الفصل الخمسون: المرحلة الأخيرة

لم يعلن المسار “راحة” بين مرحلة وأخرى.

أعلن فقط مساءً تقريرًا قصيرًا، مكتوبًا بأسلوب ڤيريتاس الذي لا يمدح ولا يذم، بل يضع نقاطًا كأنها مسامير.

التقييم المرحلي

الانضباط: مقبول

الثبات تحت الضغط: جيد

الالتزام بالخطوط: ممتاز لبعض المختارين

ملاحظة: ستُشدد المراقبة في المرحلة الأخيرة

قرأته إيليانا في جناحها ثم أغلقت الهاتف ببطء.

كانت كلمة “ستُشدد” وحدها كافية لتجعل النوم خفيفًا.

في الصباح، عند نقطة التجمع، بدا الجميع أقل كلامًا مما ينبغي.

جريس كانت هناك، لكن ابتسامتها لم تظهر إلا مرة واحدة، حين رأت إيليانا تصل في الوقت.

سيلفي صامتة.

إيلارا متوترة في العينين.

نيكو حاول أن يطلق نكتة، ثم ابتلعها كما لو أنها ستخونه.

وصل أوغست.

لم يكرر كثيرًا.

قال لإيليانا فقط:

“اليوم… لا تثبتي شيئًا.”

ثم أضاف:

“فقط… اخرجي.”

فهمت إيليانا المعنى: لا تجعلي اليوم عن الكبرياء. اجعليه عن النجاة.

ثم ظهر كايل.

كان وجهه كما هو، حادًا قليل الكلام، لكن فيه صرامة إضافية اليوم، كأن الليل لم يتركه. كان معه نواه وفريق أمن أكبر قليلًا.

قال كايل للجميع:

“المرحلة الأخيرة.”

“نفس القواعد.”

ثم توقف لحظة قصيرة، كأنه يضيف بندًا لا يريد أن يسمعه أحد لكنه مضطر:

“وأي تغيير في المسار… اتبعوا التعليمات فورًا.”

تحركوا.

المسار اليوم لم يكن فقط حجرًا وريحًا.

كان مزيجًا من الاثنين، مع نقاط “لعبة” صغيرة تُزرع كي تشتتك.

ظهرت المهمة الأولى:

المرحلة الأخيرة – “دليل الأثر”

المطلوب: العثور على علامة أثر وتصويرها

الملاحظة: بعض الأدلة مزيفة

الشرط: لا تلمس، لا تجمع

قالت سيلفي:

“مزيفة… يعني فخاخ.”

جريس همست لإيليانا:

“لا تتبعي أي شيء وحدك.”

أومأت إيليانا.

تحركوا نحو منطقة أوسع فيها نباتات قصيرة وأرض غير مستوية. المكان يبدو أسهل من الصخر، لكنه أسوأ لأنك لا ترى ما تحت الأوراق.

كانت العيون أقل هنا.

لكن “الأقل” لا يعني “لا أحد”.

بدأوا يبحثون عن علامة الأثر.

وجدت إيلارا واحدة بسرعة.

صورتها.

سلّمتها.

نيكو وجد أثرًا ثانيًا، ثم صرخ بحماس قبل أن يتذكر أنه لا يصرخ.

خفض صوته فجأة وهمس:

“أنا عبقري.”

ضحكت جريس بصمت.

لكن الضحك لم يدم، لأن إشعارًا جديدًا جاء:

إعادة توزيع مؤقتة

تنفيذ خاص لبعض المختارين

الموقع: المنطقة الشرقية – “حزام الصخور”

تجمدت إيليانا عند كلمة “الشرقية”.

كأن المسار يحب هذه الجهة.

ثم جاءت الرسالة الخاصة:

تنفيذ خاص: إيليانا بيلمون

المدة: 9 دقائق

التوجيه: كوستوس

الملاحظة: “جمع دليل اللعبة” (غير إلزامي، امتياز إضافي)

غير إلزامي.

