الفصل الثامن والأربعون: المنحدر

في الخامسة وعشر دقائق، كان الضباب حاضرًا كأنه عضو قديم في ڤيريتاس.

وقف المختارون عند نقطة التجمع، وجوههم متعبة قبل أن يبدأ اليوم، لأنهم ناموا وفي رؤوسهم خرائط أكثر من الأحلام. إيليانا كانت واقفة مع دائرتها، تشعر أن كلمات هنرييت أمس ما زالت دافئة في صدرها، لكن دفء الكلمات لا يغيّر برودة الحجر.

وصل أوغست أولًا.

قال بصوته الهادئ:

“لا تتأخري عن المجموعة.”

ثم أضاف دون أن يرفع صوته:

“ولا تتقدمي وحدك.”

“اليوم… لا بطولة.”

أومأت إيليانا.

ثم ظهر كايل، ومعه نواه وفريق أمن صغير.

لم يكن يومًا للتعليم، بل يومًا للمنع.

قال كايل للجميع:

“المنحدر ليس لعبة.”

“أي خطوة زائدة تُسجل.”

“وأي خطوة ناقصة تُستغل.”

كانت جملة غريبة، لكنها دقيقة. في هذا المكان، حتى الحذر يمكن أن يتحول إلى قصة.

تحركوا.

المسار اليوم كان يمر في منطقة أعلى، حيث الصخور تلمع قليلًا من رطوبة الليل. الأشجار أقل كثافة، لكن الأرض أصعب لأن كل شيء يميل. المنحدر ليس مكانًا تسقط فيه فجأة، بل مكان يجعلك تشعر أن كل خطوة تذهب ناحية السقوط.

كان هناك جمهور مختار عند نقاط محددة.

منصات خشبية صغيرة، رجال ونساء يقفون بوقار، وكأنهم جاءوا ليشاهدوا عرضًا طبيعيًا، لا امتحانًا بشريًا.

ظهرت المهمة الأولى على الهواتف:

مرحلة المنحدر – “علامة التوازن”

المطلوب: تصوير الرمز على الصخرة المحددة

الشرط: دون تجاوز خط الأمان

الوقت: 18 دقيقة

همس نيكو:

“حتى الصخرة لها بروتوكول.”

سيلفي قالت:

“لا تنظر إلى أسفل.”

إيلارا أضافت:

“ولا تنظر إلى الناس.”

جريس قالت لإيليانا بصوت منخفض:

“انظري إلى ما يثبتك.”

لم تكن تقصد كايل.

كانت تقصد قدميها، ونَفَسها، ودائرتها.

لكن إيليانا سمعت المعنى كله.

وصلوا إلى الصخرة المحددة.

كانت على بعد خطوات، لكن الخط الأحمر المرسوم على الأرض يجعلها تبدو أبعد. الرمز محفور على صخرة تميل قليلًا، والماء يمر قربها كأنه يريد أن يلمعها أكثر أمام العيون.

وقف الموظف عند الخط الأحمر وقال:

“لا تجاوز.”

ثم ابتسم ابتسامة رسمية:

“الذين يتجاوزون… يعيدون المهمة من البداية.”

لم تكن إعادة مهمة فقط.

كانت إعادة صورة.

اقتربت إيليانا ببطء.

كان بإمكانها أن تلتقط الصورة من خلف الخط، لكن الزاوية لا تكون مثالية. الزاوية المثالية تحتاج نصف خطوة.

نصف خطوة واحدة… يمكن أن تتحول إلى قصة.

تنفست إيليانا.

اختارت الزاوية الأقل جمالًا والأكثر أمانًا.

التقطت الصورة.

نجحت.

لم تصفق العيون.

لكنها سجلت.

تحركت المجموعة إلى المهمة الثانية.

وهنا بدأت الفخاخ تصبح أذكى.

المهمة الثانية:

“الدليل الفضي”

المطلوب: العثور على شريط فضي في منطقة محددة

الشرط: العمل فردي لبعض المختارين

تجمدت إيليانا عند كلمة “فردي”.

ثم وصلتها رسالة ثانية تحدد:

المشاركة الفردية: إيليانا بيلمون

جريس رفعت عينيها فورًا.

“لا.”

لكن المسار لا يسأل.

تقدم موظف، أشار إلى ممر جانبي قصير.

“آنسة بيلمون… من هنا.”

قالت إيليانا بهدوء:

“كم دقيقة؟”

قال:

“خمس عشرة.”

