الفصل الثالث والخمسون: ما بعد السباق

في طريق العودة من الرصيف الداخلي، كان نيكو يتصرف وكأن “الثاني” لقب ملكي.

قال وهو يمشي أمامهم:

“ثانيًا بفارق بسيط.”

ثم التفت إليهم بحماس:

“هذا يعني أننا فزنا أخلاقيًا.”

إيلارا قالت ببرود:

“هذا يعني أننا خسرنا.”

نيكو أشار إليها بإصبع اتهام:

“أنتِ تقتلين الشعر.”

جريس ابتسمت:

“هو لا يكتب شعرًا.”

“هو يكتب أعذارًا.”

ضحكت إيليانا، لكن ضحكتها كانت مختلفة عن الضحك في المنحدر.

هذه ضحكة ماء.

أخف.

أقرب إلى الحياة.

سيلفي، التي لا تبالغ في أي شيء، قالت بهدوء:

“على الأقل… لم يمنحنا أحد درسًا.”

لم تقل اسم كايل، لكن إيليانا فهمت.

اليوم لم يكن يوم قواعده.

كان يومهم هم.

وصلوا إلى منطقة الراحة، وهناك ظهر إشعار جديد على هواتف المختارين:

جلسة خفيفة لإغلاق السباق

المكان: الصالة البحرية

الملاحظة: حضور اختياري

قال نيكو فورًا:

“اختياري؟”

ثم أضاف وهو يضع يده على قلبه:

“هذا يعني أنه إلزامي لمن يريد أن يبدو طبيعيًا.”

جريس قالت:

“سنذهب.”

ثم نظرت إلى إيليانا:

“لكن إن شعرتِ بتعب، نرجع فورًا.”

هزت إيليانا رأسها.

“لا، أريد أن أذهب.”

كانت تريد أن تبقى مع دائرتها.

بعد المنحدر، وبعد كل تلك العيون، اكتشفت أن أقوى شيء تملكه ليس ذكاء القواعد فقط، بل أن يكون لديها مكان تضحك فيه من دون أن تُفسَّر.

الصالة البحرية كانت مضاءة بنعومة، وفيها موسيقى خفيفة وأكواب عصير ووجوه أقل حدة. بعض المختارين حضروا بملابس غير رسمية، كأنهم يحاولون إقناع أنفسهم أن الموسم انتهى.

رأت إيليانا ريون عند طرف الصالة، يتحدث مع شخصين.

لم يقترب.

لكن حين التقت عيناه بعينيها، أومأ مرة واحدة.

إيماءة هادئة تقول: لا مشكلات اليوم.

رأت سيلست أيضًا.

كانت تضحك مع لافينيا، ثم تتوقف فجأة كأنها تتذكر شيئًا، ثم تعود للضحك.

ضحكها يبدو طبيعيًا، لكنه لا يترك يدها أبدًا عن الخيوط.

قالت جريس وهي تهمس:

“استمتعي.”

“ودعيها تراقب الفراغ.”

ضحكت إيليانا بهدوء.

جلسوا.

بدأ نيكو يلعب لعبة صغيرة مع موظف الصالة: تحدي أسئلة سريعة سخيفة، وأصر أن تكون الجائزة “قطعة حلوى إضافية”.

فازت سيلفي من غير مجهود.

وخسر نيكو من غير كرامة.

قال وهو يعلن هزيمته:

“أنا أرفض هذه النتيجة.”

“أطالب بإعادة.”

إيلارا قالت:

“ارفض داخل قلبك.”

“ولا ترفض بصوتك.”

وفي وسط الضحك، حدث ما لم تتوقعه إيليانا من نفسها:

شعرت أنها تبحث بعينيها عن كايل.

لم تره.

وللمرة الأولى، لم يزعجها غيابه فقط.

أراحها قليلًا.

ثم زعجها أنها ارتاحت.

قرب نهاية الجلسة، جاء أوغست إلى الصالة البحرية.

لم يكن من نوع الرجال الذين يأتون إلى جلسات “خفيفة”، لذا حضوره كان رسالة.

توقف عند طاولة جريس.

قال بصوت منخفض:

“إيليانا.”

“مدام هنرييت تريدك الليلة.”

تجمدت إيليانا.