امتياز إضافي.

هذه العبارة بحد ذاتها فخ.

لأن الامتيازات هي التي تجعل الإنسان يقترب من الحافة وهو يبتسم.

اقترب موظف الإدارة بابتسامته الرسمية:

“آنسة بيلمون… من هنا.”

تقدمت إيليانا.

لم تلتفت كثيرًا.

تذكرت هنرييت: لا تظهري أنك ضعتِ.

وتذكرت أوغست: فقط اخرجي.

في الطريق إلى “حزام الصخور”، انضم كايل إليهم من الطرف، كما لو أنه ظهر في الوقت الذي يجب أن يظهر فيه فقط.

لم يسألها إن كانت خائفة.

لم يقل شيئًا يخفف.

قال فقط:

“تذكري.”

ثم أشار بعينه إلى الأرض:

“لا تثقي في اللمعان.”

كانت جملة قصيرة، لكنها حملت خبرة اليومين السابقين.

وصلوا إلى حزام الصخور.

كان شريطًا من الحجر المائل، لا يشبه ممر الريح، بل يشبه ساحة صغيرة غير مستقرة، وفي وسطها علامات كثيرة، بعضها حقيقي وبعضها مزيف كما قال المسار.

قال الموظف:

“الدليل الإضافي موجود هنا.”

“يمكنك أخذه… أو تركه.”

ثم ابتسم:

“قرارك.”

كلمة “قرارك” هنا ليست حرية.

هي فخ: إن أخذتِ، ستبدو طامعة.

وإن تركتِ، سيقولون: لا تملكين الجرأة.

نظرت إيليانا إلى الأرض.

رأت ورقة صغيرة ملوّنة، تشبه “دليل اللعبة”.

وبجانبها، أزهار برية بيضاء صغيرة تنمو بين الشقوق.

كانت جميلة بطريقة غير عادلة في مكان قاسٍ.

انحنت إيليانا قليلًا لتصور الدليل من مسافة.

لم تلمسه.

ثم رفعت رأسها.

وكانت ستبتعد.

لكنها لاحظت زهرة واحدة مختلفة قليلًا، أقرب إلى الحجر، كأنها علامة مخفية.

ليست ضرورية.

ليست ضمن المهمة.

لكنها تشبه “سرًا” لمن يراه.

في داخلها، اشتعل شيء بسيط جدًا.

ليس طمعًا.

فضول.

ورغبة أن تثبت لنفسها أنها تستطيع أن ترى ما لا يرونه.

مدّت يدها… لا لتقطف الزهرة.

بل لتبعد ورقة مبللة صغيرة كانت تغطي العلامة.

حركة صغيرة.

لا تبدو خطرًا.

لكن الحجر تحت الورقة كان أملس.

زلّت قدمها.

زلة حقيقية هذه المرة، ليست اهتزازًا.

شعرت إيليانا بأن الأرض تسحبها نحو الأسفل.

لم تفكر.

لم تستطع حتى أن تستدير.

وفي اللحظة نفسها، تحرك كايل.

لم ينتظر أن “يبدو رسميًا”.

لم ينتظر أن يرى هل ستتوازن وحدها.

جسده تحرك قبل حكمه.

أمسكها من خصرها والجانب الأعلى من ذراعها في حركة واحدة تمنع سقوطها، لكنه بسبب الاندفاع وقوة الزلة، انزلقت قدمه هو أيضًا على نفس الحجر.

اصطدما بالحجر.

ليس سقوطًا كاملًا، لكنه سقوط يكفي ليؤلم.

شعرت إيليانا بألم حاد في ركبتها وهي ترتطم.

وشعرت بكايل يضغط فكه وهو يحاول أن يثبت نفسه وهي بين ذراعيه.

ثانية واحدة… كانوا فيها قريبين جدًا.

قريبين بما يكفي ليصبح الهواء بينهما مرئيًا.

ثم أفلتها كايل فورًا، كأنه تذكر أين هما.

