الفصل التاسع والأربعون: ممر الريح

لم يمنحهم المسار وقتًا طويلًا بعد إعلان “ممر الريح”.

الانتقال كان مباشرًا، كأن المنحدر لا يريد أن يترك الأعصاب تهدأ حتى لا تخترع لنفسها شجاعة زائفة.

تحركت المجموعة خلف كايل، عبر ممر ضيق بين صخور أعلى. كلما اقتربوا، صار الهواء أبرد وأقسى، وصار صوت الريح واضحًا حتى قبل أن تصل إليها. الريح هنا ليست نسيمًا. الريح صفير يضرب وجهك ويذكّرك أنك لستِ صاحبة المكان.

وقف كايل عند بداية الممر الجديد.

كان هناك خط أمان آخر مرسوم، أوضح من السابق. وعلى جانبيه حبال رفيعة مثبتة في الصخور، كأنهم يقدمون “مساعدة” متأخرة. الحبال لا تمنع سقوطًا حقيقيًا، لكنها تمنع قصة واضحة، وهذا ما يهمهم.

قال كايل بصوته المنخفض للجميع:

“تمسكون بالحبل عند الحاجة فقط.”

“لا تركضوا.”

“ولا تتوقفوا.”

ثم أضاف:

“الذي يشعر أنه سيفقد توازنه… يعود للوراء.”

“لا يتقدم باندفاع.”

كانت هذه المرة الأولى التي يتكلم فيها بجمل أطول منذ بدأ المنحدر.

كأنه يعرف أن ممر الريح سيأخذ من الجميع شيئًا لو لم يحذرهم.

تحركت العيون نحو الجمهور المختار.

كانوا هناك أيضًا، لكن أقل من السابق. وجودهم هنا أصعب، لأن الوقوف في هذا الهواء نفسه اختبار. من حضر هنا، حضر ليشاهد شيئًا محددًا.

رأت إيليانا سيلست عند طرف منصة خشبية صغيرة، مع لافينيا ومارو. سيلست لم تبتسم كثيرًا اليوم. ملامحها كانت مركزة، كأنها تراقب حركة واحدة تنتظرها.

همست جريس:

“هذه المرحلة… صمت.”

أومأت إيليانا.

بدأ المرور واحدًا واحدًا.

الممر نفسه كان حجرًا مائلًا قليلًا، يضيق ثم يتسع ثم يضيق، والريح تدفعك جانبيًا كأنها يد لا تراها. الحبل مثبت على الجانب الأقرب للصخور، أما الجانب الآخر فكان ينحدر إلى فراغ يجعل العين لا تريد أن تنظر.

مرّت إيلارا أولًا.

لم تمسك الحبل إلا لحظة، ومشت كأن الريح لا تجرؤ عليها.

ثم سيلفي.

مشيت ببطء ثابت، تمسك الحبل بيد واحدة، لا تتغير ملامحها، كأنها تدربت على الصمت طوال حياتها.

نيكو مرّ وهو يحاول أن يبدو شجاعًا.

في منتصف الممر دفعته الريح قليلًا، فتشبث بالحبل بقوة.

توقف قلب إيليانا لثانية.

ثم توازن نيكو بسرعة.

التفت إلى جريس بعد أن عبر، وهمس:

“أنا بخير.”

ثم أضاف بسرعة:

“ولا أحد يضحك.”

جريس همست:

“لن نضحك.”

ثم قالت بصوت أخف:

“سنذكرك فقط.”

ابتسم نيكو رغم توتره.

جاء دور إيليانا.

وضعت قدمها الأولى على الحجر.

شعرت بالريح تضرب وجهها فورًا، كأنها اختبار مباشر: هل سترتجفين؟

مسكت الحبل بيد خفيفة، ليس تشبثًا، بل توازنًا.

خطوة.

ثم خطوة.

في الثالثة، ضربتها الريح من الجانب فجأة.

ميل بسيط.

كاد أن يظهر على كتفها.

لكنها تماسكت.

لم تتوقف.

لم تلتفت.

لم ترفع ذراعيها.

وصلت إلى نهاية الممر.

تنفست ببطء حين صارت الأرض أكثر ثباتًا.

لم تسمح لنفسها أن تبدو مرتاحة. الارتياح هنا يُقرأ كضعف بعد ضغط.

