الفصل الرابع والخمسون: المكتب العائلي
قبل أن يستيقظ الأتريوم على ضحكات “صباح المرسى”، كانت هناك غرفة أخرى تستيقظ بلا ضحك.
في الطابق الذي لا يزوره الأعضاء عادة، خلف باب لا يحمل لافتة، كان المكتب العائلي للاستثمارات يعمل كما تعمل الساعة: بصمت، وبلا تردد.
جلس كايل أمام طاولة طويلة لا تلمع. أوراقها مرتبة أكثر من اللازم، كأن الفوضى جريمة هنا. أمامه خرائط مطبوعة، صور جوية، وتقارير مالية تتحدث بلغة لا تبتسم.
جلس على الطرف الآخر رجل ببدلة داكنة، ملفه يحمل ختمًا رسميًا، وكلماته تخرج دقيقة كأنها توقيع.
محامي العائلة.
قال المحامي وهو يشير إلى صفحة محددة:
“البند السابع.”
“الحكومة تطلب إعلانًا علنيًا عن الممولين الثانويين.”
ثم رفع عينيه:
“هذا يفتح نافذة لأسئلة… لا نريدها.”
لم يتغير وجه كايل.
قال بصوته المنخفض:
“لن يأخذوا أسماءنا.”
المحامي قال:
“يمكن الالتفاف عبر إدارة التمويل من خلال المكتب العائلي مباشرة.”
“لكننا سنحتاج شركة تابعة للمشروع تتولى التنفيذ.”
ثم توقف لحظة وأضاف:
“ليس خداعًا.”
“بل هيكلة.”
كايل أومأ مرة واحدة.
“هيكلة.”
رجل ثالث كان حاضرًا، ليس محاميًا، بل مديرًا تنفيذيًا للمشروع، يتكلم بقلق واضح:
“مشروع إعادة تأهيل وتسكين المنطقة كبير.”
“الصحافة ستسأل.”
“والمنافسون ينتظرون زلة.”
ثم ابتلع ريقه:
“وإذا ظهر اسم ڤيريتاس… سيصبح الأمر صراعًا سياسيًا.”
سكت كايل لحظة.
ثم قال:
“لن يظهر.”
رفع المدير التنفيذي حاجبيه:
“كيف؟”
كايل قال بهدوء:
“نظهر كمنفذين.”
“لا كأصحاب.”
ثم أضاف، كأنه يضع قاعدة عامة:
“من يملك الضوء… يدفع ثمنه.”
المحامي قلب صفحة أخرى:
“هناك أيضًا بند التعويضات.”
“إذا تأخر التسليم، الغرامة يومية.”
“وسيُستعمل ذلك لابتزاز جدولنا.”
رفع كايل عينيه ببطء.
كانت عيناه باردتين، لكن فيهما حدة من يعرف كيف تُستخدم التفاصيل كسكين.
قال:
“غيّروا جدول التسليم إلى مراحل.”
“مرحلة أولى تُسلّم سريعًا.”
“ومرحلة ثانية تُربط بتصاريحهم.”
ثم أضاف:
“إذا أرادوا تأخيرنا… سيدفعون ثمن التأخير.”
تبادل الرجلان نظرة قصيرة.
هذا النوع من الجمل لا يقوله شخص “موظف”.
يقوله شخص يقرر.
قال المحامي أخيرًا:
“حسنًا.”
ثم أضاف بنبرة رسمية:
“سأحتاج توقيعك على التفويض.”
مدّ كايل يده وأخذ الورقة.
وقع دون تردد.
ثم أعادها.
نهض المدير التنفيذي وهو يجمع الخرائط:
“الاجتماع التالي مع ممثلي الحكومة بعد الظهر.”
“هل تحضر بنفسك؟”
لم يجب كايل فورًا.
نظر إلى الساعة.
ثم قال:
“سأحضر.”
وأضاف:
“وأريد أن ينتهي خلال أربعين دقيقة.”
المدير التنفيذي حاول أن يبتسم ابتسامة مهنية:
“هذا… صعب.”
كايل قال ببرود:
“اجعله ممكنًا.”
خرج الرجلان.