قال بصوت منخفض حاد، لكنه ليس غضبًا عليها بقدر ما هو غضب على اللحظة:

“قفي.”

حاولت إيليانا أن تقف.

لكن ركبتها تؤلم.

مد كايل يده لها بسرعة.

أمسكتها.

نهضت.

نظر كايل إلى كاحله أو كتفه للحظة، كأنه يتحقق من شيء يؤلمه.

ثم أعاد وجهه للحياد بسرعة.

الموظف كان يراقب.

المرافق الأمني كان يراقب.

والعيون من بعيد… ربما كانت تراقب أيضًا.

قالت إيليانا بصوت خافت، مرتبك:

“أنا… آسفة.”

كايل لم يسمح للاعتذار أن يصبح قصة.

قال بسرعة:

“لا تعتذري.”

ثم أضاف ببرود يشبه القناع:

“تعلمي.”

لكن داخل صدره، حدث شيء آخر.

شيء لم يقله.

لأن قوله يعني اعترافًا.

هو لم يتحرك اليوم لأن هذا “عمل”.

تحرك لأن جسده رفض فكرة سقوطها.

وشعر بذلك بوضوح.

شعر أن الخوف الذي مر فيه في الثانية التي زلت فيها قدمها… لم يكن خوف مسؤول على متدربة.

كان خوفًا شخصيًا.

وهذا هو المكان الذي بدأ فيه الاعتراف الداخلي الصغير، رغما عنه.

......

لم يكن الألم في ركبة إيليانا هو المشكلة الكبرى.

المشكلة كانت في اللحظة التي سبقت الألم، اللحظة التي تحرك فيها كايل دون أن يقرر، وكأن جسده اتخذ القرار بدلًا عنه.

وقفت إيليانا تحاول أن تثبت قدمها، لكن ركبتها كانت ترفض أن تتظاهر. كانت تحس بحرارة تحت الجلد، كأن الحجر ترك توقيعه عليها.

نظر كايل إلى الموظف أولًا.

ثم إلى المرافق الأمني.

ثم قال بصوت منخفض قاطع:

“انتهت المهمة.”

الموظف ابتسم ابتسامة رسمية لا تناسب الحادث:

“هل تودّون توثيق…؟”

قاطعه كايل بنبرة لا تحتاج أن ترفع صوتها:

“لا.”

ثم التفت إلى إيليانا.

صوته صار أقل حدة من الكلمات، لكنه بقي مضبوطًا:

“هل تستطيعين المشي؟”

إيليانا حاولت أن تخفي ارتباكها.

“نعم… أظن.”

أومأ كايل.

ثم تحرك خطوة واحدة، كأنه سيقودها للعودة.

لكن قبل أن يبدأ المشي، ظهرت الحقيقة الثانية.

كايل نفسه لم يكن بخير.

رأته إيليانا في حركة صغيرة جدًا: كيف ثقل كتفه للحظة، وكيف ضغط فكه ثم ترك الهواء يخرج من أنفه ببطء، كمن يرفض أن يشتكي.

قالت إيليانا، بصوت أخفض:

“أنت… هل أنت بخير؟”

رفع كايل عينيه إليها.

لم يجب فورًا.

ثم قال:

“نعم.”

كانت كلمة سريعة أكثر مما ينبغي.

وهذا وحده كشفها.

اقتربت إيليانا نصف خطوة.

لا لتلمسه.

فقط لتراه.

قالت بعناد لطيف:

“أنت تكذب.”

تجمد المرافق الأمني للحظة وكأنه لا يعرف هل يسمع هذا.

لكن كايل لم يلتفت إليه.

قال ببرود:

“لا تتكلمي.”

إيليانا رفعت حاجبها رغم الألم:

“أنا لا أتكلم كثيرًا.”

ثم أضافت بصوت أخفض:

“لكنني أرى.”

ظل كايل ساكتًا ثانيتين.

ثم قال للمرافق الأمني:

“ارجع إلى نقطة التجمع.”