قالت جريس بصوت منخفض:

“جيد.”

أوغست كان يراقب من بعيد.

لم يقترب.

لكنه أومأ مرة واحدة، كأنه يسجل: اجتزت.

ظنت إيليانا أن المرحلة انتهت.

لكن المسار لم ينتهِ.

وصل إشعار جديد:

ممر الريح – “اللقطة”

المطلوب: المرور ثانية ضمن ترتيب جديد

الملاحظة: بعض المختارين سيعاد توزيعهم

تجمدت إيليانا.

المرور ثانية… يعني أنهم لم يحصلوا على ما يريدون بعد.

يعني أنهم سيضغطون أكثر.

ثم جاءت رسالة خاصة على هاتفها:

إعادة توزيع

الثنائي: إيليانا بيلمون + ريون

المهمة: عبور ثنائي متزامن

رفعت إيليانا رأسها فورًا.

رأت ريون على بعد خطوات، يقرأ نفس الإشعار، ثم يرفع عينه إليها.

كان في نظرته شيء يقول: هذا ليس جيدًا.

اقترب ريون وقال بصوت منخفض:

“يريدون حركة.”

إيليانا أجابت بهدوء:

“لن نعطيهم.”

ريّون قال:

“سنمر بسرعة.”

ثم أضاف:

“دون أن نبدو مستعجلين.”

كانت معادلة ڤيريتاس.

وفي الطرف، رأت كايل.

لم يكن قريبًا جدًا، لكنه كان يراقب هذا التوزيع تحديدًا.

لم يتدخل.

لم يلغِ القرار.

لكن وقفته صارت أصلب.

كأن شيئًا في داخله قال: هذه ليست بروفة فقط.

لم يتحرك ريون فورًا بعد أن قال: “يريدون حركة.”

وقف نصف ثانية ينظر إلى الممر، ثم إلى الحبل، ثم إلى موضع الوقوف الذي سيجعل العبور “مقروءًا” لمن يراقب. كان يعرف اللعبة أكثر مما تحب إيليانا أن تعرفه هي.

قال ريون بصوت منخفض:

“ستقفين على الداخل.”

“أنا على الخارج.”

تجمدت إيليانا.

“الخارج؟”

ريّون قال ببرود:

“أنا أثقل.”

“والريح ستدفعكِ أكثر.”

ثم أضاف، كأنه يقطع أي اعتراض قبل أن يولد:

“هذا ليس لطفًا.”

“هذا حساب.”

لم تحب إيليانا أن تكون “محسوبة”.

لكنها فهمت أن الحساب اليوم هو الذي ينقذهم من اللقطة.

قالت:

“حسنًا.”

اقترب موظف الإدارة، نظر إليهما كأنه يضعهما على لوحة.

قال بابتسامة رسمية:

“العبور معًا.”

“خطوتان بينكما.”

“لا تماس.”

“لا توقف.”

كلمة “لا تماس” بدت كأنها صادرة من قانون قديم، لكنها في الحقيقة تقول: نحن نعرف ماذا نبحث عنه.

أومأت إيليانا.

أومأ ريون.

وقفت إيليانا في الداخل قرب الصخور.

ووقف ريون على الطرف الآخر، أقرب إلى الفراغ.

رفع الموظف يده، كأنه يعطي إشارة بداية سباق، لا عبور حجر.

“ابدأوا.”

خطت إيليانا أول خطوة.

خطا ريون معها.

الريح ضربت جانبها فورًا، لكنها كانت أقرب إلى الصخور، فكانت أقل عنفًا.

الخطوة الثانية جاءت أثقل، لأن الممر يضيق ثم يتسع فجأة، والاتساع هنا يعني أن الريح تجد جسدك بسهولة أكبر.

سمعت إيليانا صفير الريح بجوار أذنها كأنه همس غير بشري.

لم تنظر إلى الأسفل.

لم تنظر إلى الجمهور.

نظرت إلى الأمام فقط.

قال ريون بصوت منخفض جدًا، بالكاد يُسمع:

“لا ترفعي كتفك.”

تجمدت إيليانا عند التشابه مع ما قاله كايل سابقًا.

لكنها لم تلتفت.

خفضت كتفها ببطء.

ثبتت تنفسها.

في منتصف الممر، ضربت الريح من جديد، أقوى من السابق.