سألت:

“وهل سيبقى أحد في الرؤية؟”

ابتسم الموظف:

“كوستوس سيشرف.”

لم يذكر اسم كايل.

لكن الكلمة وحدها جعلت قلبها يتوتر ثم يثبت.

تقدمت إيليانا نحو الممر الجانبي.

لم تلتفت إلى دائرتها كثيرًا.

التفات طويل يعني خوف.

واحد من الأشياء التي تعلمتها: لا تعطِ الخوف وجهًا.

دخلت المنطقة المحددة.

كانت مساحة ضيقة نسبيًا بين صخور، فيها نباتات قصيرة، وأوراق كثيرة على الأرض تخفي أي شريط فضي بسهولة. المكان ليس بعيدًا عن المسار الرئيسي، لكن زاويته تجعل رؤية الجمهور أقل، ورؤية الفخاخ أكثر.

رأت كايل واقفًا عند طرف المساحة، بعيدًا عن الخط الأحمر.

ليس قريبًا منها.

لكن قريب بما يكفي ليمنعها من أن تكون وحدها بالكامل.

قال بصوته المنخفض:

“خمسة عشر دقيقة.”

أومأت إيليانا:

“أعرف.”

بدأت تبحث.

لا تلتقط شيئًا سريعًا.

لا تنحني بسرعة.

لا تترك الغابة تكتب عنك لقطة.

كانت ترفع الأوراق بعناية، تفتش بين الجذور، تراقب الصخور.

بعد دقائق، رأت شيئًا يلمع.

شريط فضي فعلًا.

نصفه تحت ورقة كبيرة.

توقفت إيليانا.

قد تكون هذه المهمة سهلة، لكنها في ڤيريتاس لا تكون سهلة من دون سبب. لماذا وضعوه هنا بهذه الوضوح؟ ولماذا وحدها؟

تذكرت ما قالت سيلست عن التردد.

تذكرت ما قال أوغست عن الطُعم.

تذكرت ما قال كايل عن الانحناء.

ورغم ذلك… مدّت يدها ببطء.

وقبل أن تلمس الشريط، سمعت كايل يقول من خلفها بصوت منخفض:

“لا.”

توقفت يدها في الهواء.

قالت إيليانا بصوت خافت:

“لكنه هو.”

كايل قال:

“أعرف.”

ثم أضاف:

“لكن ليس هكذا.”

شعرت إيليانا بالارتباك.

“ماذا تقصد؟”

كايل تقدم خطوة واحدة فقط.

لم يقترب منها إلى حد يلفت نظر من بعيد، لكن قربه كان محسوسًا.

قال:

“انظري إلى الأرض.”

نظرت إيليانا.

رأت ما لم تره: سطحًا رقيقًا من طين مبلل تحت الورقة، كأنه صابون طبيعي. خطوة واحدة خاطئة، وانزلاق صغير، ويكتبون القصة التي ينتظرونها.

ابتلعت إيليانا ريقها.

تراجعت نصف خطوة تلقائيًا.

قال كايل:

“الزوايا هنا تُصنع.”

سكتت إيليانا.

ثم قالت بهدوء:

“إذن كيف آخذه؟”

كايل لم يجب فورًا.

نظر حوله.

ثم أشار إلى عصا قصيرة على الأرض.

“استعملي هذه.”

“ارفعي الورقة.”

ثم اسحبي الشريط.”

كانت طريقة بسيطة.

لكنها تعني: لا تلمسي الطُعم بيدك.

فعلت إيليانا كما قال.

رفعت الورقة بالعصا.

سحبت الشريط بحذر.

نجحت.

في اللحظة التي أمسكت فيها الشريط، شعرت بارتياح حاد.

ليس لأنها وجدت الرمز فقط.

بل لأنها نجت من لقطة كانت جاهزة.

رفعت عينها إلى كايل.

أرادت أن تقول شكرًا.

لكنها سكتت.

لأن الشكر هنا يفتح أبوابًا أيضًا.

وبينما كانت تضع الشريط في جيبها، سمعت تصفيقًا خفيفًا بعيدًا.

ليس لها.

لأحد آخر نجح.

لكن إيليانا فهمت الرسالة: حتى نجاحها يمر تحت عين.

واليوم… لم ينتهِ بعد.

وضعت إيليانا الشريط الفضي في جيبها الداخلي كما لو أنها تضع شيئًا حيًا، شيئًا لو سقط سينطق باسمها.