“أبلغهم أن المهمة توقفت بسبب أرض زلقة.”

المرافق تردد لحظة، ثم قال:

“كما تأمر، سيدي.”

وتوقفت إيليانا عند الكلمة.

لم تُوجَّه إليها.

لكنها سمعتها.

وسمعها المكان.

اختفى المرافق في الممر.

وبقي الاثنان وحدهما فعليًا، حتى لو كانت العيون بعيدة.

قال كايل لإيليانا:

“تعالي.”

ثم تحرك معها في اتجاه أقل انكشافًا، بين صخور أعلى تحجب المنصة عنهم.

لم يكن يهرب.

كان يعيد السيطرة إلى مساحة لا تُكتب فيها اللقطة بسهولة.

بعد دقائق قصيرة، توقف عند صخرة عريضة.

جلس أولًا، لا لأنه يريد الجلوس، بل لأنه يريد أن يفرض إيقاعًا جديدًا على جسده.

ثم نظر إلى ركبة إيليانا:

“أريني.”

رفعت إيليانا طرف سروالها قليلًا عند الركبة.

كان هناك خدش واضح واحمرار.

قالت بسرعة:

“إنها بسيطة.”

كايل لم يعلّق.

فتح حقيبة صغيرة كانت معه دائمًا، أخرج منديلًا معقمًا وضمادة.

كان يفعل ذلك بعناية لا تناسب “بروده” المعتاد.

حين لامست أصابعه جلدها مرة واحدة فقط وهو يثبت الضمادة، سحبت إيليانا نفسًا قصيرًا دون قصد.

لا من الألم هذه المرة.

من القرب.

رفع كايل رأسه فورًا.

نظر إلى وجهها، ثم قال بجملة قصيرة:

“لا تتحركي.”

أومأت إيليانا.

وتمنّت لو أن وجهها لا يخونها بالاحمرار.

أنهى كايل تضميدها بسرعة.

ثم تحرك ليقف.

وهنا ظهر أثر سقوطه هو.

حاول أن يرفع ذراعه، فثقلت الحركة.

كأن كتفه تلقى صدمة.

لم يصدر منه أنين، لكن إيليانا رأت التصلب.

قالت فورًا:

“اجلس.”

ثم تداركت نفسها:

“أقصد… انتظر.”

كايل قال:

“لا وقت.”

إيليانا نظرت إلى كتفه:

“كتفك يؤلم.”

كايل حاول أن يغلق الموضوع:

“سأتعامل معه.”

إيليانا قالت بحدة لطيفة لا تشبهها كثيرًا:

“وأنا أيضًا.”

ثم مدت يدها نحو حقيبته.

“أعطني الضمادة الأخرى.”

توقف كايل.

ليس لأنه لا يريد.

بل لأنه لا يحب أن يسلّم جسده لأحد، ولا يحب أن يظهر أنه يحتاج.

لكن التعب يفضح الإنسان في لحظة واحدة.

جلس.

كانت جلسته قصيرة، كمن يجلس لأن أحدًا أجبره لا لأنه أراد.

اقتربت إيليانا بحذر.

لم تكن تعرف كيف تلمس كتفه دون أن تبدو كأنها تتجاوز.

لكن الوضع فرض نفسه.

قالت بصوت منخفض:

“أين الألم؟”

كايل أجاب بكلمة واحدة:

“هنا.”

وأشار إلى أعلى كتفه قرب المفصل.

فتحت إيليانا الضمادة.

لم تكن خبيرة.

لكنها تذكرت شيئًا من تدريبات الإسعاف الصغيرة في النادي.

لفت الرباط كما استطاعت، محاولة أن تكون عملية.

كان كايل صامتًا.

صمته ليس برودًا الآن، بل انضباطًا.

كأنه يخاف أن تخرج منه كلمة تغير شكل المشهد.

بعد أن انتهت، قالت إيليانا وهي تنظر إلى الرباط:

“هكذا… أفضل؟”

حرّك كايل كتفه بحذر.

