الفصل السابع والأربعون: جناح هنرييت
جاءت دعوة مدام هنرييت دي لافونتين في وقت بدا غريبًا على ورق المسار.
لم تكن جلسة.
لم تكن بروفة.
لم تكن “واجهة”.
كانت سطرًا واحدًا فقط، بلا تزيين:
زيارة خاصة – جناح العائلة
حين قرأته إيليانا، شعرت أن صدرها يضيق ثم يتسع في اللحظة نفسها. كأن الهدوء صار شيئًا يُخاف منه لأنه غير معتاد.
ذهبت وحدها.
الجناح الذي تقيم فيه هنرييت كان في جزء أعلى من ڤيريتاس، لا يمر به الأعضاء عادة. الممر المؤدي إليه أكثر دفئًا، أقل زجاجًا، وأكثر خشبًا. كأن المكان يذكّرك أن العائلة كانت هنا قبل النادي، وأن النادي ليس إلا قشرة جديدة على شيء قديم.
فتحت لها خادمة الباب بابتسامة خفيفة، وأدخلتها إلى صالون صغير يطل على حديقة داخلية.
لم يكن الصالون مبهرًا كما توقعت.
كان أنيقًا فقط.
شمعة واحدة.
شاي دافئ.
وشجرة قديمة ترى فروعها من خلف الزجاج.
نهضت هنرييت حين دخلت إيليانا.
لم تتقدم بخطوات مسرحية.
تقدمت كجدة.
قالت بهدوء:
“تعالي، اجلسي.”
جلست إيليانا.
شعرت لثانية أنها لا تعرف كيف تتصرف في غرفة لا تختبرها.
سكبت هنرييت الشاي بنفسها، ثم قالت بصوت ثابت:
“أردت أن أراك وحدنا.”
“لا بصفة.”
“ولا بمسار.”
سكتت لحظة، ثم أضافت:
“وأعرف أنني تأخرت.”
رفعت إيليانا عينيها.
“أنتِ مشغولة.”
هنرييت ابتسمت ابتسامة صغيرة، لا تبرر ولا تنكر:
“نعم.”
“لكن ذلك لا يلغي الحقيقة.”
ثم قالت بوضوح:
“كان يجب أن أكون أقرب.”
لم تعرف إيليانا ماذا تقول.
فالصمت هنا ليس خوفًا، بل حزن لم يأخذ حقه بعد.
تابعت هنرييت، وكأنها تضع اسم الحزن على الطاولة كي لا يظل مختبئًا:
“الجنازة لم يمضِ عليها نصف عام.”
“وأنا أعرف أن من يخرج من بيت عزاء… لا يدخل فورًا بيتًا آخر.”
“خصوصًا حين يكون البيت مليئًا بالعيون.”
تغير وجه إيليانا قليلًا، رغما عنها.
قالت بصوت منخفض:
“كان الأمر غريبًا.”
ثم أضافت بصراحة قصيرة:
“كنت أظن أنني سأكون ضيفة.”
“ثم اكتشفت أنني ملف.”
لم تغضب هنرييت.
لم تدافع عن أحد.
أومأت فقط، كأنها تعترف بثقل الكلمة:
“أحيانًا ينسى الناس أن الملفات لها قلب.”
سكتت إيليانا لحظة، ثم سألت:
“لماذا أحضرتِني بهذه السرعة؟”
نظرت هنرييت إليها طويلًا، ثم قالت:
“لأنني لم أرد أن تظلي وحدك.”
ثم أضافت بصوت أكثر حزمًا:
“ولأن هناك أشياء إذا لم تُعلن في وقتها… أعلنها الآخرون بالطريقة التي يريدونها.”
فهمت إيليانا ما تعنيه دون أن تقول: الشائعة، الصورة، الممرات التي تصنع القصص.
قالت هنرييت:
“لا أريدك أن تعيشي هنا كمن يدافع عن نفسه طوال الوقت.”
