الفصل الخامس والخمسون: الدفيئة الزجاجية
بعد “صباح المرسى” صار النهار في ڤيريتاس أقل صخبًا، لكنه لم يصبح أبسط.
الناس لا يعودون من الماء كما يعودون من سباق عادي. يعودون وهم أخف، وهذا يجعلهم أكثر قابلية لأن يقولوا شيئًا دون حساب، أو ينظروا نظرة أطول من اللازم، أو يضحكوا في وقت لا يناسب الهيبة. والواجهة هنا تلتقط هذه الأشياء مثل شبكة.
إيليانا حاولت أن تبقى مع دائرتها قدر ما تستطيع، لكن ركبتها كانت تذكرها أن الجسم لا يشارك في المسرح بنفس صبر العقل. وبين لحظة وأخرى كانت تشعر بحاجة لزاوية هادئة، زاوية لا تحتاج فيها أن تبتسم لأحد.
قالت لجريس وهي تتحرك:
“سأتمشى قليلًا.”
“أحتاج هواء.”
جريس لم تسأل كثيرًا. فقط قالت:
“لا تذهبي إلى الزوايا.”
ثم أضافت بابتسامة سريعة:
“إلا إذا كانت الزاوية مليئة بالزهور.”
لم تفهم إيليانا الجملة إلا بعد ربع ساعة ،فقد كان الطريق الذي سلكته يقود لبناء خطف انفاسها
قوسٌ ضخم من زجاج يلتقط الضوء ويكسره إلى لمعانٍ ناعم، وممرات حجرية ضيقة تلتف بين أحواض مرتفعة، كأنك تمشي داخل بيت من الربيع. الهواء هناك لا يشبه هواء الخارج؛ رطبٌ قليلًا، دافئٌ باعتدال، وتفوح فيه رائحة الأوراق الخضراء حين تُمسّ، ورائحة الزهور حين تقرر أن تتنفس بدلًا عنك.
كانت دفيئة عملاقة وساحرة
دخلت إيليانا من باب جانبي بلا ضجيج.
لم تكن هاربة من أحد بعينه، لكنها كانت تهرب من كثرة الوجوه، ومن الأسئلة التي لا تُسأل صراحة وتُقال بالنظرات. ركبتها ما زالت تذكرها بالمنحدر كلما مشت كثيرًا، فبحثت عن المكان الوحيد الذي يسمح للإنسان أن يجلس دون أن يبدو منهزمًا: زاوية صغيرة خلف صف من نباتات طويلة، تظلّل الأرض بعروق خضراء، وتخفيك عن الممر الرئيسي دون أن تغلق عليك الهواء.
بعد عده دقايق من المشي وجدت رقعة عشبية صغيرة مزروعة عمدًا داخل الدفيئة، كأنها جزيرة داخل جزيرة.
جلست أولًا، ثم استلقت ببطء، تاركة ظهرها يذوب على العشب اللين. رفعت يدها لتضعها فوق عينيها لحظة، ثم أنزلتها، وأخذت تنظر إلى السقف الزجاجي حيث تمر الغيوم كطيور بطيئة.
كانت في ذلك المكان تبدو أقل ك “وريثة” وأكثر ك “فتاة”.
وجهها ساكن، وبشرتها الشديدة البياض تلتقط الضوء حتى يصبح كأنه طبقة حرير، وعيناها السوداوان تبدوان أعمق وسط الخضرة، كأن الدفيئة كلها خلفية مرسومة لها. شعرها مفكوك على العشب قليلاً، والزهور القريبة كانت تُشبه ألوانًا اختيرت لتزين لوحة لا تتحرك.
لو رآها أحد من بعيد، لظن أنها جزء من المكان، لا زائرة.
سمعت إيليانا خطوات بعد فترة.
خطوات اثنين، لا خطوة موظف يقترب ليسأل، ولا خطوة عضو يمر بسرعة. كانت خطوات هادئة، واثقة، كأن المكان يفسح لها المجال.
لم تتحرك فورًا.
ظنت أنهما سيمران.