“الليلة؟”

أوغست أومأ:

“نعم.”

ثم أضاف:

“أمر عائلي.”

“هادئ.”

جريس نظرت إلى إيليانا بعين مطمئنة:

“اذهبي.”

“هنرييت جيدة لك.”

نهضت إيليانا.

استأذنت من دائرتها.

ثم خرجت مع أوغست عبر الممرات الهادئة.

وفي طريقها، رأت من بعيد ظلًا عند تقاطع ممر خدمة.

وقفة تعرفها.

لم يكن واضحًا كفاية لتقسم، لكن قلبها أقسم.

كايل كان هناك… أو كان يشبهه.

ثم اختفى قبل أن تقترب.

لم تلحقه.

لم تعد تلحق الظلال.

تابعت طريقها إلى جناح هنرييت، وهي تشعر أن الأيام القادمة ستفتح بابًا جديدًا:

لم تكن الممرات المؤدية إلى جناح هنرييت تشبه ممرات الأتريوم.

هناك، كل شيء لامع ليُرى.

هنا، كل شيء هادئ ليُعاش.

سارت إيليانا خلف أوغست دون أن تسأله كثيرًا. كانت قد تعلمت أن “أمر عائلي” في ڤيريتاس يعني شيئًا حساسًا، لكنه لا يعني بالضرورة خطرًا. أحيانًا يعني فقط: وقت.

فتحوا باب الجناح، ودخلت إيليانا وحدها هذه المرة. لم تنتظرها خادمة عند العتبة كما في المرة السابقة، وكأن هنرييت أرادت أن يكون الدخول بسيطًا، بلا بروتوكول.

وجدتها في الصالون المطل على الحديقة الداخلية، تجلس قرب النافذة وبيدها كتاب مغلق.

رفعت هنرييت عينيها حين دخلت إيليانا، وابتسمت ابتسامة قصيرة دافئة.

“تعالي.”

جلست إيليانا على المقعد المقابل.

كانت الغرفة هادئة إلى حد جعلها تشعر أن صوتها إن خرج بصراحة سيبدو أعلى من اللازم.

سكبت هنرييت الشاي بنفسها مرة أخرى، ثم قالت دون مقدمات طويلة:

“أردت أن أسألك عن ركبتك.”

إيليانا أجابت:

“هي بخير.”

ثم أضافت:

“لا شيء خطير.”

أومأت هنرييت، كأنها تقبل الجواب لكنها لا تكتفي به.

“وجسدك؟”

ثم قالت بهدوء:

“وروحك؟”

توقفت إيليانا عند السؤال الثاني.

لم تكن معتادة أن يسألها أحد عن روحها بلا سبب.

قالت بصوت منخفض:

“لا أعرف.”

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، محاولة أن تبدو أقوى مما تشعر:

“لكنني… ما زلت هنا.”

نظرت هنرييت إليها طويلًا، ثم قالت:

“وهذا إنجاز.”

وأضافت بعد لحظة:

“لا تتصوري أن النجاة سهلة في بيت مليء بالذكريات والعيون معًا.”

سكتت إيليانا.

ثم قالت بصراحة ناعمة:

“أحيانًا أشعر أنني… دخلت عالمًا لا يعرفني.”

هنرييت قالت:

“هو لا يحتاج أن يعرفك.”

“يكفي أن تحافظي على نفسك.”

ثم أضافت، كأنها تعطيها شيئًا صغيرًا تحمله:

“الذين يحاولون أن يعرّفوك بطريقة أخرى… لا تتركيهم.”

شربت هنرييت رشفة شاي، ثم قالت بصوت أقل رسمية:

“هل استمتعتِ بالسباق؟”

تفاجأت إيليانا بالسؤال.

كان سؤالًا عاديًا، لكنه بدا كهدية.

قالت:

“نعم.”

ثم ابتسمت بصدق:

“ضحكت.”

ابتسمت هنرييت أيضًا.

“جيد.”

ثم قالت وكأنها تعتذر عن شيء قديم مرة ثانية:

“كنت أخاف أن يأتيك هذا المكان… في وقت لا يليق.”

“بعد الفقد مباشرة.”

خفضت إيليانا عينيها.

الحداد هنا دائمًا حاضر، حتى حين لا يتكلم أحد عنه.