“أريدك أن تتعلمي كيف تعيشين… دون أن تنكسري.”
تنفست إيليانا ببطء.
ثم قالت، بصوت خافت كأنه يخرج لأول مرة:
“وأنا… هل أستحق هذا كله؟”
ابتسمت هنرييت ابتسامة دافئة:
“أنتِ لا تحتاجين أن تستحقي أن تُحبي.”
ثم أضافت:
“لكن في هذا المكان… ستحتاجين أن تتعلمي كيف تحبين نفسك أولًا.”
تحرك الحديث إلى أم إيليانا.
سألت هنرييت عن أشياء صغيرة: ماذا كانت تحب؟ كيف كانت تضحك؟ ما الأغنية التي كانت تكررها؟ أشياء لا تُكتب في ملفات.
تكلمت إيليانا لأول مرة عن أمها دون أن تشعر أنها تحت اختبار.
دمعت عيناها مرة واحدة فقط، ومسحت دمعتها بسرعة.
لكن هنرييت رأت، ولم تقل: لا تبكي.
تركت الدمع يمر كأنه حق.
ثم قالت هنرييت بصوت أخف:
“أود أن أعتذر.”
“لا عن قرار إحضارك… بل عن طريقتنا.”
“أعرف أن الاستقبال كان قاسيًا.”
“وأعرف أن العزاء لا يزال قريبًا.”
“وأنا… كان يجب أن أحميك من بعض الكلام.”
لم تكن هنرييت تبالغ.
كانت تقول اعتذارًا حقيقيًا دون دموع.
قالت إيليانا:
“وجودك الآن… يكفي.”
أومأت هنرييت، ثم قالت جملة كأنها تزرع مرساة:
“إذا ضعتِ يومًا… لا تظهري لهم أنكِ ضعتِ.”
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة:
“تعالي إليّ.”
سكتت إيليانا، ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة لكنها صادقة.
وقبل أن تنهض، قالت هنرييت:
“شيء أخير.”
ثم نظرت إليها بثبات:
“لا تسمحي لأحد أن يجعلكِ تخجلين من الحداد.”
“الناس هنا يخافون الحزن لأنه يذكّرهم أنهم بشر.”
ابتلعت إيليانا ريقها.
“سأحاول.”
هنرييت قالت:
“لا تحاولي.”
“افعلي.”
حين خرجت إيليانا من الجناح، شعرت أن الهواء تغيّر.
لم يتغير النادي.
لكنها هي تغيرت قليلًا.
كانت تمشي في الممر الخشبي حين رأت من بعيد ظلًا يمر عند تقاطع.
وقفة تعرفها.
لكنها لم تلحقه.
لم تكن بحاجة هذه المرة.
يكفي أنها عرفت أنه موجود.
في نهاية اليوم، ظهر إشعار المسار:
مرحلة المنحدر – غدًا
التجمع: 05:10
الحضور: إلزامي
أغلقت إيليانا الهاتف ببطء.
وغدًا… لن يكون جناح هنرييت.
لن يكون شايًا.
سيكون حجرًا مبللًا، وزوايا تنتظر نصف ثانية.
—————
في المساء، لم يتركها المسار وحدها طويلًا.
لم يضع لها واجهة رسمية، ولم يضع تدريبًا، لكنه وضع شيئًا يشبه الاستراحة التي تُراقَب: “وقت حر” ضمن مناطق محددة. كأن ڤيريتاس يسمح لك أن تتنفس، بشرط أن يفعل ذلك معك.
كانت إيليانا في طريقها إلى جناحها حين اعترضها نيكو عند البهو، وكأنه كان ينتظر إشارة انفتاح صغيرة في وجهها.
قال بفصحى متحمسة:
“لقد قررتُ.”
“نحن الليلة سنصنع مزاجًا حسنًا، رغم أن المسار لا يحب المزاج.”
جريس ظهرت خلفه بسرعة:
“نيكو، لا تبالغ.”
