الفصل السادس والأربعون: يوم الاستعادة
كان اليوم التالي أخف على الورق.
استعادة + واجهة.
لكن إيليانا تعلمت أن “الأخف” في ڤيريتاس يعني: أقل ضجيجًا، وأكثر دقة. في الأيام التي لا يحدث فيها الكثير علنًا، يحدث الكثير في التفاصيل.
استيقظت متعبة في الكتفين لا في القدمين. تعب من شد الوجه طوال يوم كامل. تعب من أن تكوني حاضرة دون أن تكوني مكشوفة.
في البهو، وجدت دائرتها تنتظرها، لكنهم لم يكونوا صاخبين كعادتهم.
جريس قالت أولًا:
“كيف تشعرين؟”
إيليانا أجابت:
“كأنني خرجت من مسرح طويل.”
سيلفي قالت بهدوء:
“لأنه كان مسرحًا.”
إيلارا أضافت:
“وما زال.”
نيكو، الذي حاول أن يبتسم، قال:
“أنا قررت أن أعيش اليوم كإنسان.”
ثم رفع إصبعه:
“ولذلك سأشرب قهوتين.”
جريس قالت:
“هذا ليس إنسانًا، هذا مشروع انهيار.”
ابتسمت إيليانا.
ابتسامة صغيرة.
ثم تذكرت لقطة المجرى.
وسرعة خطوة كايل.
فبردت ابتسامتها من الداخل.
وصل إشعار المسار:
جلسة استعادة في الجناح الصحي
ثم واجهة خفيفة عند الظهيرة
ثم “وقت حر” حتى المساء
الجناح الصحي كان من أكثر أماكن ڤيريتاس خداعًا: روائح أعشاب، إضاءة دافئة، موظفون يبتسمون كثيرًا… ومع ذلك، كل شيء فيه مصمم ليجعلك تخفض دفاعك.
دخلت إيليانا مع مجموعة صغيرة من المختارين، جلسة تمدد وتنفس وإرخاء عضلي. المدربة كانت لطيفة، لكن لطافتها رسمية.
حين انتهت الجلسة، خرجت إيليانا إلى الردهة، ووجدت ريون واقفًا قرب نافذة جانبية، وحده.
لم تكن صدفة كاملة.
لكنها لم تكن فخًا واضحًا أيضًا.
اقتربت منه على مسافة محترمة.
قال ريون بصوت منخفض:
“هل أنتِ بخير بعد أمس؟”
إيليانا أجابت بهدوء:
“نعم.”
ثم أضافت:
“شكرًا لأنك منعتني من السقوط.”
ريّون لم يبدُ سعيدًا بالشكر.
قال:
“لا أشكركِ.”
ثم تدارك، كأنه يكره أنه قالها بهذه الصيغة:
“أقصد… لا داعي.”
سكت لحظة، ثم قال:
“لا تقتربي من مجرى الماء مرة أخرى.”
“ليس لأنه خطر فقط.”
“بل لأنهم يحبون تلك الزوايا.”
إيليانا رفعت حاجبها:
“من هم؟”
ريّون نظر حوله قبل أن يجيب.
ثم قال:
“الذين يملكون الوقت ليشاهدوا سقوطًا بطيئًا.”
كانت جملة أثقل من عمره.
جعلت إيليانا تراه أكثر تعقيدًا.
قالت:
“أنت تعرفهم جيدًا.”
ريّون أجاب:
“لأنني كنت واحدًا منهم.”
ثم أضاف بسرعة:
“أو كنت أحاول أن أكون.”
صمتت إيليانا.
ثم قالت:
“وأنا؟ هل أحاول أن أكون شيئًا؟”
ريّون نظر إليها للمرة الأولى بوضوح:
“أنتِ تحاولين ألا تُؤكلي.”
ثم قال، وكأنه يمنحها اعترافًا صغيرًا:
“وهذا… أصعب.”
قبل أن ترد إيليانا، مرّ موظف من الإدارة قربهما، فتوقف ريون عن الكلام فورًا.
تحول وجهه إلى الحياد.
كأن الحوار لم يكن.
فهمت إيليانا الدرس: حتى هذا النوع من الحديث قد يُستعمل.
قالت:
“سأراك لاحقًا.”