قالت هنرييت:

“لو استطعت أن أعيد ترتيب البداية… لفعلت.”

ثم أضافت بهدوء:

“لكن بما أننا هنا الآن، سأرتب ما أستطيع.”

رفعت إيليانا عينيها:

“ماذا تقصدين؟”

هنرييت لم تقل: زواج.

لم تقل: اتفاق.

قالت بطريقة هنرييت: كلمات تفتح الباب دون أن تُدخل أحدًا منه.

“ستسمعين كلامًا كثيرًا في الأيام القادمة.”

“عن العائلة.”

“وعن مصلحتك.”

“وعن مصلحة اسمك الجديد.”

ثم قالت بثبات:

“لا توقّعي في ذهنك قبل أن توقّعي على ورق.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

“هل هناك شيء… يُخطط لي؟”

ابتسمت هنرييت ابتسامة صغيرة لا تنكر ولا تعترف.

“هناك دائمًا شيء يُخطط.”

ثم قالت بلطف شديد:

“لكن ليس كل تخطيط شرًا.”

“وأنا لن أسمح أن يكون أحدٌ فوق إرادتك.”

كانت جملة قوية دون أن ترتفع.

جملة جعلت إيليانا تشعر للمرة الأولى أن هناك ظهرًا حقيقيًا خلفها، لا مجرد اسم.

وقبل أن تسأل إيليانا أكثر، سمعوا طرقًا خفيفًا على الباب.

دخلت خادمة وقالت بهدوء:

“مدام… هناك اتصال عاجل من الإدارة.”

نهضت هنرييت فورًا، لا بقلق، بل بحزم.

“سآتي.”

ثم التفتت إلى إيليانا:

“ابقَي هنا لحظة.”

“لا أريد أن تعودي الآن.”

أومأت إيليانا.

خرجت هنرييت.

وبقيت إيليانا وحدها في الصالون.

كانت تشاهد الشجرة خلف الزجاج حين سمعت صوتًا خافتًا في الممر، خارج الباب.

صوت خطوات تعرف وقعه دون أن ترى صاحبه.

ثم انفتح الباب نصف فتحة.

ولم يدخل أحد بكامل جسده.

دخل ظل فقط، كأن من في الخارج لا يريد أن يُرى داخل جناح العائلة.

قال صوت منخفض:

“آنسة بيلمون.”

كان كايل.

وقفت إيليانا فورًا، كأن الغرفة صارت أصغر.

قالت بهدوء:

“سيدي كوستوس.”

كانت كلمة رسمية، لكنها خرجت منها وفيها شيء من المزاح المخفي، لأنها تعلم أن اللقب هنا ليس مجرد لقب.

كايل لم يعلّق على المزاح.

دخل خطوة واحدة فقط، ثم وقف عند الحد الذي لا يجعل وجوده “زيارة”.

قال:

“مدام هنرييت في اجتماع؟”

إيليانا أومأت:

“نعم.”

سكت كايل لحظة.

ثم قال بصوت منخفض جدًا:

“هل ركبتك بخير؟”

قالها للمرة الثانية اليوم.

لكن هذه المرة لم يكن حولهما أحد.

لم يكن سؤال واجهة.

أجابت إيليانا:

“بخير.”

ثم ترددت، وأضافت دون أن تقصد أن تكون شجاعة:

“وكتفك؟”

تصلب وجه كايل للحظة.

ثم قال:

“سيمر.”

لم تضغط إيليانا.

لكنها قالت بصوت خافت:

“لا أحب أن ترى الجميع جيدًا… وأنت تتظاهر.”

رفع كايل عينيه إليها.

نظر طويلًا.

ثم قال:

“التظاهر… هو ما يبقي الأشياء في مكانها.”

إيليانا قالت:

“وأنت؟”

“هل أنت في مكانك؟”

كان سؤالًا خطيرًا.

شعرت به فورًا بعد أن خرج.

لكن كايل لم يغضب.

لم يوبخها.

فقط قال بصوت منخفض:

“لا تفتحي أبوابًا هنا.”

إيليانا رفعت حاجبها، مزح خفيف يحاول أن يخفف ثقل السؤال:

“أنت الذي تفتح وتغلق طوال الوقت.”

تحركت زاوية فمه حركة صغيرة جدًا.

