جملة جميلة.”

ثم همس:

“لكنها مستحيلة.”

تحركوا.

الممر الحجري كان جزءًا من الغابة لا يشبه الغابة: صف حجارة طبيعية مصفوفة كدرج قديم، ترفعك إلى نقطة أعلى حيث يمكن للجمهور المختار أن يرى مرورك بوضوح. الارتفاع هنا ليس جمالًا، بل كاميرا.

حين صعدوا أولى الدرجات، شعرت إيليانا كيف تصبح الأنفاس مسموعة أكثر.

ليس لأن الصعود صعب، بل لأن العيون تجعل كل شيء يبدو أصعب.

عند منتصف الدرج، وقفت امرأة من الإدارة مبتسمة، تمد بطاقة صغيرة لكل مجموعة.

“تفضلوا.”

كانت البطاقة تحمل سؤال واجهة:

“ما الشيء الذي تتمنينه من الموسم؟”

همس نيكو:

“أن ينتهي.”

جريس ضغطت على ذراعه.

إيليانا أجابت بجملة واحدة كما تدربت:

“أن أخرج منه كما دخلت.”

كانت جملة بسيطة، لكنها ذكية.

لا تتحدى، ولا تتوسل.

المرأة ابتسمت:

“إجابة جميلة.”

ثم سجلت شيئًا في جهازها.

واصلوا الصعود.

عند القمة، كان هناك شريط خشبي يحدد منطقة الوقوف.

وفوقها منصة صغيرة للجمهور المختار.

رأت إيليانا وجوهًا كثيرة.

ورأت بينهم مارو.

ورأت سيلست.

ورأت لافينيا تهمس لامرأة أخرى.

ورأت أيضًا شيئًا أقسى: أن الضحك الذي كان في الليلة الممنوعة لا مكان له هنا.

هنا كل ابتسامة تُعدّ.

وصلوا إلى نقطة “الممر الحجري”.

المطلوب كان بسيطًا: تسليم صورة الزهرة، ثم استلام رمز جديد.

سلّمت إيليانا الصورة.

أخذ الموظف الهاتف، تحقق، ثم أعاده دون تعليق.

ثم ناولها رمزًا جديدًا: شريطًا رفيعًا بلون فضي.

وقال ببرود:

“احتفظي به حتى النقطة التالية.”

“لا تسقطيه.”

أومأت إيليانا.

وضعت الشريط في جيب داخلي آمن.

تحركت المجموعة للنزول.

في النزول، بدأ التعب يظهر.

لا أحد يسقط.

لكن الوجوه تشد.

والأصوات تقل.

وهنا فعل نيكو شيئًا ذكيًا على طريقته.

قال بصوت منخفض جدًا بحيث تسمعه الدائرة فقط:

“سأقول لكم سرًا.”

ثم نظر حوله كأنه جاسوس:

“إذا وصلنا إلى النهاية، سأطالب بوسام شجاعة… لأنني لم أشتكِ كثيرًا.”

جريس همست:

“لقد اشتكيت بما يكفي لثلاثة مواسم.”

نيكو وضع يده على قلبه:

“إذن أنا كريم.”

ضحكت إيليانا ضحكة قصيرة رغما عنها.

ضحكة صغيرة جدًا.

لكنها كانت كافية لتفك عقدة في صدرها.

سيلفي نظرت إليها.

ثم قالت بهدوء:

“احتفظي بها.”

“الضحك سلاح.”

لم ترد إيليانا.

لكنها حفظت الجملة.

بعد النزول، دخلوا جزءًا أقل ارتفاعًا وأكثر رطوبة.

الأرض هنا لينة.

الأوراق تغطي الحجارة.

والماء يمر بخفة على جانب المسار.

ظهرت المهمة التالية على الهواتف:

رمز الموسم: “الختم”

المطلوب: العثور على حجر يحمل الختم وتصويره

الوقت: 12 دقيقة

ملاحظة: يُنصح بالعمل الثنائي داخل المجموعة

قالت جريس:

“العمل الثنائي داخل المجموعة… يعني: لا تبتعدي.”

إيليانا أومأت.

لكن التنفيذ على الأرض لا يشبه النص.

لأن المجموعة حين تبحث، تتوسع تلقائيًا.

نصف خطوة هنا.

خطوة هناك.

وإذا كان هناك من يريد خطأ… يضع الختم في مكان يجعل الخطوة تبدو بريئة.

بدأوا يبحثون عن الحجر.

إيليانا كانت تنظر إلى الجذوع، إلى الصخور، إلى العلامات.

وفي طرف رؤيتها، رأت سيلست مرة أخرى.

ليست قريبة.