أحست إيليانا أن قدمها خفّت على الحجر لحظة.

مدت يدها للحبل، ولم تتشبث.

لم تمنحهم حركة مذعورة.

وضعت أصابعها فقط.

في الطرف الآخر، كان ريون ثابتًا، لكنه ليس مرتاحًا.

كان يقيس المسافة بينهما بعينه، ويحاول أن يبقي “خطوتين” دون أن يبدو أنه يهرب منها.

ثم حدثت اللحظة التي أرادوها.

عند أضيق نقطة في الممر، كانت هناك عثرة صغيرة في الحجر، لا تكاد تُرى.

خطوة واحدة خاطئة، وتصير قدمك أقرب إلى الخارج.

تعثر ريون تعثرًا بسيطًا.

ليس سقوطًا.

ليس انهيارًا.

لكن تعثرًا يكفي ليجعل جسمه يميل نحوه، نحو الداخل… نحو إيليانا.

كانت ثانيتين فقط.

ثانيتين يمكن أن تكتبا: تقارب، حماية، تماس.

إيليانا لم تتحرك نحوه.

لم تمد يدها له.

لكنها، غريزيًا، توقفت نصف خطوة لتمنحه مساحة، فصار بينهما قرب أكثر مما تسمح به القاعدة.

وفي الطرف، التقطت العيون تلك الثانية.

شعرت إيليانا بذلك دون أن ترى.

همهمة خفيفة، لا تُسمع بوضوح، لكنها تُحس مثل وخز.

استعاد ريون توازنه فورًا.

ابتعد خطوة، عاد إلى “خطوتين”.

كأنه قطع اللقطة بسرعة.

همس ريون وهو يواصل العبور:

“متعمد.”

تجمدت إيليانا.

“ماذا؟”

ريّون لم يشرح.

قال فقط:

“تابعي.”

وصلوا إلى نهاية الممر.

لم يسقط أحد.

ولم يلمس أحد أحدًا.

لكنهم، للحظة، كانوا قريبين.

وهذا يكفي لبعض الناس.

اقترب موظف الإدارة بابتسامته نفسها:

“ممتاز.”

ثم قال وكأنه يمدح لوحة:

“انضباط جميل.”

ريّون لم يرد.

إيليانا لم ترد.

عادا إلى المجموعة.

جريس كانت متماسكة، لكنها قالت بصوت منخفض حين اقتربت إيليانا:

“رأيت.”

إيليانا همست:

“وأنا أيضًا.”

سيلفي نظرت إلى ريون نظرة قصيرة، ثم قالت ببرود:

“لم يكن حجرًا.”

“كان سؤالًا.”

إيلارا قالت:

“وهم يريدون جوابًا.”

نيكو حاول أن يخفف:

“الجواب: لا.”

ثم أضاف هامسًا:

“هل أستطيع أن أقول لا بصوت أعلى؟”

جريس ضغطت على ذراعه مرة أخرى.

في هذه اللحظة، جاء كايل.

لم يأتِ مباشرة إلى إيليانا.

وقف قرب موظف الإدارة، نظر إلى اللوح الذي يسجلون عليه، ثم قال جملة قصيرة لا تسمعها إلا القريب.

لكن إيليانا رأت حركة الموظف.

تبدل شيء في الورق.

كأن ترتيبًا تغيّر.

ثم التفت كايل نحو المجموعة، وقال بصوت منخفض للجميع:

“المرحلة التالية بعد خمس دقائق.”

“التزموا.”

كان صوته عاديًا.

لكن عينيه لم تكونا عاديتين.

كانت عيناه تمر على إيليانا مرورًا سريعًا، ثم تقفز بعيدًا.

كأنه يمنع نفسه من أن يطيل.

وبينما كانوا ينتظرون، جاءت سيلست إلى الطرف القريب من المنصة.

لم تقترب من إيليانا مباشرة.

اقتربت من ريون.

قالت بابتسامة ناعمة:

“أحسنت.”

ثم أضافت:

“أنت تعرف كيف تحمي من معك.”

كانت عبارة بسيطة.

لكنها تحمل رسالة: نحن رأينا. ونحن سنكتبها كما نريد.

ريّون لم يبتسم.

قال ببرود:

“أنا أعرف كيف لا أصنع قصة.”

سيلست ضحكت ضحكة صغيرة:

“القصة تُصنع أحيانًا دون إذننا.”