رفعت رأسها نحو كايل. لم تقل شكرًا. اكتفت بنظرة قصيرة، ثابتة. نظرة تفهم أن ما فعله لم يكن “توجيهًا” فقط، بل منعًا لقصة كانت جاهزة.

كايل لم يبادلها النظرة طويلًا.

قال بصوته المنخفض:

“عودي.”

لم يقل: عودي إليهم.

ولم يقل: عودي إليّ.

قال كلمة واحدة تقفل الباب.

سارت إيليانا نحو المسار الرئيسي.

كل خطوة محسوبة لأن الأرض هنا لا تعطيك فرصة ثانية.

حين اقتربت من المجموعة، رأت وجوه دائرتها قبل أن تسمع أصواتهم.

جريس تقدمت نصف خطوة، لكنها تراجعت فورًا حتى لا يبدو أنها تخرج عن القاعدة.

سيلفي نظرت إلى جيب إيليانا أولًا، ثم إلى وجهها.

إيلارا كانت متوترة في العينين، كأنها كانت تحرس الهواء.

نيكو حاول أن يرفع إبهامه بحماس، ثم تذكر أنه في المنحدر، فخفض يده بسرعة.

قالت جريس بصوت منخفض:

“هل أنتِ بخير؟”

أجابت إيليانا:

“نعم.”

سيلفي قالت بهدوء:

“هل كان المكان كما توقعنا؟”

إيليانا ترددت لحظة، ثم قالت بجملة واحدة:

“كان مكتوبًا.”

فهمت سيلفي.

وفهمت جريس.

حتى إيلارا فهمت.

نيكو قال وهو يحاول أن يخفف:

“حسنًا، إذن سنمشي فوق الكتاب.”

نظرت إليه إيلارا.

فأغلق فمه بابتسامة صغيرة.

وصل إشعار جديد على هواتفهم جميعًا:

مرحلة المنحدر – “الممر الأعلى”

المطلوب: عبور منطقة حجرية محددة على خط الأمان

الشرط: لا توقف، لا التفاف

ملاحظة: الجمهور المختار حاضر

قالت جريس:

“الجمهور…”

سيلفي قالت:

“سيصبح أكبر.”

تحركوا.

الممر الأعلى كان قطعة من الأرض ترتفع قليلًا، وتضيق، ثم تنفتح على منصة طبيعية تشبه شرفة حجرية تطل على جزء من الغابة من جهة وعلى انحدار صخري من جهة أخرى.

كل شيء فيه يقول: هذه لقطة.

عند بداية الممر، وقف موظف إدارة، يبتسم ابتسامة ملساء.

قال:

“المرور واحدًا واحدًا.”

“دون استعجال.”

“ودون توقف.”

كلمة “دون استعجال” كانت خادعة.

لأن الوقت هو السكين الذي لا يظهر.

بدأ المتدربون يعبرون واحدًا واحدًا.

بعضهم مشى ببطء شديد حتى بدا خائفًا.

وبعضهم مشى بسرعة زائدة حتى بدا متوترًا.

والأفضل كان ما تعلمته إيليانا: السرعة التي لا تُرى.

حين جاء دور إيليانا، أحست أن الدم يصعد إلى وجهها ثم يعود.

لا لأنها خائفة من الحجر، بل لأنها تعرف أن سيلست تنتظر لقطة.

ومع ذلك، مشت.

خطوة.

ثم خطوة.

ثم ثالثة.

الهواء كان يضغط على كتفيها.

ولأول مرة، شعرت أنها تسمع قلبها فوق صوت خطواتها.

وصلت إلى منتصف الممر.

ثم لمحت، عند زاوية عينها، حركة قريبة من خط الأمان.

شخص يقف قريبًا جدًا من الحافة، يمد هاتفه كأنه يصور، ثم يعود خطوة.

لم يكن من دائرتها.

كان من المختارين، وجهه مألوف من منصة الممر الحجري في اليوم السابق.

رجل يبتسم كثيرًا.

ولحظة مرّت أمامه، تحرك خطوة نحو المسار، كأنها “بالخطأ”.

لم تكن خطوة صريحة.

لكنها كانت كافية لتجبر إيليانا أن تغيّر مسار قدمها نصف انحراف.

والنصف انحراف هنا… هو بداية السقوط.

توقفت إيليانا لجزء من الثانية.

لم تتوقف قدمها.

توقف عقلها.

ثم انحنت بميل بسيط لتوازن نفسها دون أن ترفع ذراعيها كثيرًا.