ريّون أومأ:
“نعم.”
ومضى.
في طريقها للخروج، لمحت كايل على طرف الردهة، يتحدث مع طبيب من النادي، ونواه إلى جانبه. لم يكن ينظر إليها مباشرة. لكن حين مرت، سكت نصف ثانية، وكأن أذنه التقطت وقع خطواتها.
لم تتوقف.
لم تنظر طويلًا.
لم تمنح العيون لقطة.
لكن قلبها التقط شيئًا آخر: أن كايل كان هنا، في جناح صحي، في يوم “استعادة”، كما لو أنه لا يترك الموسم يهدأ حتى عندما يقال إنه يهدأ.
في الظهيرة، كانت الواجهة الخفيفة في الأتريوم مرة أخرى.
هنا تُوزع القهوة كأنها دواء.
وتُوزع المجاملات كأنها تذاكر.
جلست إيليانا مع دائرتها.
نيكو عاد إلى بعض الحياة، وبدأ يحكي قصة مبالغًا فيها عن “معركته مع التمدد” في الجناح الصحي.
قال:
“لقد اكتشفت أنني أملك عضلات لم أكن أعلم بوجودها… وكلها تكرهني.”
ضحكت جريس.
سيلفي قالت:
“هذا اكتشاف متأخر.”
إيلارا نظرت إلى إيليانا:
“لا تشرحي كثيرًا اليوم.”
إيليانا أومأت.
“أعرف.”
لكن قبل أن ينتهي اليوم الهادئ، جاء إشعار صغير آخر من المسار:
مهمة واجهة مسائية
المكان: صالون الرموز
الحضور: المختارون
صالون الرموز كان مكانًا جديدًا على إيليانا.
اسمه وحده يوحي أنه ليس للمرح، بل للعلامات.
رفعت إيليانا نظرها إلى جريس.
جريس قالت:
“اليوم الخفيف… انتهى.”
—————
لم تكن إيليانا قد سمعت من قبل عن “صالون الرموز”.
الاسم وحده بدا كأنه شيء قديم، من زمن كانت فيه العائلات تضع معانيها في أختام وخواتم، ثم تتظاهر أن المعاني لا تهم. في ڤيريتاس، ما زالت تهم.
عند المساء، اتجهت إيليانا مع دائرتها إلى الجناح المخصص للصالون.
لم يكن جناحًا كبيرًا، لكنه كان مصممًا ليجعلك تشعر أنك تدخل مكانًا لا يُسمح فيه بالخطأ. إضاءة ذهبية خفيفة، زجاج داكن، وروائح خشب وعطر ناعم. على الجدران لوحات صغيرة لرموز قديمة: أختام، شعارات، حروف أولى لأسماء عائلات، وتحتها جمل قصيرة لا تشرح شيئًا بالكامل.
قال نيكو بصوت منخفض وهو يقرأ إحدى اللوحات:
“هنا الناس يعبدون الحروف.”
سيلفي قالت:
“هنا الناس يعبدون الإيحاء.”
جريس همست لإيليانا:
“اليوم لا تلمسي شيئًا إلا إذا طلبوا.”
أومأت إيليانا.
في قلب الصالون كانت طاولات صغيرة.
على كل طاولة صندوق زجاجي بداخله “رمز” واحد: قطعة معدنية، ريشة قديمة، حجر صغير، ورقة مختومة، أو مفتاح قديم.
وإلى جانب كل صندوق بطاقة:
“اسحبي بطاقة معنى”
“اختر جملة واحدة”
“ثم ضعي الرمز على طاولة القرار”
كانت لعبة واجهة، لكنها لعبة تصنع انطباعًا: كيف تفكرين، ماذا تختارين، أي معنى يظهر في كلامك.
نيكو رفع حاجبه:
“حتى اللعب هنا امتحان.”
جريس قالت:
“لا تنسَ أنك أنت من اخترع هذا النوع من اللعب.”
ثم أضافت:
“فقط… بنسخة ألطف.”
بدأ المختارون يشاركون واحدًا واحدًا.
يسحبون بطاقة معنى، يقرأون كلمة مثل: “الولاء”، “الشرف”، “الحدود”، “القرار”، “السكينة”.