ثم سمعت صوت امرأة، ناعمًا لكنه يحمل نبرة من يعرف كيف يُنهي الأمور:
“قلت لك إنك تحتاج خمس دقائق هنا.”
“في الخارج كل شيء يصبح صلبًا… حتى صوتك.”
وجاء صوت رجل أعمق وأقل كلمات:
“وصوتكِ؟”
ضحكت المرأة ضحكة قصيرة، ليست عالية:
“صوتي لا يشيخ.”
ثم أضافت بدلال واضح:
“أنت الذي تتعب من التظاهر.”
لم تكن إيليانا ترى وجهيهما بعد.
كانت محجوبة بالأوراق الطويلة.
لكنها كانت ترى جزءًا من الصورة: ذراع الرجل، ومعطفه الداكن، ويد المرأة وهي تمر على كمّه كأنها تصلح شيئًا لا يحتاج إصلاحًا، فقط لتقول: أنا هنا.
قال الرجل بنبرة جافة تحاول أن تبدو غير متأثرة:
“لدينا اجتماع.”
قالت المرأة بسهولة:
“لدينا دائمًا اجتماع.”
ثم توقفت خطوة، كأنها توقظه من نفسه:
“أنا لا أطلب يومًا كاملًا.”
“أنا أطلب دقيقة لا يشاركنا فيها أحد.”
ساد صمت قصير.
ثم قال الرجل، بصوت فيه لين غير متوقع:
“كما تريدين.”
اقتربا أكثر من الزهور.
كانت المرأة تنحني قليلًا لتتأمل، ثم تعود لتقف قرب الرجل دون أن تبتعد عنه. لمسها لذراعه كان طبيعيًا، متكررًا، كأنها تفعل ذلك منذ سنوات طويلة ولم يملّ هو منه، بل صار يقبل لمستها كجزء من قراراته.
قالت المرأة وهي تشير إلى زهرة:
“هنا… كل شيء يزهر لأنه محمي.”
ثم التفتت إليه بعينين لامعتين:
“حتى الأشياء العنيدة.”
قال الرجل بهدوء:
“وأنتِ تعتبرين نفسكِ عنيدة؟”
قالت المرأة بابتسامة:
“أنا… ذكية.”
ثم أضافت، وكأنها تجره إلى قرار:
“دعهم يوقعون على المرحلة الأولى فقط.”
“ثم نوسع.”
“هكذا لن يربطونا بالغرامات.”
قال الرجل بعد ثانية:
“سأفعل.”
في اللحظة التي تحركا فيها خطوة أخرى، انزلقت إيليانا قليلًا على العشب دون قصد، فصدر صوت خافت من الأوراق.
توقفت الخطوات.
قالت المرأة بلطف ساخر:
“لدينا زائر.”
جلست إيليانا بسرعة، ثم نهضت ببطء من خلف النبات، كمن يُقبض عليه وهو يسرق الهدوء.
ظهرت المرأة أولًا.
كانت أنيقة دون مبالغة، وملامحها هادئة، لكن عينيها تقيمانك بسرعة كأنهما تعرفان كيف تميزان بين البراءة والتمثيل. إلى جانبها كان الرجل أطول، أكثر صمتًا، حضوره يكفي ليجعل المكان ينتبه.
انحنت إيليانا بأدب:
“عذرًا… لم أقصد أن أزعجكم.”
ابتسمت المرأة ابتسامة خفيفة، لا تسخر منها، لكنها تستمتع بالمشهد:
“لم أنزعج.”
ثم نظرت إلى العشب ثم إلى الزهور حول إيليانا:
“لكن… لمس النباتات هنا محظور.”
تجمدت إيليانا ورفعت يديها:
“أنا لم ألمس شيئًا.”
ثم تداركت نفسها:
“أقصد… لم أقطف.”
ضحكت المرأة ضحكة قصيرة.
قالت:
“جيد.”
ثم أضافت:
“لكن الاستلقاء بين الزهور… فكرة جريئة.”