ثم عاد وجهه صلبًا.

قال:

“سأكون واضحًا.”

“سيلست بدأت تربط بينك وبين حضوري.”

ثم أضاف:

“لا تعطيها مادة.”

تذكرت إيليانا تلميح سيلست على الرصيف.

“وماذا أفعل؟”

كايل قال:

“اتبعي دائرتك.”

“وابقي في الضوء الذي تختارينه.”

ثم توقف لحظة، وقال بصوت أخفض:

“ولا تنتظري مني أن أكون قريبًا دائمًا.”

تجمدت إيليانا عند الجملة.

ليس لأنها قاسية.

بل لأنها تشبه وداعًا صغيرًا قبل أن يحدث شيء.

قالت بهدوء:

“أنا لا أنتظرك.”

كانت كذبة نصفها صحيح.

ونصفها الآخر لم تعرف كيف تعترف به.

نظر كايل إليها لحظة، ثم قال ببرود يعود كدرع:

“جيد.”

ثم تراجع خطوة إلى الباب.

“سأخرج.”

قبل أن يخرج تمامًا، قال جملة واحدة، كأنها خرجت منه رغما عنه:

“لا تتعبي الليلة.”

ثم أغلق الباب بهدوء.

بقيت إيليانا واقفة لثانيتين، كأنها لا تعرف هل ما حدث كان “لقاء” أم “تحذير”.

ثم عاد صوت خطوات هنرييت في الممر.

دخلت وهي تمسك الهاتف، وجهها هادئ لكنه حاسم.

جلست وقالت:

“عذرًا.”

إيليانا هزت رأسها:

“لا بأس.”

نظرت هنرييت إليها نظرة دقيقة، كأنها تشعر أن شيئًا مرّ في الغرفة دون أن يُقال.

لكنها لم تسأل.

قالت فقط:

“سأطلب أن يرسلوك إلى جناحك بسيارة صغيرة.”

“الليلة انتهت.”

نهضت إيليانا.

وقبل أن تخرج، قالت هنرييت بهدوء:

“تذكري ما قلته.”

“لا توقعي في ذهنك.”

أومأت إيليانا.

ثم خرجت.

وفي الممر، حين استدارت للحظة، رأت الباب الذي دخل منه كايل قبل دقائق.

كان مغلقًا.

ولا شيء يدل أنه كان هنا.

كما لو أن ڤيريتاس يمحو آثاره بنفسه.

...........

عادت إيليانا إلى جناحها في عربة صغيرة تمر عبر الممرات الخلفية، تلك الممرات التي لا تُرى فيها الواجهة ولا تُسمع فيها ضحكات الأتريوم. كانت تحبها وتكرهها في الوقت نفسه. تحبها لأنها صامتة، وتكرهها لأنها تذكّرها بأن الصمت هنا ليس فراغًا، بل نظامًا.

حين أغلقت باب جناحها، جلست على طرف السرير دون أن تبدّل ملابسها فورًا.

كانت كلمات هنرييت لا تزال في رأسها:

لا توقّعي في ذهنك.

ثم جاءت جملة كايل، الباردة بقدر ما هي واضحة:

لا تنتظري مني أن أكون قريبًا دائمًا.

لم تقل لنفسها إنها انتظرته.

لم تقل إنها لا تنتظره.

فقط شعرت بأن هناك شيئًا يتشكل ببطء، والبطء هنا هو الشيء الوحيد الذي يبدو آمنًا.

في صباح اليوم التالي، وصل إشعار المسار قبل أن تكمل قهوتها:

فعالية اجتماعية – “صباح المرسى”

المكان: المرسى الخارجي

الوقت: 11:30

الملاحظة: أزياء خفيفة / صور رسمية محدودة

قرأته إيليانا مرتين.

“صور رسمية محدودة” تعني أن الصور موجودة.

فقط باسم ألطف.

ظهرت جريس على الباب بعد دقائق كأنها كانت تعرف أن إيليانا ستحتاج أن تُسحب من التفكير.

قالت جريس وهي تدخل:

“لا أريد أن أرى وجهك هكذا.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“كيف هكذا؟”

جريس قالت:

“وجه من يفكر كثيرًا.”

ثم ابتسمت:

“اليوم صباح مرسى.”