وبقي المحامي لحظة إضافية.
قال المحامي بصوت أقل رسمية:
“هناك حديث في النادي.”
“عن كوستوس.”
لم تتحرك ملامح كايل.
“دعهم يتحدثون.”
المحامي قال:
“الحديث اقترب من الآنسة بيلمون.”
ثم توقف:
“وهذا قد يلمس سمعة المشروع أيضًا.”
هنا فقط، شد كايل فكه لجزء من الثانية.
ثم قال:
“لا يلمسها.”
المحامي لم يجادل.
قال فقط:
“كما تأمر.”
ثم خرج.
بقي كايل وحده.
وقف أمام النافذة الضيقة للحظة، لا يرى البحر هنا، يرى المدينة البعيدة كخط رمادي. ثم التقط هاتفه، أرسل رسالة قصيرة، لا تحمل شرحًا.
بعدها بدقائق، دخل نواه.
كان يحمل ملفًا آخر، وعلى وجهه تلك السخرية التي لا تختفي حتى في الأماكن الجادة.
قال:
“أربعون دقيقة مع ممثلي الحكومة؟”
“أنت تحاول أن تجعل المستحيل عادة.”
كايل لم يبتسم.
قال:
“جدول.”
نواه أشار إلى كتفه:
“وكتفك؟”
كايل قال:
“جدول أيضًا.”
نواه تنهد، ثم قال بجملة أخف:
“صباح المرسى بدأ.”
“والناس هناك… يلتقطون الصور المحدودة.”
سكت كايل لحظة.
ثم قال:
“راقبوا المنصة.”
“ومن يقترب من قصتها… أعده إلى مكانه.”
نواه رفع حاجبه:
“قصتها؟”
ثم ابتسم:
“فهمت.”
نظر كايل إليه نظرة واحدة كافية لإغلاق المزاح.
ثم قال كايل:
“نذهب.”
بعد دقائق، كانت خطواتهما في ممر الخدمة.
كايل يغادر المكتب العائلي للاستثمارات كما لو أنه لم يكن هناك.
كما لو أنه لا يحمل في يده مشروع حكومة، ولا خريطة منطقة، ولا أرقامًا قادرة على إسقاط رجال.
هو فقط يعود إلى الجزيرة بوجه واحد… ويخفي الوجه الآخر حيث لا يراه أحد.
وفي الطرف الآخر، كانت إيليانا تمشي نحو المرسى، تظن أن صباحها سيبدأ بالشمس فقط.
........
عادت إيليانا إلى دائرتها عند الرصيف وهي تحاول أن تبدو كما كانت قبل جولة القارب.
نفس الوقفة.
نفس الهدوء.
نفس الابتسامة الصغيرة التي لا تعد بشيء.
لكن جريس كانت تعرفها أكثر مما تحب إيليانا أن يُعرف.
اقتربت منها وسألت بصوت منخفض:
“كيف كانت الجولة؟”
إيليانا أجابت:
“هادئة.”
سيلفي لم تسأل.
فقط نظرت إلى وجه إيليانا ثم إلى المنصة، كأنها تقرأ شيئًا في اتجاه نظرات الناس.
أما نيكو فكان أقل صبرًا.
قال فورًا:
“هل قال شيئًا؟”
ثم تدارك نفسه:
“أقصد… هل كان البحر جميلًا؟”
نظرت إليه إيلارا.
فأدار وجهه بسرعة:
“نعم، البحر.”
“أنا أقصد البحر.”
ابتسمت إيليانا رغما عنها.
“كان جميلًا.”
وفي تلك اللحظة، التقطت إيليانا ما لم تكن تريد التقاطه.
نظرة سيلست.
لم تكن نظرة غضب ولا سخرية.
كانت نظرة تسجيل.
سيلست تقف قرب منصة الشعار، يداها على كوب قهوة، وجهها لطيف، لكنها تراقب المسافة بين إيليانا وبين الباب الذي يخرج منه كوستوس عادة.
كأنها لا تبحث عن دليل، بل عن نمط.