حركة صغيرة جدًا، لكنها كانت مرئية.

سمعت همهمة خفيفة من جهة الجمهور.

همهمة تقول: كادت.

تابعت إيليانا السير بسرعة مدروسة.

وصلت إلى نهاية الممر.

لم تسقط.

لكنها فهمت أن أحدهم كان يحاول أن يجعلها تتأرجح أمام العيون.

عادت إلى المجموعة.

وجهها هادئ.

لكن قلبها كان غاضبًا.

اقتربت سيلست بعد دقيقتين، كما لو أنها جاءت للاطمئنان لا للتقييم.

قالت بنبرة دافئة:

“أحسنتِ.”

ثم أضافت:

“المنحدر لا يرحم.”

إيليانا أجابت بأدب:

“أعرف.”

سيلست ابتسمت:

“جميل.”

ثم قالت جملة تبدو لطيفة لكنها تلمّح:

“أحيانًا خطوة واحدة تفرق بين الشجاعة والتهور.”

كانت تنظر إلى إيليانا مباشرة وهي تقولها.

كأنها تضع تعريفًا جاهزًا لها.

قبل أن ترد إيليانا، ظهر كايل.

لم يظهر من وسطهم، بل من الطرف، كما يفعل دائمًا.

وقف في مكان يراه الموظفون ويشعر به الجميع.

قال بصوته المنخفض:

“ننتقل.”

لم يقل: انتهى الاستراحة.

لم يقل: كفى.

قال: ننتقل.

وكأن الزمن نفسه ينتقل بأمره.

تحركت المجموعة نحو محطة قصيرة قبل المهمة التالية.

نيكو اقترب من إيليانا وهمس:

“هل رأيتِ الرجل الذي تحرك؟”

إيليانا لم ترد فورًا.

ثم قالت بصوت منخفض:

“نعم.”

نيكو قال:

“أنا أكرهه.”

ثم أضاف بسرعة:

“بشكل مؤدب.”

جريس نظرت إلى نيكو وقالت:

“لا تجعلها تلتفت.”

نيكو رفع يده:

“أنا صامت.”

ثم سكت فعلًا لثانيتين، كأنه يثبت أنه يستطيع.

في تلك اللحظة، قفزت السخرية منه دون أن يقصد.

تعثرت قدمه بحجر صغير، فأصدر صوتًا مضحكًا وهو يحاول أن يبقى متزنًا.

توقف الجميع لحظة.

ثم ضحكت إيليانا.

ضحكة قصيرة لا تخرج عن السيطرة.

جريس ضحكت معها.

حتى إيلارا ابتسمت رغما عنها.

وسيلفي قالت بهدوء:

“أخيرًا.”

“شخص يثبت أن المنحدر يمكن أن يخجل.”

نيكو قال وهو يعتدل:

“كنتُ أقدّم خدمة عامة.”

“لتذكير الناس بأننا بشر.”

كان الضحك صغيرًا، لكنه كسر حدّة الجو.

وهذا ما كان يحتاجه قلب إيليانا كي لا يتحول التوتر إلى خطأ.

وصلوا إلى محطة جديدة.

ظهر إشعار آخر على الهواتف:

مرحلة المنحدر – “نقطة الرمز”

المطلوب: تسليم الرموز الفردية

ثم انتقال إلى “الطبقة العليا”

الملاحظة: تغيير نطاق البحث

تجمدت إيليانا عند عبارة “الطبقة العليا”.

الطبقة العليا تعني: ارتفاع أكثر، حجر أكثر رطوبة، وزوايا أشد وضوحًا.

أوغست اقترب منها بهدوء، دون أن يبدو أنه يحميها.

قال بصوت منخفض:

“لا تنسي ما قلته.”

إيليانا أومأت:

“لن ألمس شيئًا من الأرض.”

أوغست قال:

“ولن تسمحي لأحد أن يحركك خطوة.”

نظرت إيليانا إلى الأمام.

في الطرف، كان كايل يتحدث مع نواه، ثم رفع نظره للحظة، كأنه يقيس المكان قبل أن تصل إليه المجموعة.

لم تكن نظرة حنان.

كانت نظرة حساب.

وهذا جعل إيليانا تفهم: الطبقة العليا ليست فقط أصعب.

هي المكان الذي سيحاولون فيه كتابة لقطة نهائية.

