الفصل الثاني والخمسون: السباق

لم تكن الرصيف الداخلي مكانًا يختبرون فيه الشجاعة.

كان يختبرون فيه الشكل.

القوارب مصطفّة بترتيب أنيق، ليست يخوتًا كبيرة، بل قوارب سباق خفيفة مصممة لتبدو “متواضعة” في يد الأثرياء، ومع ذلك تلمع تفاصيلها بما يكفي لتقول: حتى لعبنا محسوب.

وصلت إيليانا مع دائرتها قبل الموعد بدقائق.

جريس كانت أول من تحرك نحو لوحة اختيار الفرق.

سيلفي وقفت تقرأ القواعد بصمت.

إيلارا تراقب حولها أكثر مما تراقب اللوحة.

نيكو كان يلفّ حول القوارب بعينين متلألئتين كأنه في عيد.

قال نيكو بفصحى متحمسة:

“أريد أن أقدّم طلبًا رسميًا.”

ثم رفع يده كأنه يخطب:

“إضافة بند: من يسقط في الماء يحصل على نقاط إضافية.”

ثم أضاف بسرعة:

“لأن السقوط… شجاعة.”

إيلارا قالت:

“السقوط غباء.”

نيكو وضع يده على قلبه:

“إذن نحن نحتاج شجاعة أكثر.”

ضحكت جريس، ثم قالت لإيليانا بنبرة عملية:

“اليوم نلعب بذكاء.”

“لا نريد أي لقطة.”

هزّت إيليانا رأسها.

كانت ركبتها أفضل، لكنها ما زالت تشعر بها كلما تذكرت الحجر اللامع. الفرق أن خوفها لم يعد يسيطر عليها، صار فقط يعلّمها أين تقف.

ظهرت سيلست على الرصيف بعد قليل، برفقة لافينيا ومجموعة من المختارين.

كانت تلبس ألوانًا هادئة، وتبتسم ابتسامة “لا تؤذي”.

لكن عينيها كانت تعمل.

اقتربت من لوحة الفرق، قالت بصوت لطيف كأنها تقترح لعبة:

“أقترح أن تكون الفرق مختلطة.”

“حتى لا يفوز فريق بالصدفة.”

قالت “بالصدفة” كما لو أنها تمزح.

لكنها كانت تضع يدها على عجلة التحكم.

ردت جريس بأدب:

“فكرة جميلة.”

ثم التفتت إلى إيليانا وهمست:

“لا نتركها تختار لك.”

بدأت الإدارة تعلن آلية التوزيع:

كل دائرة تختار قائدًا.

ثم يختار القائد شخصين.

ثم تكتمل الفرق بسحب قرعة.

نيكو رفع يده فورًا:

“أنا القائد!”

سيلفي قالت:

“لا.”

إيلارا قالت:

“مستحيل.”

جريس قالت بابتسامة:

“أنا القائدة.”

نيكو وضع يده على قلبه متظاهرًا بالجرح:

“هذه خيانة.”

جريس قالت:

“هذه نجاة.”

اختارت جريس إيليانا أولًا.

ثم اختارت سيلفي.

وقالت لإيلارا ونيكو:

“أنتم ستأتون بالقرعة.”

إيلارا لم تعترض.

نيكو اعترض طبعًا:

“أنا لا أؤمن بالقرعة.”

ثم أضاف:

“القرعة لا تفهم قيمتي.”

ضحكت إيليانا.

ضحكها اليوم كان أخف.

كأن المنحدر ترك فيها شيءًا من الشجاعة أو من اللامبالاة الضرورية.

بدأت القرعة.

خرج اسم إيلارا.

ثم خرج اسم نيكو في النهاية رغم اعتراضه.

فصرخ:

“انظروا!”

“الكون يحبني!”

سيلفي قالت:

“الكون يعاقبنا.”

تكوّن فريقهم.

وفي الطرف الآخر، تشكل فريق ريون.

وفريق سيلست أيضًا.

ثم جاء الإعلان الثاني:

التدريب القصير قبل السباق

كل فريق لديه عشر دقائق على القارب للتعوّد

المدربون: طاقم بحري + إشراف كوستوس

توقف شيء في صدر إيليانا عند كلمة “إشراف كوستوس”.

لم يظهر كايل بعد.

لكن اسمه صار حاضرًا كأنه ظلّ فوق الماء.

صعد فريق جريس إلى القارب.

كان صغيرًا نسبيًا، مقاعده قريبة، المجاديف مرتبة، وحزام الأمان بسيط.