تحركت سيلست بخطوات بطيئة نحو طاولة ضيافة قريبة من دائرتهم. لم تتجه إليهم مباشرة، لكنها صارت ضمن نطاق سماعهم. كأنها تريد أن تجعل وجودها “طبيعيًا”.
قالت بصوت يكفي ليلتقطه من حولها:
“المرسى يريح الأعصاب.”
“الماء يجعل الناس ينسون القواعد.”
ثم ضحكت ضحكة خفيفة.
“إلا كوستوس.”
“هو لا ينسى شيئًا.”
لم تقل اسم إيليانا.
لكنها قالت ما يكفي ليبدأ من حولها بالتفاتات صغيرة.
جريس همست لإيليانا:
“لا تناظريها.”
أومأت إيليانا.
خفضت نظرها إلى كوبها.
وشربت رشفة ببطء، كأنها تقول للمرسى كله: أنا لا أرى.
لكنها كانت ترى.
على الطرف الآخر من الرصيف، رأت كايل يخرج من ممر الخدمة بخطوات سريعة.
لم يكن يأتي ليقف هنا.
كان يأتي لشيء إداري: توجيه، توقيع، مراجعة.
وقف مع رجل من الطاقم البحري، تبادلا جملتين، ثم أخرج كايل هاتفه.
رن الهاتف مرة ثانية قبل أن يعيده إلى جيبه.
هذه المرة، توقف كايل عن الحركة.
رفع الهاتف إلى أذنه.
لم يتغير وجهه كثيرًا، لكنه صار أقل “جزيرة” وأكثر “خارج الجزيرة”.
كأن هناك عالمًا آخر سحبه فجأة.
قال كايل بجملة قصيرة لا تُسمع، ثم أومأ مرة واحدة.
ثم قال كلمة واحدة بوضوح أكبر قليلاً، كأنها قرار:
“نعم.”
أغلق الهاتف.
توجه إلى نواه الذي كان قريبًا.
قال له جملة قصيرة.
أشار بيده نحو ممر الخدمة.
ثم تحرك.
لم يمشِ نحو الأعضاء.
لم يمشِ نحو المنصة.
لم يمشِ نحو إيليانا.
اختفى.
وكأن وجوده في المرسى كان مجرد توقف في طريق أطول.
قال نيكو وهو يراقب:
“هل رأيتم؟”
“كوستوس يختفي كما يظهر.”
سيلفي علقت بهدوء:
“لأنه ليس هنا فقط.”
إيلارا قالت:
“وهذا جيد.”
ثم نظرت إلى إيليانا:
“الغموض يقتل القصة أحيانًا.”
لكن إيليانا لم تشعر أن الغموض يقتل القصة.
شعرت أنه يصنعها.
بعد عشر دقائق، ظهر إعلان من الطاقم:
“تنبيه بسيط.”
“هناك اجتماع طارئ لإدارة المرسى.”
“الرجاء العودة إلى مناطق الراحة.”
همس نيكو:
“طوارئ؟”
ثم رفع حاجبه:
“هل هو سبب اختفاء كوستوس؟”
جريس قالت:
“لا تسأل.”
“فقط تحرك.”
تحركت دائرتهم بهدوء.
وبينما كانوا يغادرون الرصيف، مرت سيلست قرب إيليانا أخيرًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا وقالت بصوت منخفض لا يسمعه غيرها:
“أنتِ لا تختارين الضوء.”
“هو يختارك.”
ثم تجاوزتها.
توقف قلب إيليانا لثانية.
لكنها لم تستدر.
لم ترد.
لم تمنح سيلست متعة الرد.
تابعت المشي مع دائرتها.
وفي ممر داخلي، قرب نافذة طويلة تطل على البحر، لمحوا نواه واقفًا وحده للحظة.
كان يكتب شيئًا على هاتفه بسرعة، ثم رفع رأسه حين اقتربوا.
نظر إلى إيليانا نظرة سريعة، ثم قال بصوت طبيعي:
“آنسة بيلمون.”
“فقط للتأكد… هل ركبتك بخير؟”
سؤال بريء علنًا.
رسالة واضحة ضمنيًا: كايل طلب أن تُسأل.