“الناس هنا يفضلون أن يقفوا حتى في أحلامهم.”
قال الرجل أخيرًا، بصوته العميق:
“دعي الفتاة.”
ثم نظر إلى المرأة:
“لنذهب.”
وضعت المرأة يدها على ذراعه مرة أخرى، بحركة قصيرة تدل.
ثم نظرت إلى إيليانا نظرة أخيرة، فيها تقييم نعم… لكن فيها أيضًا فضول.
قالت ببساطة:
“استمتعي بالدفيئة.”
ثم أضافت:
“لكن لا تختاري زاوية لا يراك فيها أحد.”
ثم مضت مع زوجها، قريبين كأن المكان لا يتسع لفراغ بينهما.
وبقيت إيليانا واقفة وسط الزهور، تشعر أن الدفيئة لم تعد فقط ساحرة.
صارت مرآة.
مرآة رأت فيها حبًا قديمًا بين اثنين يحكمان بلا ضجيج…
ورأت فيها نفسها، غريبة الأطوار قليلًا، لكن حقيقية.
لم تتحرك إيليانا فورًا بعد خروج الزوجين.
بقيت واقفة بين الزهور، كأن الدفيئة تحتفظ بها ثانية إضافية. كان في المشهد شيء يربكها: ليس فقط حميميتهما الهادئة، بل الطريقة التي كانت فيها المرأة تقود دون أن ترفع صوتها، والطريقة التي كان فيها الرجل يلين دون أن يفقد هيبته.
ثم تذكرت تعليقها الأخير عن الزوايا.
نهضت إيليانا ببطء، رتبت شعرها بأصابعها، ثم سارت نحو الممر الرئيسي داخل الدفيئة حتى لا تبدو وكأنها تهرب من لقاء.
عند الباب الزجاجي، توقفت لحظة.
الضوء في الخارج كان أقسى، أقل رحمة من ضوء الدفيئة. الهواء أبرد، وأصوات الجزيرة رجعت: خطوات، ضحكات بعيدة، أبواب تُغلق، وموسيقى خفيفة تُستخدم كستار.
خرجت إيليانا.
وعند أول منعطف، رأت شيئًا لم تكن تبحث عنه… لكنه وجدها.
على بعد مسافة، في ممر إداري مفتوح على ساحة جانبية، كان هناك تجمع صغير: رجلان ببدلات، موظف يحمل حافظة، ومحامٍ يبدو أن كل كلمة عنده تزن شيئًا. لم تكن تسمع كلامهم بوضوح، لكنها كانت ترى الإيقاع.
وفي وسطهم… كايل.
لم يكن واقفًا ككوستوس.
لم يكن ذلك الوقوف الذي يقول: أنا أراقب.
كان واقفًا كمن يقرر.
كان يحمل ملفًا رفيعًا، ينظر إلى خريطة مطوية، يشير بإصبعه إلى نقطة معينة، ثم يقول جملة قصيرة. الرجل المقابل له أومأ بسرعة، كأن “نعم” هنا ليست مجاملة، بل التزام.
رأت إيليانا المحامي يقدّم ورقة.
ورأت كايل يوقّع
لم تتغير ملامحه كثيرًا.
لكن طريقة وقوف الجميع حوله قالت ما لم يقله أحد: هذا ليس مجرد موظف في النادي.
كان العالم حوله أكبر.
شعرت إيليانا أنها لا ينبغي أن تقف وتحدّق.
فالعالم هنا يعاقب من يقف في المكان الخطأ حتى لو لم يفعل شيئًا.
تحركت خطوة لتبتعد.
وفي تلك اللحظة، خرجت المرأة التي رأتها في الدفيئة من باب جانبي آخر، كأنها قطعت الممر من جهة مختلفة. كانت تمشي إلى جانب زوجها، يدها على ذراعه، لا تتركه حتى وهو يتجه إلى “العمل”.
مرّت نظرتها على التجمع.
ثم استقرت على كايل لحظة، لا كإعجاب ولا كاستغراب… كاعتياد.
ثم تحركت نظرتها إلى إيليانا.