نيكو رفع يده:
“لن أبالغ.”
ثم أضاف:
“سأبالغ قليلًا فقط.”
سيلفي كانت معهم، تحمل كتابًا مغلقًا كالعادة.
إيلارا أيضًا، نظرتها تقول إنها جاءت لتتأكد ألا يتحول المرح إلى خطأ.
قالت جريس لإيليانا:
“تعالي معنا.”
“لا نريد أن تنامي وأنتِ تحملين كل شيء وحدك.”
لم تجادل إيليانا.
هزّت رأسها فقط.
ذهبوا إلى صالة صغيرة في الجناح البحري، ليست مشهورة مثل الأتريوم، لكنها دافئة ومناسبة للضحك: كراسٍ منخفضة، نافذة كبيرة على الماء، وطاولة ألعاب بسيطة.
نيكو أخرج صندوقًا وقال بفخر:
“لعبة الليلة: الاعترافات السخيفة.”
سيلفي رفعت حاجبها:
“سخيفة؟”
نيكو قال:
“نعم.”
“قانون اللعبة: ممنوع اعترافات عميقة.”
“كل اعتراف يجب أن يكون تافهًا إلى حدّ لا يمكن استعماله ضدك.”
جريس ابتسمت:
“هذا أفضل اختراع لك.”
إيلارا جلست وقالت:
“ابدأ.”
بدأ نيكو:
“أنا أخاف من طائر النورس.”
ثم أضاف بسرعة:
“ليس لأنه مخيف.”
“بل لأنه يحدّق وكأنه يعرف أسراري.”
ضحكت جريس.
سيلفي قالت بهدوء:
“هذا منطقي.”
ثم قالت:
“أنا أخاف من أن يسألني أحد عن رأيي فجأة.”
نيكو صفق:
“اعتراف ممتاز.”
إيلارا قالت:
“أنا أخاف من أن أُضطر للمجاملة.”
نيكو قال:
“هذا ليس خوفًا، هذا مبدأ.”
جريس قالت:
“أنا أخاف من أن لا أستطيع إنقاذ أحد حين يحتاجني.”
سكتت إيليانا لحظة عند جملة جريس.
ثم ابتسمت لها ابتسامة صغيرة، كأنها تقول: أنتِ لا تحتاجين أن تنقذيني دائمًا.
ثم جاء دور إيليانا.
ترددت ثانية.
ثم قالت بصراحة لطيفة:
“أنا أخاف… من أن أتعثر في مكان يصفق فيه الناس.”
ضحك نيكو، لكن ضحكته كانت حنونة هذه المرة:
“حسنًا.”
“إذن سنمنع التصفيق.”
قالت سيلفي:
“لن نستطيع.”
إيلارا قالت:
“لكننا سنكون هناك.”
كانت جملة قصيرة، لكنها أثقل من اللعب.
بعد دقائق من الضحك، لاحظت إيليانا نواه يدخل الصالة من الباب الجانبي، يمرّ كأنه يبحث عن شخص. كان يحمل ملفًا، ويبدو أن عمله لم ينتهِ حتى في الليلة السابقة للمنحدر.
ماديسون كانت خلفه مباشرة، تحمل حقيبة إسعاف صغيرة، أكثر جدية من الجميع.
اقترب نيكو وهمس:
“انظروا.”
“الثنائي الذي لا يعترف.”
جريس ضغطت على ذراعه:
“اصمت.”
لكن نيكو لم يستطع.
رفع صوته قليلًا:
“يا مدام ماديسون!”
“هل تسمحين لنا بربع ساعة بلا تقارير؟”
ماديسون نظرت إليه ببرود:
“ربع ساعة.”
ثم أضافت:
“ثم تذهبون للنوم.”
نيكو وضع يده على قلبه:
“هذه أقسى جملة سمعتها الليلة.”
نواه قال وهو يبتسم ابتسامة خفيفة:
“هي رقيقة مقارنة بالمنحدر.”