قالت إيليانا بهدوء:
“بخير.”
ثم أضافت:
“شكرًا.”
نواه أومأ.
ثم قال، كأنه يتحدث عن الطقس:
“ستكون هناك فعالية أخرى قريبًا.”
“شيء يلهي الناس.”
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
“أنتِ تحبين أن يلهوا بدل أن يراقبوا.”
جريس قالت قبل إيليانا:
“كلنا نحب ذلك.”
ابتسم نواه ومضى.
بقيت إيليانا تمشي، تفكر في الجمل التي قيلت اليوم دون أن تبدو مهمة.
اختفاء كايل بعد مكالمة واحدة.
“طوارئ” في إدارة المرسى.
سؤال نواه عن ركبتها ببراءة منظمة.
وتلميح سيلست أن الضوء يختارها.
كلها خيوط.
ولأول مرة، شعرت إيليانا أنها لا تريد فقط أن تنجو من الخيوط.
تريد أن تفهم من يمسكها… ولماذا.
........
لم تكن “طوارئ إدارة المرسى” كلمة مخيفة بحد ذاتها.
لكن في ڤيريتاس، الطوارئ غالبًا تعني: شيء أكبر من المرسى، استُخدمت له كلمة أصغر.
عادت إيليانا مع دائرتها إلى منطقة الراحة، والناس يتصرفون كأنهم لا يعرفون شيئًا. هذا النوع من التظاهر كان مألوفًا الآن. ما تغير هو أنها بدأت تميّز بين التظاهر العادي… والتظاهر الذي يخفي تحتَه قرارًا.
جلست جريس قرب النافذة.
أما إيليانا فبقيت واقفة للحظة، تنظر إلى الرصيف من بعيد.
لم ترَ كايل.
ولا نواه.
ولا أي حركة أمن واضحة.
نيكو كسر الصمت:
“سأقول لكم شيئًا.”
“إذا كانت طوارئ فعلية… فلن يسمحوا لنا بالجلوس هكذا.”
سيلفي ردت بهدوء:
“هي طوارئ للقرارات.”
“لا للناس.”
إيلارا قالت:
“يعني صفقة.”
توقفت إيليانا عند الكلمة.
صفقة.
ثم تذكرت أن النادي نفسه ليس ترفيهًا فقط.
وقبل أن تسأل، مرت خادمة من جناح الإدارة وهي تحمل صينية قهوة باتجاه ممر داخلي.
كانت تمشي بسرعة أكثر من اللازم لفعالية “خفيفة”.
وخلفها رجل ببدلة رسمية لا يشبه الأعضاء ولا الموظفين.
همس نيكو:
“هذا… ليس من البحر.”
جريس قالت بهدوء:
“هذا من المال.”
لم تضف شيئًا.
لكن إيليانا شعرت أن كل كلمة إضافية ستجعلها أكثر وعيًا بما لا يجب أن تراه.
نهضت إيليانا أخيرًا.
قالت لجريس:
“سأعود إلى جناحي قليلًا.”
جريس نظرت إليها بعين تفهم:
“اذهبي.”
ثم أضافت:
“ولا تذهبي وحدك في الممرات الخلفية.”
إيليانا ابتسمت:
“لن أفعل.”
سارت في الممرات الرئيسية، حيث الضوء يكفي ليجعل المشهد “عاديًا”.
وعند تقاطع قريب من جناح الخدمة، سمعت صوتًا خافتًا مألوفًا: صوت نواه.
لم تكن تراه.
لكنها سمعته يقول لشخص آخر:
“الاجتماع خلال عشرين دقيقة.”
“والخرائط جاهزة.”
ثم ضحكة قصيرة:
“لا، لن يسموه أزمة… سيسمونه تحديثًا.”
ثم سكت الصوت.
توقفت إيليانا ثانية واحدة، ثم تابعت.
لم تكن تتنصت.
لكن أذنها صارت تلتقط ما كان يمر سابقًا بلا معنى.
وصلت إلى ممر قرب باب جانبي مفتوح قليلًا.
ومن الداخل جاء صوت كايل.
لم يكن صوته في الأتريوم.
كان صوته في مكان عمل.