ثم قال:

“أفضل.”

ثم نهض.

تحركت إيليانا معه ببطء.

ركبتها تؤلم لكنها تستطيع المشي.

بعد مسافة قصيرة، شعرت أن كايل يبطئ.

ليس لأجلها فقط.

هو نفسه كان يحمل ألمًا يريد أن يخفيه.

وهنا حدث ما لم تتوقعه إيليانا من نفسها.

قالت فجأة، بصوت منخفض جدًا، كأنها لا تريد للكلمة أن تطير:

“تنفّس… من فضلك.”

توقف كايل.

ليس توقف جسد فقط.

توقف شيء في داخله.

التفت إليها ببطء.

نظر إلى وجهها لحظة أطول من اللازم.

وكانت تلك اللحظة هي التي خافت منها إيليانا، لأنها لو طالت أكثر ستصبح شيئًا لا تستطيع سحبه.

قال كايل بصوت منخفض:

“لا تكرريها هنا.”

لم تكن قسوة.

كانت حماية.

حماية لها… وله.

هزّت إيليانا رأسها.

“حسنًا.”

واصلا السير.

وبعد عشر دقائق، وصلت الرسالة التي كانت متأخرة:

صوت أجهزة.

خطوات عديدة.

وأول وجه يركض كان نواه.

ظهر نواه بين الصخور كأنه خرج من الريح نفسها.

نظر إلى إيليانا أولًا، ثم إلى كايل.

ثم قال بلهجته الساخرة التي تحاول أن تغطي القلق:

“هل هذا تدريب جديد؟”

“أو أنكما قررتما أن تكتبا فصلًا خاصًا بعيدًا عنّا؟”

كايل نظر إليه نظرة قاطعة.

لكن نواه لم يتراجع.

اقترب ورأى الرباط على كتف كايل.

رفع حاجبه:

“أوه.”

ثم نظر إلى إيليانا:

“من الذي ربطه له؟”

إيليانا تجمدت.

وخجلها ظهر بسرعة في وجهها قبل أن تستعيد السيطرة.

كايل قال ببرود:

“نواه.”

نواه ابتسم:

“حسنًا، سأتوقف.”

ثم أضاف فورًا:

“لكنني لن أنسى.”

ظهر رجل أمن خلف نواه، ثم آخرون، وكأن عملية بحث بدأت منذ دقائق.

لم تكن ضخمة مثل يوم الجزيرة، لكنها كانت أكبر مما يحتاجه “خدش” و“كتف”.

وهذا وحده جعل إيليانا تفهم:

حتى في هذا اليوم، لا يبحثون عن أي أحد بالطريقة نفسها.

قال أحد رجال الأمن:

“سيدي، هل ترغب أن نوقف المرحلة؟”

سيدي.

مرة أخرى.

لم تقل إيليانا شيئًا.

لكن عقلها سجل.

كايل أجاب ببرود:

“لا.”

ثم قال:

“نُنهيها.”

نواه نظر إلى كايل نظرة تقول: أنت مصاب.

لكن كايل لم يعترف.

وبينما يعودون إلى نقطة التجمع، كان نواه يمشي قرب إيليانا.

همس لها بصوت منخفض ساخر:

“فقط لأعرف…”

“هل حاولتِ أن تحمليه على ظهرك أيضًا؟”

اتسعت عينا إيليانا.

“ماذا؟ لا!”

نواه ابتسم ابتسامة شريرة لطيفة:

“للأسف.”

“كنت سأجعلها أسطورة.”

خجلت إيليانا أكثر.

ولم تعرف هل تضحك أم تهرب.

في نقطة التجمع، كان أوغست واقفًا.

عيناه سريعة، تقيسان إيليانا أولًا ثم كايل.

لم يتكلم كثيرًا.

قال فقط:

“هل أنتما بخير؟”

إيليانا أومأت:

“نعم.”

كايل قال:

“نعم.”

لكن أوغست رأى الرباط.

ورأى التعب.