جلس نواه على طرف قريب، لا يبدو أنه جاء للعب، لكنه لم يغادر أيضًا.
ماديسون وقفت للحظة، ثم جلست على كرسي بعيد نصف خطوة، كأنها تقنع نفسها أنها ما زالت في وضع المراقبة.
قال نيكو:
“حسنًا، سؤال سريع.”
“ما أكثر شيء يزعجك في نواه؟”
ماديسون رفعت رأسها:
“كل شيء.”
ضحكوا.
نواه قال بهدوء:
“وأنا أكثر شيء يزعجني في ماديسون… أنها لا تضحك حين يجب.”
ماديسون أجابت فورًا:
“لا يوجد شيء اسمه: يجب.”
نيكو صرخ:
“هذا هو!”
“هذا بالضبط سبب أننا نحتاج ساعة ضحك إلزامية كل يوم!”
ضحكوا.
حتى إيليانا شعرت أن الضحك هذه الليلة يلمّع الحواف الحادة قبل الغد.
بعد قليل، نهضت ماديسون، وكأنها تذكرت أنها لا تستطيع أن تطيل الجلوس.
قالت للجميع:
“نمتم.”
ثم نظرت إلى إيليانا تحديدًا:
“غدًا، لا تتصرفي بسرعة.”
“المنحدر لا يغفر.”
إيليانا أومأت:
“أعرف.”
نواه نهض أيضًا، لكنه لم يتبع ماديسون فورًا.
تقدم خطوة، وقال لها بصوت منخفض:
“سأكون قريبًا.”
ماديسون لم ترد بسرعة.
ثم قالت:
“لا تقل هذا كثيرًا.”
نواه ابتسم:
“لن أقل.”
ثم أضاف:
“سأفعل.”
ماديسون نظرت إليه نظرة قصيرة، ثم خرجت دون تعليق.
لكن خروجها لم يكن قاسيًا هذه المرة.
كان أقل صلابة.
بعد أن انتهت الجلسة، عاد كل واحد إلى جناحه.
كانت إيليانا تمشي في ممر هادئ، حين سمعت صوت خطوات أمامها.
توقفت.
رفعت رأسها.
كايل كان هناك، عند تقاطع قريب من ممر الخدمة.
ليس في طريقها مباشرة، كأنه لم يأتِ ليقابلها.
لكن وجوده كان واضحًا.
قال بصوته المنخفض:
“غدًا…”
توقف.
كأنه لا يحب أن يبدأ جملة لا يعرف كيف ينهيها.
قالت إيليانا بهدوء:
“أعرف.”
كايل نظر إليها لحظة، ثم قال:
“لا تقتربي من الحافة.”
“ولا تقفي وحدك.”
“وإذا رأيتِ شيئًا… اتركيه.”
كانت قواعد.
لكنه قالها بطريقة جعلتها تبدو أقل ميكانيكية.
أومأت إيليانا:
“حسنًا.”
ثم، قبل أن تمشي، قالت وهي تحاول أن تكون خفيفة:
“سأفعل ما يطلبه المسار.”
كايل قال ببرود خفيف:
“افعيلي ما يحفظك.”
تجمدت إيليانا عند الجملة.
لكنها لم تظهر شيئًا.
فقط قالت:
“تصبح على خير.”
رد بسرعة:
“وأنتِ.”
ثم تحرك مبتعدًا.
لا يترك مساحة لشيء آخر.
لا يسمح للظل أن يصبح وجهًا.
دخلت إيليانا جناحها وأغلقت الباب.
وقبل أن تنام، فتحت المسار للمرة الأخيرة.
قرأت التجمع: 05:10.
ثم أغلقت الهاتف، كأنها تغلق اليوم كله معه.
الغد اسمه “المنحدر”.
وفي ڤيريتاس، الأسماء لا تُكتب عبثًا.
نهاية الفصل السابع والأربعون