------

وقفوا عند “نقطة الرمز” في مساحة أوسع قليلًا، كأنها استراحة مقصودة قبل الصعود إلى الطبقة العليا. طاولة خشبية واحدة، جهاز تسجيل، موظفان يبتسمان بالطريقة نفسها، ومن خلفهما خط أمان جديد مرسوم بوضوح أكبر.

تقدمت المجموعات لتسليم الرموز.

قدّمت إيليانا شريطها الفضي.

أخذ الموظف الشريط بملقط صغير، كأن الرمز لا يجوز أن تُمسك به يد بشرية كثيرًا.

نظر إلى الشاشة، أومأ، ثم قال دون أن يرفع صوته:

“تم.”

كانت كلمة واحدة، لكنها تشبه ختمًا على يومها.

حين انتهت عملية التسليم، أشار موظف الإدارة إلى الممر الصاعد:

“الطبقة العليا… من هنا.”

تحركت المجموعة ببطء.

والسكون عاد.

صعود الطبقة العليا لم يكن درجًا واضحًا، بل مسارًا يميل تدريجيًا بين صخور أكبر وأرض أكثر رطوبة. المكان هنا يفرض عليك أن تركز في قدمك حتى لو كنت تتظاهر أنك لا تركز.

تقدم كايل في البداية.

ليس بعيدًا عن المجموعة، لكن ليس معها كأحدهم.

في مقدمة المسار، كأنه يرسم حدود الرؤية قبل أن يصلوا.

نواه كان خلفه قليلًا، يحمل حقيبة إسعاف، ويتكلم مع رجل من الأمن بجمل قصيرة.

أوغست كان إلى جانب إيليانا، لا يلتصق بها، لكنه لا يتركها كذلك.

وجوده يشبه الحائط: لا يراك، لكنك تشعر أنك لو استندت لن تسقط.

وصلوا إلى أول نقطة في الطبقة العليا.

منصة حجرية صغيرة، أوسع من الممر، تطل على منحدر حاد جدًا من جهة، وعلى وادٍ ضيق من جهة أخرى.

والجمهور المختار كان هناك بالفعل.

ليس كثيرًا، لكن كافيًا ليملأ الفضاء بالعيون.

وقف مارو مع مجموعة من الرجال والنساء.

كانت سيلست موجودة أيضًا، أقل ابتسامًا من المعتاد، كأنها تشعر أن “اللعبة” صارت أضيق من قدرتها على التجميل.

ظهرت المهمة الجديدة على الهواتف:

مرحلة المنحدر – “ورقة الختم”

المطلوب: التقاط صورة للورقة المختومة في موقعها

الشرط: لا لمس، لا نقل

الملاحظة: التنفيذ سيكون بتوجيه كوستوس

همس نيكو:

“بتوجيهه… يعني: لا تتنفسون.”

سيلفي قالت:

“يعني: لا تخطئون.”

إيلارا نظرت إلى إيليانا:

“ابقِ بيننا.”

أومأت إيليانا.

لكن رسالة ثانية جاءت مباشرة على هاتف إيليانا وحدها:

تنفيذ خاص: إيليانا بيلمون

الموقع: الحافة الشرقية

المدة: 7 دقائق

التوجيه: كوستوس

تجمّد شيء في صدرها.

سبع دقائق.

الحافة الشرقية.

اسمها وحدها.

تقدمت موظفة الإدارة، قالت بصوت مهذب:

“آنسة بيلمون… تفضلي.”

لم تتحرك إيليانا بسرعة.

لم تتردد كثيرًا أيضًا.

حافظت على إيقاع ثابت.

لكن وهي تمشي نحو الحافة الشرقية، أحست أن الهواء صار أرق.

كأن المكان نفسه يراقبها.

كان كايل ينتظر عند بداية المسار القصير المؤدي للحافة.

لم يكن قريبًا منها حين وصلت.

وقف على بعد خطوات، في وضعية تجعل الأمر يبدو رسميًا أمام العيون.

قال بصوته المنخفض:

“سبع دقائق.”

ثم أشار إلى خط رفيع قرب الصخر:

“لا تتجاوزي.”

أومأت إيليانا.

بدأت تبحث بعينيها دون أن تتحرك كثيرًا.

قالت لنفسها: صورة فقط، لا لمس، لا نقل.

بعد ثوانٍ، رأت الورقة المختومة.

كانت مثبتة على حجر صغير عند طرف منخفض، بحيث يمكن تصويرها من مسافة، لكن الزاوية التي تعطي “أفضل صورة” تجعلك تقفين على جزء أكثر زلقًا.

هذا هو الفخ.