قال نيكو وهو يجلس:

“هذا قريب جدًا.”

ثم أضاف:

“القارب يجبرنا على أن نكون بشرًا.”

إيلارا قالت:

“لا تتكلم.”

“وجدّف عندما أقول.”

نيكو نظر إليها:

“أنتِ تظنين نفسكِ قائدة.”

إيلارا قالت:

“أنا التي لن تغرقك.”

بدأ التدريب.

كان الطاقم البحري يشرح حركة التجديف، توزيع الوزن، وكيف ينسق الفريق.

كانت إيليانا تحاول أن تتعلم بسرعة.

لكنها كانت تشعر بالعيون.

بالأخص حين رأت كايل يظهر على الرصيف أخيرًا.

لم يقترب من فريقها فورًا.

كان يتحدث مع رجل من الطاقم، ينظر إلى القوارب، يتأكد من شيء.

كأنه يحاول أن يبقى مسؤولًا لا اسمًا.

رفعت إيليانا رأسها نحوه دون قصد.

تلاقت عيناه بعينيها مرة ثانية ذلك اليوم.

هذه المرة لم يطل النظر.

قطعها أسرع.

لكنه لم يكن باردًا كما كان سابقًا.

كان متوترًا.

وبطريقة غريبة، أدركت إيليانا أن هذا التوتر… بسببها.

لكنها لم تفهمه تمامًا بعد.

ولأنها لم تفهمه، اختارت أسهل طريق:

ابتسامة خفيفة، لا تحمل سؤالًا.

ثم عادت تنظر إلى الماء.

بعد عشر دقائق، أعلن الطاقم نهاية التدريب.

السباق سيبدأ خلال نصف ساعة.

وخلال هذه النصف ساعة… يبدأ الناس عادة بترتيب صورهم، لا قواربهم.

......

قبل بدء السباق بنصف ساعة، صار الرصيف الداخلي مثل لوحة متحركة.

الناس يبتسمون، يختارون أماكن وقوفهم، يبدون صدفة في كل زاوية، بينما كل خطوة محسوبة. حتى الضحك هنا له وزن: الضحك الزائد يُقرأ كطيش، والضحك القليل يُقرأ كتوتر.

جلس فريق جريس قرب القارب في منطقة مخصصة، يراجعون حركة التجديف.

إيلارا كانت تتصرف كقائدة فعلية رغم أن جريس هي القائدة على الورق.

قالت بصرامة:

“الوزن في المنتصف.”

ثم نظرت إلى نيكو:

“وأنت لا تتحرك إلا حين أقول.”

نيكو رفع يده:

“سؤال.”

“إذا صرختِ عليّ، هل هذا يحسب ضمن التجديف؟”

سيلفي قالت ببرود:

“سيحسب ضمن غرقنا.”

ضحكت إيليانا.

ثم قالت لجريس بصوت منخفض:

“هل سنفوز؟”

جريس ابتسمت:

“سنبدو أننا نستمتع.”

“هذا يكفي.”

وفي الطرف الآخر، كان فريق ريون يتهيأ أيضًا.

كان ريون واقفًا يتحدث مع اثنين من فريقه، ثم التفت فرأى إيليانا.

لم يقترب.

اكتفى بإيماءة قصيرة، كأنه يقول: لا تعطيهم لقطة اليوم، دعينا نعبرها بسلام.

رفعت إيليانا رأسها له بإيماءة صغيرة.

بلا ابتسامة واسعة.

فقط احترام.

نيكو همس:

“انظري.”

“أعداؤك السابقون صاروا يرسلون لك تحيات.”

“هذا تطور مخيف.”

إيلارا قالت:

“لا تبني قصصًا.”

نيكو تمتم:

“أنا لا أبني.”

“أنا أزيّن.”

بينما كانت الفرق تتأهب، اقتربت سيلست.

لم تأتِ نحو إيليانا مباشرة.

ذهبت أولًا إلى فريق آخر، ضحكت، ثم تحركت نحو الرصيف القريب من مكان جلوس فريق جريس، كأنها تمر صدفة.

قالت بصوت لطيف يسمعه من حولها:

“هذا السباق سيكون جميلًا.”

“الماء دائمًا يكشف التوازن الحقيقي.”

جريس أجابت بأدب:

“بالتأكيد.”

سيلست نظرت إلى إيليانا نظرة سريعة ثم قالت جملة تبدو كتشجيع:

“إيليانا، إن خفتِ… لا تمسكي الحبل كثيرًا.”