جمل قصيرة.
أسماء أماكن.
وإيقاع لا يشبه التدريب.
سمعت بوضوح كلمة واحدة فقط:
“التسكين.”
توقفت إيليانا.
هذه ليست كلمة مرسى.
هذه كلمة مشاريع.
قبل أن تتحرك خطوة إضافية، فتح الباب أكثر.
وخرج كايل.
كان يحمل ملفًا رفيعًا، ووجهه محكم أكثر من المعتاد.
لكنه حين رآها عند طرف الممر، توقف جزءًا من الثانية.
كما لو أنه لم يخطط أن يراها الآن.
قال بصوته المنخفض:
“لماذا أنتِ هنا؟”
لم يكن السؤال اتهامًا.
كان حذرًا.
قالت إيليانا بهدوء:
“كنت عائدة إلى جناحي.”
ثم أضافت، كأنها تتأكد:
“هل أنت بخير؟”
كايل رد بسرعة:
“نعم.”
ثم تدارك نفسه، وخفض صوته:
“الأمر ليس متعلقًا بك.”
كانت جملة يفصل بها العالمين.
لكن إيليانا لم تطلب أن يكون متعلقًا بها.
هي فقط رأت التعب.
قالت:
“أعرف.”
ثم قالت بصراحة بسيطة:
“لكنني أراك متوترًا.”
تصلب كايل للحظة.
ثم قال:
“لدي عمل.”
إيليانا أومأت:
“هذا واضح.”
صمت قصير.
ثم قالت، بحذر:
“هل هذا العمل… خارج النادي؟”
نظر إليها كايل طويلًا.
وكان هذا النظر مختلفًا لأنه لا يحمل أمرًا ولا توجيهًا.
يحمل قرارًا: هل يقول شيئًا أم لا؟
قال أخيرًا:
“النادي ليس كل شيء.”
هذه الجملة وحدها فتحت صورة جديدة في رأس إيليانا.
كايل ليس ظلًا يظهر حين تتعثر.
هو شخص له عالم كامل لا تراه.
قالت إيليانا بصوت منخفض:
“ولهذا تختفي.”
كايل لم ينكر.
قال:
“ولهذا لا أحب أن ينتظرني أحد.”
تذكرت جملته السابقة.
شعرت أنها لم تكن نصيحة فقط، بل اعترافًا بخوفه من أن يصبح سببًا لخيبة.
قالت إيليانا، بخفة صغيرة تحميها:
“لا أحد ينتظرك.”
ثم رفعت حاجبها:
“الجميع يخاف منك فقط.”
كانت مزحة.
شيء بسيط جدًا.
لكنه أصاب مكانًا غريبًا.
تغير وجه كايل لثانية.
ثم… حدثت المعجزة الصغيرة.
ضحك.
ليس ضحكة كبيرة.
ليس قهقهة.
ضحكة قصيرة حقيقية خرجت منه قبل أن يمسكها.
كانت أقرب إلى زفير دافئ، مع حركة صغيرة عند العين لا عند الفم فقط.
تجمدت إيليانا.
لأنها لم تتخيل صوته وهو يضحك.
ولأن الضحك جعله يبدو أقل حجرًا… وأكثر إنسانًا.
كايل تدارك نفسه فورًا.
عاد وجهه إلى الهدوء، وقال ببرود متعمد:
“اذهبي.”
لكن البرود هذه المرة لم يلغِ الضحكة التي رأتْها.
هي فقط… تركت أثرًا.
قالت إيليانا بصوت منخفض وهي تستدير:
“حسنًا.”
ثم توقفت لحظة دون أن تلتفت:
“ضحكت.”
وأضافت، كأنها تقول حقيقة صغيرة لنفسها:
“إذن أنت موجود.”
لم يجب كايل.
لم يسمح للجملة أن تكبر.
لكن حين مشت إيليانا مبتعدة، بقي واقفًا ثانية أطول مما يحتاج، ثم دخل من الباب نفسه وأغلقه.
كأن ضحكته كانت خطأ صغيرًا…
أو بداية خطأ أكبر.
نهاية الفصل الرابع والخمسون