أجمل زاوية… أخطر زاوية.

رفعت إيليانا هاتفها لتصوير الورقة من المكان الآمن.

التقطت صورة أولى.

ثم نظرت للشاشة.

الصورة واضحة، لكنها ليست “مثالية”.

كأنها تسمع صوت سيلست من الليلة الماضية: لا تترددي.

وكأنها تسمع أوغست: لا تلمسي شيئًا.

وكأنها تسمع كايل: لا تنحني بسرعة.

رفعت إيليانا رأسها مرة أخرى.

نظرت إلى الورقة.

ثم إلى الأرض.

ثم إلى الحافة.

كانت تستطيع أن تكتفي.

وهذا هو القرار الصحيح.

لكن بجانب الورقة، على بعد شبرين، كان هناك شيء إضافي.

ليس جزءًا من المهمة.

قطعة معدنية صغيرة، تلمع كالطُعم.

موضوعة كما لو أنها تقول: خذيها، وستظهرين ذكية أمام الجمهور.

لم تكن إيليانا تريدها.

لم تكن تحتاجها.

لكن وجودها هناك كان إهانة.

كأنهم يقولون: نعرف أين يضعف الإنسان… في لحظة يريد أن يثبت.

تصلبت أصابع إيليانا حول الهاتف.

لم تنحنِ.

لم تمد يدها.

لكنها، لجزء من الثانية، تقدمت قدمها نصف خطوة لتقترب من الزاوية.

نصف خطوة فقط.

وهنا، شعر كايل بالحركة قبل أن يراها كاملة.

تحرك خطوة سريعة، ثم توقف عند الحد الرسمي.

مد يده أمامها لا ليأخذها، بل ليضع حاجزًا في الهواء.

وقال بصوت منخفض حاد:

“لا.”

توقفت إيليانا فورًا.

وكأن الكلمة أمسكتها من كتفها دون لمس.

قالت بصوت خافت، متوتر:

“أنا لم…”

كايل قطعها، لا بحدة غضب، بل بحدة قرار:

“لا تشرحي.”

ثم قال بهدوء أقل:

“الشرح يُستعمل.”

تراجعت إيليانا خطوة إلى الخلف.

عادت إلى الخط الآمن.

رفعت الهاتف مرة ثانية، التقطت صورة ثانية من نفس المكان الآمن، ثم قالت ببرود متعمد:

“تم.”

كايل أومأ.

“نعود.”

في طريق العودة نحو المجموعة، شعرت إيليانا بارتجاف داخلي.

ليس خوفًا من السقوط.

بل خوفًا من أنها كادت تمنحهم حركة.

وحين وصلت إلى نقطة التجمع، كانت العيون ما زالت هناك.

سيلست كانت تراقب.

مارو كان صامتًا.

وبعض المختارين يبتسمون ابتسامة صغيرة كأنهم يقولون: رأينا محاولة، ولو لم تحدث.

سلّمت إيليانا الصورة للموظف.

قال: “تم.”

ثم أعلن موظف آخر بصوت مسموع:

“تغيير نطاق البحث.”

“المرحلة التالية: ‘ممر الريح’.”

تحركت همهمة خفيفة في الجمهور المختار.

ممر الريح كان معروفًا بالاسم فقط.

لكن الاسم وحده يكفي: الريح تعني اختلال توازن، والمنحدر يعني لقطة.

اقترب نواه من كايل سريعًا، همس له بشيء لم تسمعه إيليانا.

كايل أجابه بجملة قصيرة، ثم نظر إلى المسار الجديد كما لو أنه يقرأ خطرًا قبل وقوعه.

أوغست اقترب من إيليانا وقال بصوت منخفض:

“الطبقة العليا… لا تهزمك بالسقوط.”

“تهزمك بالثواني.”

إيليانا أومأت.

لم تجد كلامًا.

نيكو حاول أن يعيد شيئًا من الهواء:

“ممر الريح؟”

“هل سيأخذون منا الشعر أيضًا؟”

جريس كتمت ضحكتها.

سيلفي قالت:

“لو أخذوا شعرك، سيكتبون تقريرًا.”

ابتسمت إيليانا ابتسامة قصيرة، ثم اختفت.

لأنها كانت ترى بوضوح الآن:

المرحلة التالية أقسى.

ومع أنها نجت اليوم، إلا أن القصة التي يريدونها لم تمت.

هي فقط… تنتظر فصلًا آخر.

نهاية الفصل الثامن والأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 2573 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026