“التمسك الزائد يجعل الحركة قبيحة.”

سكتت إيليانا ثانيتين.

كانت النصيحة نفسها تتكرر بأشكال مختلفة: لا تترددي، لا تمسكي، لا تبدي خوفًا… كأن سيلست تريدها أن تختار “الشكل” فوق “السلامة”.

قالت إيليانا بجملة واحدة مهذبة:

“سأتبع تعليمات الطاقم.”

ابتسمت سيلست وكأنها أعجبتها الإجابة لأنها لم تعطها مادة.

ثم أضافت بلطف:

“وأنا أثق بذوقك.”

وانسحبت.

نيكو همس:

“هي تقول ‘ذوقك’ كما لو أننا في عرض أزياء.”

سيلفي قالت:

“هي تريد لقطة.”

ثم نظرت إلى إيليانا:

“لا تمنحيها.”

كان الطاقم البحري يعلن الآن ترتيب الانطلاق.

فرق تقف عند نقاط محددة.

الجمهور المختار يقف على الرصيف وعلى شرفة قريبة.

الكاميرات المسموح بها ترتفع قليلًا، لا كثيرًا.

ثم ظهر كايل قرب لوحة التنظيم.

لم يقف في المنتصف.

وقف عند طرف الرصيف، يتحدث مع قائد الطاقم. أشار إلى شيء على الخريطة المعلقة، ثم قال جملة قصيرة.

بعدها مباشرة، جاء إعلان صغير من الطاقم:

“تحديث السلامة.”

“منطقة الركن الشرقي خارج المسار.”

“يُمنع الاقتراب.”

تجمدت إيليانا لحظة.

الركن الشرقي… نفس جهة الفخاخ.

فهمت فورًا: سيلست أو غيرها كان يخطط أن يجعل أحد القوارب يمر من زاوية أجمل وأخطر.

كايل قطعها مسبقًا دون أن يقول اسم أحد.

قالت جريس بهدوء:

“هذا… جيد.”

نيكو قال بفخر:

“كوستوس يحب أن يفسد الجمال.”

إيلارا قالت:

“هو يحب أن يفسد المصائد.”

بدأت الفرق تصعد إلى القوارب.

جلس فريق جريس كما تدربوا.

إيلارا في موضع يعطي توازنًا.

سيلفي ثابتة.

إيليانا في المنتصف نسبيًا.

نيكو في الطرف وهو يحاول ألا يتحرك كثيرًا كي لا يقال عنه “دراما”.

قال نيكو بصوت منخفض جدًا:

“إذا متّ… أخبروا الجميع أنني كنت شجاعًا.”

إيلارا همست:

“لن تموت.”

“ستتعب فقط.”

أطلق الطاقم صفارة البداية.

انطلقت القوارب.

صوت المجاديف ضرب الماء بإيقاع سريع.

الماء رشّ على جوانب القارب، باردًا ومنعشًا، وكأنه يسخر من كل توتر الواجهة.

كانت جريس تقود الإيقاع:

“واحد… اثنان… واحد… اثنان…”

اتبعتها إيليانا.

في البداية كانت تضيع نصف ثانية.

ثم لحق جسدها بالإيقاع.

صار التجديف مثل تنفس جماعي.

سمعت نيكو يلهث خلفها ويقول:

“هذا… غير… إنساني.”

سيلفي قالت دون أن تلتفت:

“اسكت.”

ضحكت إيليانا رغم نفسها.

الضحك في الماء أسهل.

في المنعطف الأول، اقترب قارب ريون من جانبهم.

كانوا متقاربين جدًا.

كأن السباق قرر أن يضع “التاريخ” على الماء أيضًا.

رفع ريون صوته قليلًا، نبرة منافسة نظيفة:

“لا تتأخروا.”

نيكو رد فورًا:

“تحدث باسم نفسك!”

إيلارا قالت:

“ركّزوا.”

لكن التوتر تحول إلى مرح.

إيليانا شعرت أن قلبها أخف.

في لحظة قصيرة، حين رفعت إيليانا رأسها لتعرف المسار، رأت كايل على الرصيف.

كان يراقب.

لا يصفق.

لا يتحرك كثيرًا.

لكن عينيه كانت تتبع قاربهم للحظة أطول من غيره.

ثم قطع نظره بسرعة، كأنه تذكر نفسه.

هذا التناقض كان يزعج إيليانا ويطمئنها في الوقت نفسه.