ثم يختارون جملة جاهزة أو يبتكرون جملة قصيرة أمام الجميع.
كانت العيون تلتقط أكثر مما تسمع.
حين جاء دور نيكو، سحب بطاقة وقرأها ثم شهق:
“السكينة.”
ثم قال بصوت جاد جدًا:
“أنا أرفض.”
“أريد بطاقة ‘الضجيج’.”
ضحك بعض من حوله.
حتى أحد الموظفين ابتسم ثم تراجع بسرعة كأنه تذكر أنه موظف.
نيكو تنحنح وأكمل بنبرة رسمية ساخرة:
“حسنًا.”
“أعلن أن السكينة مهمة…”
ثم أضاف:
“حتى يسمع الناس ضجيجي بوضوح.”
ضحكوا.
والضحك هنا ليس ترفيهًا فقط.
هو أيضًا اختبار: هل تستطيع أن تضحك دون أن تبدو طائشًا؟
سحبت سيلفي بطاقة وقرأتها بصمت:
“الحدود.”
ثم قالت جملة واحدة فقط:
“الحدود هي ما يبقى حين يذهب كل شيء.”
لم يضحك أحد.
لكن كثيرين أومأوا.
سيلفي تعرف كيف تقول الحقيقة دون أن تشرح.
جريس سحبت بطاقة:
“الولاء.”
قالت بهدوء:
“الولاء ليس طاعة… هو اختيار متكرر.”
إيلارا سحبت بطاقة:
“القرار.”
قالت بجفاف:
“القرار الحقيقي هو الذي يُغضبك أولًا.”
ثم جاء دور إيليانا.
شعرت بحرارة في أطراف أصابعها.
ليس خوفًا.
بل إدراكًا أن كل كلمة ستُقرأ.
اقتربت من الطاولة.
سحبت بطاقة معنى.
“الانتماء.”
توقفت إيليانا لحظة عند الكلمة.
كأنها تريد أن تضحك، ثم تذكرت أن الضحك هنا قد يُفهم خطأ.
رفعت رأسها.
اختارت جملة واحدة من القائمة الموضوعة:
“الانتماء لا يُمنح… يُبنى.”
قالتها بصوت ثابت.
ثم وضعت الرمز على “طاولة القرار”.
لم تكن جملة ثورية.
لكنها لم تكن خاضعة أيضًا.
كانت جملة تُغلق الأبواب.
سمعت همهمة خفيفة من بعيد.
ورأت سيلست تبتسم ابتسامة صغيرة، ليست سخرية هذه المرة، أقرب إلى تقييم.
اقتربت سيلست بعد دقائق، وحدها كما فعلت سابقًا.
قالت بنبرة دافئة:
“اختيار جميل.”
إيليانا قالت بأدب:
“شكرًا.”
سيلست نظرت إلى الرمز الذي وضعته إيليانا، ثم قالت بصوت منخفض:
“أنتِ أذكى مما يبدو.”
ثم أضافت، وكأنها تبرر نفسها دون أن تعتذر:
“وهذا ما يجعل الناس يقلقون.”
إيليانا رفعت حاجبها:
“هل تقلقين أنتِ أيضًا؟”
سيلست ابتسمت.
لم تنكر ولم تؤكد.
قالت فقط:
“أنا… أحب أن أعرف اتجاه الريح قبل أن تتغير.”
كانت هذه أول مرة تبدو فيها سيلست منطقية بوضوح، لا شريرة.
امرأة تخاف الفوضى لأنها عاشت ما يكفي لترى ثمنها.
ثم قالت جملة أخف:
“استمتعي.”
“هذه الليلة لن تتكرر.”
وانسحبت.
نيكو همس:
“أنا لا أثق بالعبارات الجميلة.”
سيلفي قالت:
“لأنك لا تعرف كيف تقولها.”
ضحكوا بخفة.
في طرف الصالون، كانت هناك زاوية أخرى: “مزاد صامت”.
ليس مزادًا على أشياء ثمينة فقط، بل على “امتيازات صغيرة”: اختيار مكان الوقوف في بداية اليوم التالي، أولوية في مجموعة المسار، أو حضور طاولة محددة في نهاية الموسم.
هذه الامتيازات تبدو سخيفة، لكنها قد تصنع سلامة أو فضيحة.