ثم التفتت بعينيها إلى إيليانا، ابتسامة لطيفة جدًا:

“أنتِ كنتِ ثابتة.”

“ثباتك جميل.”

كلمة “جميل” هنا ليست مجاملة.

هي تصنيف.

ابتلعت إيليانا رغبتها في الرد.

اكتفت بهزة رأس.

انسحبت سيلست.

تنفس نيكو بصوت منخفض:

“هي تستطيع أن تقتل مزاجي بابتسامة.”

سيلفي قالت:

“هذا لأنها لا تبتسم لك.”

ثم أضافت:

“هي تبتسم للفكرة.”

خمس دقائق مرت، كأنها خمس ساعات.

وصل إشعار جديد:

مرحلة تالية – “المسار المتفرع”

المطلوب: الوصول إلى نقطة التجمع عبر مسارين

الملاحظة: إعادة توزيع مؤقتة

الأولوية: السلامة

كلمة “مسارين” جعلت إيليانا تشعر ببرودة في أطراف أصابعها.

مساران يعني: انقسام.

والانقسام يعني: احتمال عزلة.

ثم جاءت الأسماء.

لم تكن إيليانا مع دائرتها.

ولم تكن مع ريون.

كانت مع كوستوس.

ظهرت الرسالة على هاتفها:

مجموعة (ب): إيليانا بيلمون + كوستوس + مرافق أمني واحد

رفعت إيليانا رأسها ببطء.

رأت كايل يتحرك خطوة واحدة نحوها، قبل أن يتراجع ويقف في مكانه، كأنه يذكر نفسه أنه لا ينبغي أن يبدو أنه يختار.

قال بصوته المنخفض:

“تعالي.”

لم يكن أمرًا قاسيًا.

كان قرارًا.

تقدمت إيليانا.

في طرف عينها، رأت جريس تحاول أن تخفي قلقها.

ورأت نواه ينظر إلى كايل نظرة سريعة كأنه يقول: الآن ستصبح القواعد أثقل.

وتذكرت إيليانا فجأة جملة هنرييت:

إذا ضعتِ يومًا… لا تظهري لهم أنكِ ضعتِ.

اليوم لم تضع.

لكن المسار كان يحاول أن يجعلها تمشي حيث يمكن أن تضيع.

سارت إيليانا خلف كايل نحو المسار المتفرع.

وكانت تعرف أن الجزء القادم من اليوم لن يكون عن الريح فقط.

سيكون عن القرار.

....

لم يكن المسار المتفرع بعيدًا.

وهذا ما جعله أخطر.

لأن الأشياء التي تُوضع قريبًا تُوضع لتُنفّذ بسرعة، قبل أن يفكر أحد في الاعتراض أو في التفسير. كانت هناك لافتة صغيرة على جذع شجرة، سهمان بلونين مختلفين، وموظفان يقفان عند نقطة الانقسام كأنهما حارسان لقرار لا رجعة فيه.

قال الموظف بصوت مهذب:

“المجموعة (أ) من هنا.”

ثم أشار إلى طريق أكثر اتساعًا، أقل ميلًا.

“والمجموعة (ب) من هنا.”

أشار إلى طريق ضيق ينخفض قليلًا قبل أن يرتفع، يمر بين صخور تلتقط الريح وتعيدها عليك أقسى.

سارت المجموعة (أ) أولًا.

ورأت إيليانا جريس وسيلفي وإيلارا ونيكو يبتعدون في ذلك الاتجاه.

جريس لم تلتفت كثيرًا، لكنها رفعت يدها لحظة صغيرة، كأنها تقول: نحن هنا.

ثم جاء دور المجموعة (ب).

كايل لم يمشِ أمام إيليانا بكثير.

كان يمشي خطوة أو خطوتين فقط، كأنه يريد أن يبقيها ضمن مجال رؤيته دون أن يبدو أنه يحرسها علنًا.

المرافق الأمني الذي معهم كان صامتًا، لا ينظر إلى إيليانا كثيرًا. وجوده مجرد إثبات: أن هذا ليس لقاءً خاصًا، بل مهمة.

قال كايل بصوته المنخفض وهو يقرأ الأرض بعينيه:

“امشي على الحافة الداخلية.”

“ولا ترفعي قدمك بسرعة.”