يزعجها لأنه يترك سؤالًا.

ويطمئنها لأنه يعني أنه ما زال هناك، حتى حين يحاول أن يبتعد.

اقتربوا من المنعطف الثاني.

الرياح هنا أخف من ممر الريح.

لكن تيار الماء كان أقوى قليلًا.

القارب اهتز.

نيكو صرخ صرخة صغيرة ثم كتمها:

“آسف.”

ضحكت جريس وهي تواصل العد.

إيلارا شدّت الإيقاع.

وسيلفي بقيت صامتة كأنها آلة.

عبروا المنعطف.

كانوا في المقدمة… أو قريبين جدًا منها.

لكن الأهم: إيليانا كانت تستمتع.

تستمتع بصدق، دون أن تفكر في الخطوط.

كان المنعطف الأخير أقرب مما توقعت إيليانا.

ربما لأن التجديف أخذ منها الوقت، أو لأن الضحك الذي خرج منهم في منتصف الماء جعل المسافة تبدو أقصر. على أي حال، حين ظهرت العلامة النهائية في الأفق، شعرت إيليانا بشيء يشبه الحماس الحقيقي، الحماس الذي لا يحتاج جمهورًا كي يوجد.

قالت جريس وهي ترفع صوتها قليلًا:

“الآن!”

“نفس الإيقاع!”

إيلارا شدّت كتفيها كأنها تشد الفريق كله معها.

سيلفي زادت سرعة التجديف دون أن يتغير وجهها.

أما نيكو فكان يتنفس كأنه يفاوض الهواء على البقاء حيًا، لكنه لم يتوقف.

قال نيكو وهو يلهث:

“إذا… فزنا…”

ثم ابتلع بقية الجملة لأن جريس نظرت إليه.

إيليانا كانت تجدّف.

تجدّف بقوة لم تتخيلها في نفسها.

وشعرت أن جسدها، للمرة الأولى منذ دخولها ڤيريتاس، يفعل شيئًا لا علاقة له بالوراثة ولا بالمنحدر ولا بالمجلس.

شيئًا بسيطًا: يشارك.

اقترب قارب ريون مرة أخرى من جانبهم.

كانوا متعادلين تقريبًا.

رفع ريون صوته قليلًا:

“سريعًا.”

نيكو رد وهو يلهث:

“أنت… أيضًا!”

ضحكت إيليانا، ثم كتمت ضحكتها كي لا يختل التوازن.

في اللحظات الأخيرة، ضرب تيار خفيف القاربين.

اهتز قاربهم نصف اهتزازة.

لكن هذه المرة لم يصرخ نيكو.

فقط شتم داخليًا على وجهه ثم تابع.

عبروا الخط النهائي.

لم تعرف إيليانا من فاز في الثانية الأولى.

ثم سمعت صفارة طويلة.

ثم هتافًا خفيفًا من الرصيف.

أعلن الطاقم البحري بصوت واضح:

“الفريق الثاني… أولًا.”

ثم توقّف.

“وفريق الآنسة جريس… ثانيًا بفارق بسيط.”

تنهّد نيكو كما لو أنه خرج من حرب.

ثم قال فورًا:

“ثانيًا!”

“هذا يعني أننا تقريبًا فزنا.”

إيلارا قالت وهي تمسح جبينها:

“هذا يعني أننا خسرنا.”

جريس ابتسمت، ليست ابتسامة هزيمة ولا ابتسامة نصر.

ابتسامة يوم عادي نادر.

“هذا يعني أننا لم نغرق.”

سيلفي قالت:

“وهذا كافٍ.”

ضحكت إيليانا.

ضحكت بحرية أكبر مما تسمح به الواجهة عادة.

وللمرة الأولى، لم تحاول أن تقطع الضحك بسرعة.

عادوا إلى الرصيف.

حين صعدوا، كانت الأرجل ثقيلة والقلوب أخف.

جريس شكرت الطاقم بسرعة.

إيلارا أخذت زجاجة ماء وشربت كأنها تثأر.

سيلفي جلست لحظة دون كلمة.

ونيكو… كان يحتفل بأنه ما زال حيًا.

قال بصوت مسموع:

“أريد شهادة.”

“أريد وسامًا.”

“أريد اعترافًا رسميًا بأنني… مفيد.”

ضحكت جريس.

وقالت:

“أنت مفيد حين تصمت.”

نيكو نظر إليها بصدمة:

“إذن لن أحصل على الاعتراف أبدًا.”