وحده قال جملة قصيرة لكايل، لا يسمعها غير القريب:

“لا تجعلها تدفع ثمن اندفاعك.”

لم يجب كايل.

لكن عينيه قالتا: أعرف.

.....

لم يعد المنحدر يبدو كما كان في الصباح.

ليس لأن الصخور تغيّرت، بل لأن إيليانا صارت تمشي وهي تعرف أن هناك لحظة واحدة كادت أن تُكتب ضدها، ثم مُزقت في الهواء قبل أن تكتمل. المشكلة أن الهواء في ڤيريتاس لا ينسى بسهولة، حتى حين لا يملك دليلًا كاملًا.

عادوا إلى المسار الرئيسي ضمن مجموعة أكبر. وجود الأمن حولهم لم يكن صارخًا، لكنه كان واضحًا لمن يريد أن يفهم. نواه كان يسير قرب كايل بخطوة، يراقبه بعينه أكثر مما يراقب الطريق، كأنه يحاول أن يتأكد أن كايل لن ينهار فجأة من الألم ثم يتظاهر أنه لم يحدث شيء.

إيليانا كانت بين جريس وسيلفي، لكنها كانت تشعر بكايل رغم المسافة القصيرة التي يفرضها.

كان يمشي كالمعتاد، كتفاه مستقيمان، وجهه محكم، صوته لا يزيد عن اللازم. ومع ذلك، لم تستطع إيليانا ألا ترى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها كثيرون: كيف يتجنب حركة معينة بكتفه، كيف يضغط فكه حين تضرب الريح، وكيف يقل كلامه أكثر كلما اقترب أحد من السؤال الخطأ.

وصلوا إلى نقطة إعلان النتائج الجزئية.

وقف موظف الإدارة على منصة خشبية صغيرة، قرأ بصوت رسمي:

“انتهت المرحلة الأخيرة.”

“سيتم اعتماد التقييم خلال ساعتين.”

“الرجاء التزام مناطق الراحة حتى إشعار آخر.”

ثم أضاف جملة خفيفة كأنها مجاملة:

“أحسنتم.”

كلمة “أحسنتم” هنا لا تعني تهنئة.

تعني: نجوتُم بما يكفي لننتقل إلى نوع آخر من الاختبار.

بدأت المجموعة تتفرق ببطء.

جريس اقتربت من إيليانا وهمست:

“هل ركبتك تؤلم؟”

إيليانا قالت:

“قليلًا.”

ثم أضافت بصوت منخفض:

“أنا بخير.”

سيلفي نظرت إلى الرباط على كتف كايل من بعيد.

ثم قالت ببرودها المعتاد:

“ليس كل أحد بخير.”

إيلارا قالت:

“لا تنظري كثيرًا.”

أومأت إيليانا، لكنها لم تستطع ألا تنظر.

كايل كان يقف عند طرف المنصة، يتحدث مع رجل أمن. حديثه قصير، جملتان، ثم إيماءة. كأنه يغلق الأبواب قبل أن يفتحها أحد. وكان نواه واقفًا قريبًا، يحاول أن يبدو هادئًا، لكنه كلما تحرك كايل بكتفه، تتوتر نظرة نواه.

اقتربت إيليانا خطوة واحدة فقط، لا لتدخل بين الرجال، بل لتكون قريبة إن احتاجت.

في اللحظة نفسها، مرت سيلست.

لم تأتِ كما كانت تفعل سابقًا بابتسامة تطلب منك أن تفتح بابًا.

جاءت اليوم بهدوء أكبر، كأنها تعلم أن كل مبالغة ستبدو فاضحة.

وقفت على مسافة محترمة، قالت بنبرة دافئة:

“الحمد لله على السلامة.”

إيليانا نظرت إليها بأدب:

“شكرًا.”

سيلست نظرت إلى كتف كايل، ثم إلى ركبة إيليانا، ثم قالت جملة تبدو عامة:

“أحيانًا… المنحدر يعلّمنا أين نقف.”