لكنها موجودة على منصة بعيدة، تراقب.

ولمحت لافينيا تتحرك باتجاه أسفل المنصة، كأنها تنزل لتقترب من المسار.

لم تتوتر إيليانا.

أجبرت نفسها ألا تتوتر.

ثم رأت “الختم”.

كان على حجر قريب من مجرى ماء رقيق.

مكان جميل.

ومكان خطير.

اقتربت إيليانا خطوة لتلتقط الصورة.

وفي نفس اللحظة تقريبًا، اقترب ريون من الجهة الأخرى.

لم يكن يقصد أن يطاردها.

كان يبحث أيضًا.

قال بصوت منخفض:

“انتظري.”

“الحجر زلق.”

إيليانا أومأت.

ثم رفعت هاتفها لتصوير الختم من مسافة.

كان بإمكانها أن تنجح دون قرب.

كانت قريبة من النجاح.

لكنها، بجانب الختم، رأت شيئًا صغيرًا آخر.

زهرة مختلفة.

أو رمزًا إضافيًا.

أو شيءًا يشبه “مكافأة” صغيرة.

فكرة غير مهمة.

غير مطلوبة.

لكنها براقة بما يكفي لتغريك في لحظة تعب.

تذكرت كلمة سيلست: لا تترددي.

وتذكرت تحذير أوغست: لا تلتقطي شيئًا من الأرض.

وتذكرت عبارة كايل: لا تنحني بسرعة.

هذه المرة، لم تنحنِ.

لكنها ترددت نصف ثانية.

والنصف ثانية، هنا، يكفي كي تنزلق القدم على ورقة مبللة.

اهتزت إيليانا.

لم تسقط.

لكنها انزلقت خطوة غير محسوبة نحو الحجر.

مدّ ريون يده بسرعة ليثبتها من الكوع.

لم يكن لمسًا طويلًا.

فقط منع سقوط.

وفي نفس اللحظة، ظهر كايل على بُعد خطوات.

لم يجرِ.

لكن خطوته كانت أسرع مما ينبغي.

توقف عند الحد الذي يسمح له أن يكون “عملًا”.

وقال بصوت منخفض قاطع:

“كفى.”

لم يوجه الكلمة لريون وحده.

ولا لإيليانا وحدها.

كأنها موجهة للمشهد كله.

ثم أشار بإصبعه إلى نقطة أبعد عن المجرى:

“صوّري من هناك.”

تراجعت إيليانا فورًا.

صوّرت الختم من المسافة.

نجحت.

سحب ريون يده فورًا، كأنه فهم أن أي ثانية إضافية تصبح مادة.

قال ريون ببرود خفيف:

“مفهوم.”

ثم ابتعد.

بقيت إيليانا لحظة، قلبها يدق.

ليس خوفًا من السقوط.

بل من فكرة أنها كادت تمنحهم لحظة.

اقتربت جريس بسرعة:

“هل أنتِ بخير؟”

إيليانا أومأت:

“نعم.”

نيكو قال بصوت منخفض:

“هذه كانت لقطة.”

“أنا شعرت بها.”

سيلفي نظرت إلى كايل من بعيد، ثم قالت:

“وهو قطعها.”

كايل لم يبقَ.

تراجع فورًا إلى مكانه كأنه لم يتحرك.

لكن إيليانا رأت في عينيه شيئًا سريعًا ثم اختفى.

شيء يشبه الانفعال.

ولم تقل “غِرت؟” اليوم.

اليوم ليس للمزاح.

اليوم للبقاء داخل الصورة.

وقبل أن تنتهي المهمة، وصل إشعار أخير لليوم:

تحديث المسار

غدًا: استعادة + واجهة

بعد غد: مرحلة “المنحدر”

ملاحظة: نقاط تجمع الزهور ستتكرر

قرأت إيليانا كلمة “المنحدر” ببطء.

المنحدر يعني: أرض تميل.

وأرض تميل تعني: سقوط محتمل.

شعرت إيليانا أن الموسم لم ينهِ محاولاته.

هو فقط كان يختبر أين يمكن أن يضع قدمها كي تنزلق.

وفي نهاية اليوم، حين عادوا إلى البهو، رأت نواه يقترب من كايل ويهمس له بشيء.

كايل أجابه بجملة قصيرة، ثم التفت للحظة ورأى إيليانا.

لم يقترب.

لم يقل شيئًا.

لكنه نظر إليها كأنه يريد أن يتأكد أنها فهمت درس اليوم:

أن الخطأ لا يحتاج أن يحدث كي يكتبوه.

يكفي أن يقترب.

نهاية الفصل الخامس والأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1637 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026