“يعني ضحك.”

“يعني شمس.”

“يعني نيكو سيفعل شيئًا سخيفًا بالتأكيد.”

كأن جريس استحضرت نيكو بكلمة، لأن هاتف إيليانا رن في اللحظة نفسها برسالة منه:

أحضري نظارة شمسية. سأقدّم عرضًا تاريخيًا.

ردت إيليانا:

أي نوع من العرض؟

جاء الرد فورًا:

عرض عدم السقوط في الماء.

تنهدت إيليانا وضحكت رغم نفسها.

في المرسى الخارجي، كان الضوء أجمل من أن يكون بريئًا.

الشمس على الماء تجعل كل شيء يبدو كأنه لا يحمل نوايا، لكن ڤيريتاس لا يترك حتى الشمس دون معنى.

وصلت دائرتها.

سيلفي كانت ترتدي ألوانًا هادئة كعادتها.

إيلارا بدت جاهزة لأي شيء.

نيكو… كان يرتدي قبعة غريبة فعلًا.

قالت جريس وهي تنظر إليه:

“نيكو.”

نيكو قال بفخر:

“هذه قبعة قائد البحر.”

إيلارا قالت:

“هذه قبعة مهرّج.”

نيكو أومأ:

“نعم.”

ثم أضاف:

“المهرّج ينجو دائمًا لأنه لا يهدد أحدًا.”

ضحكت إيليانا أكثر.

كانت تحتاج هذا النوع من الكلام.

كان “صباح المرسى” عبارة عن تجمع خفيف: قهوة، موسيقى بسيطة، عرض قصير للقوارب، وألعاب صغيرة لمن يريد: رمي حلقات، تحدي توازن على لوح ثابت، وصور عند منصة عليها شعار ڤيريتاس.

وهنا، كانت سيلست موجودة أيضًا.

لكنها لم تقترب.

كانت تراقب فقط.

وكأنها تنتظر اللحظة التي تلتقط فيها “نمطًا”.

اقترب ريون من دائرتها للحظة، ليس ليأخذ إيليانا بعيدًا، بل ليعطي معلومة صغيرة:

“هناك تصوير عند المنصة.”

“إن وقفتِ أمامها كثيرًا… سيجعلونكِ قصة.”

إيليانا نظرت إليه:

“شكرًا.”

ريّون أومأ ومضى.

قال نيكو فورًا:

“أحب هذا ريون الجديد.”

“هو يهدد بطريقة مفيدة.”

جريس قالت:

“هو لا يهدد.”

“هو يحذر.”

في منتصف الفعالية، أعلن الطاقم البحري تحديًا بسيطًا:

جولة قصيرة بالقارب في محيط المرسى

شخصان فقط في كل مرة

مرافقة طاقم من بعيد

لا تصوير قريب

تغير الهواء قليلًا.

شخصان فقط… يعني قرب.

التفتت جريس إلى إيليانا:

“لا تذهبي وحدك.”

ثم ابتسمت:

“إذا ذهبنا، نذهب نحن.”

قبل أن ترد إيليانا، ظهر اسم جريس على قائمة الجولة الأولى.

ثم اسم إيليانا في الجولة التالية مباشرة، كما لو أن المسار يريد أن يضعها في الماء مرة أخرى، لكن بطريقة ألطف.

قال نيكو بتهويل:

“هكذا يبدأون.”

“يضعونكِ على الماء.”

“ثم يضعونكِ على الصفحة الأولى.”

سيلفي قالت:

“اخرس.”

ثم أضافت:

“وانتبه للكاميرات.”

صعدت جريس أولًا مع أحد أفراد الطاقم.

جولة قصيرة وعادت.

ثم جاء دور إيليانا.

وقفت عند الرصيف تنتظر من سيكون الشخص الثاني معها.

قيل: قرعة.

لكن إيليانا تعلمت أن القرعة هنا لا تكون بريئة دائمًا.

خرج الاسم على اللوح الصغير عند الطاقم:

إيليانا بيلمون + كوستوس

توقفت الأنفاس في صدرها.

قال نيكو بصوت منخفض جدًا:

“هذا ليس صباح مرسى.”

“هذا صباح قصة.”

جريس نظرت إلى إيليانا بسرعة، ثم قالت بثبات:

“اذهبي.”