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة:

“وأحيانًا يعلّمنا… من يقف معنا.”

لم تكن جملة حب.

كانت جملة تلميح.

تلميح أنها رأت كايل يتحرك.

كايل لم يلتفت إليها كثيرًا.

قال ببرود مهني:

“الموسم انتهى.”

ثم أضاف:

“لا مزيد من الدروس.”

ابتسمت سيلست ابتسامة قصيرة، كأنها قبلت الحدود دون أن تتراجع.

“سنرى.”

وانسحبت.

حين ابتعدت، تنفست إيليانا ببطء.

كانت ترغب أن تقول لكايل شيئًا.

أي شيء.

لكن في هذا المكان، حتى “شكرًا” قد يتحول إلى مسمار.

تحرك كايل فجأة مبتعدًا عن المنصة.

خطوتان ثم توقف.

نظر إلى نواه وقال بصوت منخفض:

“معي.”

نواه تبعه فورًا.

قبل أن يختفيا في الممر الجانبي، التفت نواه إلى إيليانا لحظة، ورفع حاجبه كأنه يقول: لا تقلقي.

لكن إيليانا لم تكن مطمئنة تمامًا.

ترددت ثانيتين.

ثم قررت أن تفعل ما تعلّمته من هنرييت ومن نفسها:

لن تطارد.

ستبقى في مكانها.

إن احتاجها، سيعود… أو سيُرسل من يعود.

مرت دقائق.

ثم عاد كايل وحده.

لم يعد إلى المنصة، بل إلى زاوية أقل انكشافًا قرب سياج خشبي يطل على الماء. مكان لا يقف فيه الناس كثيرًا لأنه لا يعطيهم جمهورًا.

وقفت إيليانا على بعد خطوات.

ليست قريبة جدًا.

ليست بعيدة جدًا.

المسافة التي لا تُكتب بسهولة.

رفع كايل عينيه إليها.

كان وجهه هادئًا، لكن التعب يظهر في خطوطه أكثر حين لا يتكلم.

قال بصوت منخفض:

“ركبتك؟”

إيليانا فوجئت بالسؤال.

لم يكن سؤال تقرير.

كان سؤال شخصي صغير خرج رغمًا عنه.

أجابت:

“بخير.”

ثم ترددت لحظة وأضافت:

“وأنت؟”

سكت كايل ثانيتين.

ثم قال:

“سيمر.”

لم يقل: لا يهم.

لم يقل: لا شأن لك.

قال: سيمر.

وهذه كلمة تقبل أن يُرى الألم دون أن تُعلن ضعفًا.

تقدمت إيليانا نصف خطوة.

ثم توقفت عند نفسها.

لم ترد أن تتجاوز.

قالت بصوت منخفض:

“أنا لم أكن أريد… أن يحدث هذا.”

كايل رفع عينيه إليها.

“أعرف.”

ثم قال جملة أخرى، كأنها تخرج قبل أن يمنعها:

“لكنكِ اقتربتِ.”

شعرت إيليانا بوخزة خجل.

“كنت أظنها علامة.”

كايل قال ببرود أقل:

“هم يعرفون ماذا يضعون قرب يدك.”

ثم توقف لحظة وأضاف:

“الفضول نقطة دخول.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

ثم قالت، بعنادها الهادئ:

“وأنت؟”

“ما نقطة دخولك؟”

سؤالها خرج قبل أن تفكر.

ليس تحديًا.

فضولًا منها هذه المرة.

لكن فضولًا ذكيًا: تسأله عن نفسه كما يسألها عن نفسها.

تغير وجه كايل لثانية.

ليست دهشة كاملة.

شيء مثل انكشاف صغير.

قال بصوت منخفض جدًا:

“الصمت.”

تجمدت إيليانا عند الكلمة.

“الصمت؟”

كايل نظر إلى البحر، لا إليها.

قال:

“حين أصمت… لا يأخذون شيئًا.”

ثم أضاف:

“لكن حين أصمت كثيرًا…”

وسكت.