لم تكن النصائح كثيرة.

كانت كافية.

سارت إيليانا.

الريح هنا كانت مختلفة عن ممر الريح السابق. هناك كانت تضربك مباشرة.

هنا كانت تأتي على شكل دفعات، كأنها يد تجرّك ثم تتركك فجأة.

بعد دقائق، ظهرت المهمة على هاتف إيليانا:

المسار المتفرع – “نقطة الراية”

المطلوب: تثبيت راية صغيرة عند العلامة

المدة: 10 دقائق

الشرط: دون مغادرة خط الأمان

قرأت إيليانا الرسالة، ثم رفعت عينيها إلى الأمام.

“الراية” عادة تكون على أرض مفتوحة، لكن المسار المتفرع ضيق، لا يسمح بالوقوف طويلاً.

قالت بصوت خافت:

“أين العلامة؟”

كايل أشار دون أن يتوقف:

“قرب الصخرة الحمراء.”

ثم أضاف:

“سترينها.”

وصلوا إلى الصخرة الحمراء.

كانت مميزة فعلًا، وفي أسفلها فتحة صغيرة في الحجر حيث ينبغي تثبيت الراية.

لكن المكان أمام الصخرة كان مبللًا.

ليس بشكل واضح.

بشكل “جميل”، كأنه لمعان طبيعي.

كان هذا النوع من البلل الذي لا يخيفك حتى تضع قدمك عليه.

قال كايل قبل أن تقترب:

“توقفي هنا.”

توقفت إيليانا عند خط الأمان.

“لكن الراية هناك.”

كايل قال:

“أعرف.”

ثم نظر حوله، وكأنه يقيس اتجاه الريح وخطواتهم السابقة.

“ستثبتينها بعصا.”

كانت في طرف المسار عصا قصيرة مخصصة للمهمات.

لم تكن هناك مصادفات هنا.

أخذت إيليانا العصا.

انحنت قليلًا، ببطء، دون أن تتقدم خطوة واحدة إلى المنطقة اللامعة.

دفعت الراية إلى الفتحة.

لم تدخل.

كانت تحتاج دفعة أخيرة.

ترددت.

ليس تردد خوف فقط.

تردد من أن تظل الراية خارجة وتبدو كأنها فشلت في مهمة سهلة.

وفي اللحظة التي ترددت فيها، ضربت الريح دفعة قوية.

دفعة مفاجئة جعلت العصا تهتز في يدها، وجعلت قدمها تحاول تلقائيًا أن تبحث عن توازن.

قدمت إيليانا قدمها نصف خطوة للأمام… نحو المنطقة اللامعة.

حصلت الحركة في أقل من ثانية.

لكن كايل تحرك قبل أن تكمل الحركة.

لم يصرخ.

لم يمسكها بعنف.

فقط مدّ يده بسرعة وثبّت ساعدها من الأعلى، تثبيتًا عمليًا قصيرًا، كما يثبت المدرب متدربة على وشك فقدان التوازن.

توقفت إيليانا فورًا.

تجمدت الأنفاس بينهما.

لأن اللمسة كانت ضرورية… ومكشوفة أكثر مما يريد.

سحب كايل يده سريعًا، كما لو أنها لم تكن.

ثم قال بصوت منخفض حاد:

“لا تُقارني المهمة بالصورة.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

قالت بصوت خافت:

“كنت سأثبتها.”

كايل أجاب:

“وأنتِ فعلتِ.”

ثم أشار بعينيه إلى الراية:

“انتهى.”

نظرت إيليانا.

كانت الراية قد استقرت أخيرًا في الفتحة، ربما بسبب الدفعة الأخيرة للريح أو بسبب حركة العصا.

نجحوا.

لكن النجاح جاء ومعه شيء آخر: لقطة كادت أن تُصنع.

قال المرافق الأمني بجملة قصيرة في جهازه:

“تمت المهمة.”

ثم أضاف:

“ننتقل.”

تحركوا سريعًا.

لكن إيليانا، وهي تمشي، شعرت أن ساعدها ما زال يحمل أثر تثبيت كايل، رغم أنه لم يستمر إلا لحظة.

هذا النوع من اللمس لا يُنسى بسهولة عندما يكون ممنوعًا علنًا.