تجمع حولهم بعض الأعضاء.

مجاملات سريعة.

ضحكات محسوبة.

صور قليلة من بعيد.

ثم ظهرت سيلست.

اقتربت هذه المرة وهي تصفق تصفيقًا خفيفًا، لطيفًا، لا يستفز.

قالت لجريس:

“أحسنتِ.”

ثم نظرت إلى إيليانا:

“وأنتِ… كنتِ منسجمة جدًا.”

توقفت إيليانا عند كلمة “منسجمة”.

الكلمة تبدو بريئة.

لكنها تُستخدم هنا لتصنيفك: هل أنتِ تنتمين؟ هل صرتِ جزءًا من المشهد؟

قالت إيليانا بأدب:

“كان سباقًا ممتعًا.”

سيلست ابتسمت:

“المتعة مهمة.”

ثم قالت بنبرة خفيفة:

“خصوصًا حين يكون هناك من يراقب السلامة.”

أدارت وجهها قليلًا، كأنها تشير إلى كايل دون أن تذكره.

ثم أضافت، كأنها ترمي طُعمًا صغيرًا:

“من الجميل أن يكون كوستوس قريبًا… عندما يكون البحر قريبًا.”

كانت جملة تلميح لا أكثر.

لكنها تريد أن تجعل الناس ينظرون.

قبل أن ترد إيليانا، سمعوا صوتًا منخفضًا من الخلف:

“العودة إلى مناطق الراحة.”

كايل.

لم يكن صوته عاليًا.

لكن وجوده قطع تلميح سيلست كما قطع من قبل حديثًا في الأتريوم.

وقف كايل عند طرف التجمع، يوجه كلامه للطاقم أولًا، ثم للأعضاء.

كأنه يتحدث بصفته مسؤولًا لا بصفته رجلًا يعرف إيليانا.

لكن عينيه، لجزء من الثانية، مرّت على إيليانا.

كانت نظرة سريعة جدًا.

ومع ذلك، شعرت إيليانا بها كأنها لمسة ماء بارد على الجلد.

انتهى كايل من توجيهاته، ثم استدار.

وفي طريقه للابتعاد، مرّ قرب ريون.

كان ريون يتحدث مع أحد أعضاء فريقه، ثم صمت فجأة حين مرّ كايل.

كان صمتًا تلقائيًا، احترامًا أو تجنبًا أو فهمًا.

لكن إيليانا لاحظت شيئًا صغيرًا: كايل لم ينظر إلى ريون كثيرًا.

نظر فقط إلى المسافة بين ريون وإيليانا… وكأنه يقيسها قبل أن يكمل السير.

ذلك القياس الصامت كان أوضح من أي كلمة.

وللمرة الأولى، فهمت إيليانا أن “غيرة” مزحتها لم تكن مجرد مزحة فارغة.

لم تفهمها بالكامل، لكنها شعرت أن هناك شيئًا حقيقيًا خلف البرود.

بعد أن ابتعدت سيلست، تنفست جريس وقالت:

“هي لا تترك يومًا يمر دون أن تزرع معنى.”

سيلفي قالت:

“هي تزرع لكي تحصد لاحقًا.”

إيلارا نظرت إلى إيليانا:

“لا تشغلي نفسك.”

“أنتِ اليوم فزتِ بشيء أهم.”

إيليانا سألت:

“ما هو؟”

إيلارا قالت:

“ضحكتِ.”

“أمام الناس.”

“ولم يكسركِ ذلك.”

توقفت إيليانا عند الجملة.

ثم أومأت.

نيكو قفز فجأة:

“حسنًا!”

“المرحلة التالية في خطة التعافي: احتفال.”

ثم رفع يده:

“أنا سأطلب حلوى.”

جريس قالت:

“لن تفعل.”

ثم تداركت نفسها، لأن نيكو كان قد بدأ فعلاً يمشي نحو طاولة الضيافة.

“بل ستفعل.”

ضحكوا.

وتحركوا.

بينما كانت إيليانا تمشي مع دائرتها، شعرت بالهواء أخف من المنحدر، والماء خلفها لم يعد مخيفًا.

لكنها كانت تعرف أن الراحة في ڤيريتاس لا تأتي بلا ثمن.

لأن كل شيء يُضحكك اليوم…

سيحاول أحدهم أن يفسره غدًا.

خصوصًا إذا كان اسم كوستوس يقترب من اسم إيليانا أكثر مما ينبغي.

نهاية الفصل الثاني والخمسون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 2093 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026