إيليانا لم تدفعه.

لم تقل: أكمل.

فقط بقيت.

وهذا كان أسلوبها الجديد: أن تجعل وجودها سؤالًا بلا ضغط.

قال كايل أخيرًا، بصوت أقرب إلى اعتراف مقصوص:

“اليوم… لم يكن ينبغي أن أتحرك.”

نظرت إيليانا إليه.

“لكنني كنت سأقع.”

كايل قال:

“كنتِ ستتوازنين.”

ثم توقف، وكأنه يكذب على نفسه، ثم قال الحقيقة بأقسى صيغة:

“لم أترك لنفسي وقتًا لأرى.”

صمتت إيليانا.

ثم قالت بصوت خافت:

“لماذا؟”

رفع كايل عينيه إليها.

وهنا حدث شيء أهم من أي كلمة:

تأخر في النظر.

كأنه لم يعد يستطيع أن يتصرف بسرعة كافية ليغلق كل الأبواب.

قال أخيرًا، بصوت منخفض لا يحمل تزيينًا:

“لأنني لم أرد أن أراكِ تسقطين.”

كانت جملة بسيطة جدًا.

لكنها ليست مهنية.

ليست تقريرًا.

ليست قاعدة.

هي رغبة.

شعرت إيليانا بحرارة في وجهها.

لم تعرف كيف ترد.

لأن الرد قد يفتح بابًا لا تعرف كيف تغلقه.

فابتسمت ابتسامة صغيرة، محاولة أن تبقيها مزحة، محاولة أن تبقي نفسها آمنة.

وقالت:

“وهل هذا… جزء من عمل كوستوس؟”

كايل نظر إليها لحظة.

ثم قال ببرود يعود إليه كدرع:

“امشي.”

لكن “امشي” لم تكن قسوة.

كانت انسحابًا.

كأنه أدرك أنه قال أكثر مما يسمح لنفسه.

استدارت إيليانا ببطء لتعود إلى دائرتها.

لكن قبل أن تبتعد تمامًا، سمعت صوته خلفها، أخفض:

“سأرسل من يفحص ركبتك.”

لم تقل شكرًا.

اكتفت بهزة رأس.

في تلك اللحظة، لم تكن إيليانا تفهم كل شيء.

لم تكن تعرف إلى أي حد هي دخلت داخله.

ولم تكن تعرف إلى أي حد هو يقاوم.

لكن كايل… فهم شيئًا لنفسه.

حين بقي وحده بعد أن ابتعدت، نظر إلى البحر مرة أخرى، ثم إلى يده التي تحركت قبل ساعات.

كان يستطيع أن يبرر لنفسه:

سلامة.

مسؤولية.

قواعد.

لكنه يعرف الحقيقة التي لا يحبها.

الحقيقة أن جسده تحرك لأن فكرته عن سقوطها أصبحت غير محتملة.

ليس كإخفاق.

كخسارة.

شعر بالانجذاب من قبل، نعم.

ذلك النوع السهل الذي يمكن أن يختبئ خلف البرود.

لكن اليوم…

اليوم تداخل الأمر.

صار يخاف.

صار يتوتر من قربها من الحافة، من قرب الآخرين منها، من قرب أي شيء يمكن أن يأخذها منه قبل أن يفهم هو نفسه ماذا يريد.

وللمرة الأولى، قالها لنفسه داخل رأسه دون أن يهرب:

أنا منجذب إليها.

ثم جملة أخرى جاءت خلفها مباشرة، أثقل:

وهذا لم يعد مجرد انجذاب.

شد كايل فكه.

كأنه يعاقب نفسه على الفكرة.

ثم استدار، ومشى نحو ممر الخدمة.

لأنه يعرف أنه إن بقي ثانية أخرى في الهواء المفتوح…

قد يفعل شيئًا لا يستطيع تبريره حتى للصمت.

نهاية الفصل الخمسون

2026/02/24 · 0 مشاهدة · 3062 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026