“وكوني طبيعية.”

سيلفي همست:

“لا تقولي شيئًا إضافيًا.”

إيلارا قالت:

“وابقَي قريبة من القارب.”

تحركت إيليانا نحو القارب.

كان كايل هناك بالفعل.

ليس مع فريق أمن.

ليس كمنحدر.

كان وحده، مع سترته العملية، ووجهه المحكم.

لم يمد يده لها.

لم يقل كلمات ترحيب.

قال فقط للطاقم:

“نبدأ.”

ثم نظر إلى إيليانا نظرة قصيرة:

“اجلسي.”

جلست إيليانا.

المسافة بينهما في القارب كانت أقصر من المسافات التي يحبها كايل عادة.

وهذا وحده جعل الهواء بينهما حساسًا.

تحرك القارب ببطء بعيدًا عن الرصيف.

لم تكن هناك رياح قاسية.

لكن البحر لا يحتاج قسوة ليجعل الكلام صعبًا.

قالت إيليانا بعد دقيقة من الصمت، بصوت هادئ:

“هل هذا أيضًا… جزء من العمل؟”

كايل أجاب بلا تردد:

“نعم.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“صباح المرسى؟”

كايل قال:

“الناس يراقبون هنا أكثر.”

ثم أضاف:

“لأنهم يظنون أنه لا توجد قواعد.”

سكتت إيليانا.

ثم قالت، بخفة تحاول أن لا تكون سؤالًا كبيرًا:

“لماذا قلت لي ألا أنتظرك؟”

توقف كايل جزءًا من الثانية.

كانت هذه أول مرة تعيد عليه جملته مباشرة.

قال ببرود:

“لأنه صحيح.”

إيليانا نظرت إلى الماء.

ثم قالت بصوت منخفض:

“أنا لا أحب أن يقرر أحد عني.”

سكت كايل.

ثم قال، أقل حدة:

“ولا أنا.”

تلاقت الجملتان بينهما كأنهما اتفاق غير مقصود.

استمر القارب في الدوران قرب المرسى.

من بعيد، كانت المنصة التي تحمل شعار ڤيريتاس تلمع.

وكانت سيلست تقف قربها.

لا تلوّح.

لا تبتسم لهما.

لكنها ترى.

قال كايل فجأة:

“حين نعود… لا تقفي عند المنصة.”

إيليانا قالت:

“لن أفعل.”

كايل أومأ.

ثم، دون أن ينظر إليها مباشرة، قال:

“أنتِ جعلتِ الأمر أصعب.”

تجمدت إيليانا.

“أي أمر؟”

كايل لم يجب فورًا.

ثم قال بصوت منخفض:

“أن أبقى كما كنت.”

لم تكن جملة اعتراف واضح.

لكنها كانت أقرب شيء.

شعرت إيليانا بحرارة في صدرها.

لم تعرف كيف ترد دون أن تفتح الباب الذي حذرها منه.

فاختارت الطريق الذي تعرفه: مزاح صغير يحميها.

قالت بهدوء:

“هذا ليس خطئي.”

“هذه طبيعتك.”

التفت كايل إليها.

نظر لحظة أطول من المعتاد.

ثم قال كلمة واحدة:

“انتبهي.”

كانت كلمة عمل.

لكن نبرتها لم تكن عملًا فقط.

عاد القارب إلى الرصيف.

نزلت إيليانا أولًا.

ثم نزل كايل.

لم يمش معها إلى دائرتها.

انسحب فورًا كأنه لم يكن هنا.

لكن إيليانا حين التفتت، رأت نظرة سيلست.

نظرة تقول: الآن لديّ خيط.

ورأت أيضًا وجه جريس وهي تقترب بسرعة، تتظاهر أنها جاءت لتسأل عن الجولة بينما عيناها تسأل سؤالًا آخر.

قالت جريس بصوت منخفض:

“هل أنتِ بخير؟”

إيليانا قالت:

“نعم.”

لكنها لم تقل: أنا مرتبكة.

لم تقل: أنا سعيدة.

لم تقل: أنا خائفة.

تركت كل ذلك في صدرها.

نهاية الفصل الثالث والخمسون

2026/02/25 · 1 مشاهدة · 2439 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026