وقفت إيليانا تتفرج من بعيد.
لم تقترب.
لم تكتب اسمها.
لم تُظهر رغبة.
لكن ريون كان هناك.
كان ينظر إلى لوحة الامتيازات وكأنه يقيس أثر كل خيار.
لاحظ إيليانا، اقترب قليلًا وقال بصوت منخفض:
“لا تكتبي اسمك.”
إيليانا لم تتفاجأ كثيرًا.
قالت:
“لن أفعل.”
ريّون قال:
“هذا المكان يصنع حلفاء من ورقة.”
ثم أضاف:
“ويصنع خصومًا من نفس الورقة.”
توقفت إيليانا عند الجملة.
قالت:
“لماذا تقول لي كل هذا الآن؟”
ريّون نظر بعيدًا لحظة، ثم قال:
“لأنك إن خسرتِ هنا… ستدفع العائلة الثمن.”
ثم أضاف ببرود يعيد له توازنه:
“وأنا لا أحب دفع ثمن أخطاء غيري.”
كانت نبرة متناقضة.
لكنها صادقة بطريقتها.
في هذه اللحظة، حدث شيء صغير.
شيء يشبه جرسًا خفيًا.
فتح باب جانبي.
ودخل كايل.
لم يكن دخوله كضيف.
كان دخوله كمسؤول.
توجه مباشرة إلى مزاد الامتيازات، نظر إلى اللوحة، ثم إلى الموظف الذي يديرها.
تحدث معه بجمل قصيرة لم تسمعها إيليانا.
ثم التفت كايل فجأة نحو المكان الذي تقف فيه إيليانا وريون.
لم يحدق طويلًا.
لكن النظرة كانت واضحة بما يكفي لتجعل ريون يتراجع نصف خطوة تلقائيًا، كأنه لا يريد أن يبدو “قريبًا” في مكان يُقرأ فيه القرب.
قال ريون بهدوء:
“سأعود إلى المجموعة.”
إيليانا أومأت.
“حسنًا.”
ابتعد ريون.
وبقيت إيليانا لثانيتين في مكانها، تشعر أن الهواء تغيّر مرة أخرى.
لم يأتِ كايل إليها.
لم يقل شيئًا.
اقترب فقط من الطاولة المجاورة حيث توضع البطاقات.
سحب ورقة صغيرة من ملفه، وبدّلها بورقة أخرى أمام الموظف، كأنه يعدّل ترتيبًا إداريًا لا يخص أحدًا.
لكن إيليانا فهمت من حركة عينيه أنه يعدّل شيئًا يخصها.
اقتربت خطوة واحدة فقط، لتسمعه دون أن يراها الناس كثيرة القرب.
قالت بصوت منخفض:
“هل… غيرت شيئًا؟”
كايل لم ينظر إليها مباشرة.
قال ببرود مهني:
“لا تقفي هنا.”
كانت أمرًا، لا قسوة.
كأنه يحميها من أن تُرى وهي تسأل.
إيليانا ابتلعت السؤال.
وتراجعت.
لكن قبل أن تبتعد تمامًا، قال بصوت أخفض، سريع، لا يصلح أن يُسجّل:
“لا تكتبي اسمك.”
ثم أكمل فورًا ببرود أعلى قليلًا:
“ابتعدي.”
تجمدت إيليانا لحظة.
ثم أومأت ومشت.
في داخلها، فهمت شيئًا بسيطًا:
كايل لا يمنعها من أشياء لأنها خاطئة فقط.
بل لأن هناك من ينتظر أن يلتقط منها خطوة واحدة ويجعلها وثيقة.
في نهاية الصالون، حين بدأ المختارون يغادرون، وصل إشعار أخير:
بعد غد: مرحلة “المنحدر”
ملاحظة: نقاط جمع الرموز ستكون فردية لبعض المختارين
قرأت إيليانا كلمة “فردية”.
ثم رفعت رأسها ببطء.
الفردية هنا ليست استقلالًا.
هي اختبار عزلة.
ومع مرحلة اسمها “المنحدر”، بدا الأمر كأنه يمهّد لشيء واحد:
لحظة زلة لا تحتاج إلا نصف ثانية.
نهاية الفصل السادس والأربعون