بعد مسافة قصيرة، وصل إشعار جديد على هاتف كايل هذه المرة، وسمعته إيليانا لأنه توقف لحظة ليقرأ.

لم تستطع قراءة كل شيء، لكنها سمعت كلمة واحدة من موظف الأمن في السماعة:

“تحديث… تغيير.”

رفع كايل رأسه فورًا.

نظر إلى الأمام، ثم قال للمرافق الأمني بجملة قصيرة:

“نختصر.”

ثم التفت إلى إيليانا:

“سنسلك طريق العودة الآن.”

“لا نكمل المسار العلوي.”

تجمدت إيليانا.

“لماذا؟”

كايل قال ببرود:

“لأنهم يغيرون الترتيب.”

ثم أضاف بسرعة:

“ولأن هذا المكان بدأ يُكتب أكثر من اللازم.”

فهمت إيليانا: هناك من يضغط لالتقاط لقطة.

لقطة “تعثّر”، أو “سقوط”، أو “حماية” تظهر أكثر مما ينبغي.

عادوا عبر منعطف ضيق.

الريح كانت أقسى هنا، وكأنها تعاقبهم على الاختصار.

وفي هذا المنعطف، حدثت محاولة ثانية.

كانت هناك حصاة صغيرة موضوعة في زاوية لا يراها إلا من يدقق.

ليست حجرًا طبيعيًا.

بل قطعة كأنها وُضعت لتجبر القدم على أن تميل.

اقتربت إيليانا من الزاوية.

لم تر الحصاة.

وضعت قدمها.

انزلقت قدمها انزلاقًا بسيطًا.

لم تسقط.

لكن جسدها مال.

كايل تحرك فورًا مرة ثانية.

وهنا كان القرار أصعب.

لأن تثبيتها سيبدو واضحًا.

وتركها ستدفع ثمنه.

اختار كايل أن يثبتها.

ثبتها هذه المرة من كتفها، تثبيتًا سريعًا جدًا، ثم أفلتها مباشرة.

لم يترك المجال لشيء يبدو كاحتضان.

لم يترك حتى ثانية إضافية.

لكنها كانت لحظة واضحة بما يكفي ليرى المرافق الأمني تحركه.

وبما يكفي لتلتقطها عين واحدة إن كانت تراقب.

قال كايل للمرافق الأمني دون أن يرفع صوته:

“أبلغهم أن الأرض زلقة.”

ثم قال لإيليانا بصوت منخفض:

“لا تغيّري مسارك من أجل أحد.”

كانت الجملة أقرب إلى توجيه حياة من توجيه مسار.

هزّت إيليانا رأسها.

“حسنًا.”

وصلوا إلى نقطة الالتقاء مع المجموعة (أ) بعد دقائق.

كانت دائرتها هناك بالفعل.

جريس رأت إيليانا أولًا، وارتاح وجهها ثم عاد للحياد فورًا.

نيكو همس وهو يقترب:

“هل ما زلتِ كاملة؟”

إيليانا قالت:

“نعم.”

نيكو تنهد:

“أنا أيضًا.”

ثم أضاف:

“لكن كرامتي… لا.”

جريس كادت تضحك ثم تماسكت.

أوغست كان يقف مع المجموعة (أ)، يراقب.

حين رأى كايل يعود مع إيليانا، تبادل معه نظرة قصيرة جدًا.

نظرة تفهم ما لا يقال.

جاء موظف الإدارة وأعلن:

“انتهت مرحلة ممر الريح.”

“سيُعلن تقرير التقييم مساء اليوم.”

“وغدًا… المرحلة الأخيرة من المنحدر.”

المرحلة الأخيرة.

نظرت إيليانا إلى كايل دون أن تقصد.

لم ترد أن تبحث عن تفسير.

لكنها رأت في وجهه شيئًا جديدًا: توترًا مكبوتًا، كأنه يعرف أن الغد لن يكون مجرد “مرحلة”.

لأن محاولات اليوم لم تكن عشوائية.

كانت تدريبًا لما هو أقسى.

ومع ذلك، لم يحدث اليوم ما يريدونه بالكامل.

لم تسقط إيليانا.

ولم تُكتب القصة كما يشتهون.

لكن كايل… تحرك مرتين.

وهذا وحده، في ڤيريتاس، قد يصبح مادة لليوم التالي.

نهاية الفصل التاسع والأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 2487 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026