لم تكن نظرة قسوة.
كانت نظرة تعرف كيف تضعك في خانة قبل أن تتكلمي. تقييم سريع، ثم لمعة صغيرة من الطرافة، كأنها ما زالت تتذكر “الاستلقاء بين الزهور”.
لم تبتسم ابتسامة واسعة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، تكاد لا تُرى.
ثم مضت مع زوجها.
شعرت إيليانا بأن وجودهما ترك وراءه هواء مختلفًا، كأن المكان صار يعرف أنها رأتهما، وأنهما رأياها.
وفي نفس اللحظة، رفع كايل رأسه.
رآها.
لم يحدق طويلًا.
لكن عينيه اتسعتا جزءًا من الثانية، ليس خوفًا… بل انتباهًا.
انتبه أنها كانت قريبة من هذا العالم.
العالم الذي لا يحب أن يُرى.
اعتذر كايل بجملة قصيرة لمن أمامه، وتحرك خطوتين في اتجاهها، ثم توقف عند المسافة التي تجعل المشهد يبدو عاديًا لمن يراقب.
قال بصوته المنخفض:
“لماذا أنتِ هنا؟”
نفس سؤاله القديم، لكن اليوم كان يحمل معنى آخر: لماذا أنتِ قرب هذا الباب؟
إيليانا أجابت بهدوء:
“كنت في الدفيئة.”
ثم رفعت عينيها إليه:
“لم أكن أعلم أن الطريق يمر من هنا.”
نظر كايل إلى الممر خلفها، ثم قال:
“لا يمر.”
ثم أضاف:
“إلا لمن يخطئ.”
لم تكن جملة اتهام.
كانت جملة حدود.
ابتلعت إيليانا رغبتها في السؤال.
ثم قالت بدلًا من ذلك:
“كنت… أحتاج هدوءًا.”
سكت كايل ثانيتين.
ثم قال بصوت أخف:
“هل أنتِ بخير؟”
لم تقل إيليانا “نعم” بسرعة.
قالت:
“أنا… أفضل.”
ثم ترددت وأضافت:
“رأيتك.”
كانت كلمة قصيرة.
لكنها تحمل الكثير.
كايل لم يسأل: ماذا رأيتِ؟
لأنه لا يريد للجواب أن يتشكل.
قال فقط:
“انسَي.”
رفعت إيليانا حاجبها، مزح خفيف يحميها:
“لا أستطيع أن أنسى الأشياء الغريبة.”
ثم قالت بصدق مفاجئ:
“أنت غريب.”
تغير وجه كايل للحظة.
كأن الضحك الذي رأته منه سابقًا يريد أن يعود، لكنه يعود ثم يختفي.
قال ببرود متعمد:
“عودي إلى دائرتك.”
قالت إيليانا:
“حسنًا.”
ثم قبل أن تذهب، قالت بصوت هادئ:
“المرأة التي كانت مع الرجل…”
وتوقفت.
لم تشأ أن تسمي.
لم تشأ أن تسأل.
كايل فهم السؤال الذي لم يُقل
“لا شأن لك.”
كانت قاسية لو خرجت من غيره.
لكن من كايل كانت حماية.
هزّت إيليانا رأسها.
ومشت.
وعند آخر خطوة، قبل أن يختفي الممر بينهما، سمعت صوته خلفها، منخفضًا جدًا لكنه واضح:
“لا تعودي إلى الدفيئة وحدك.”
لم تلتفت.
لم ترد.
لكن قلبها رد بدلها.
لأن الجملة لم تكن قاعدة مسار.
كانت قلقًا.
وبينما كانت إيليانا تبتعد، عاد كايل إلى الرجال.
وجهه عاد محكمًا.
صوته عاد قليلًا.
لكن داخله لم يعد كما كان قبل أن تراها أوديت… وقبل أن تراه إيليانا.
.............
حين عادت إيليانا إلى منطقة الراحة، كانت تحاول أن تعيد وجهها إلى “الطبيعي”.
الطبيعي هنا ليس أن تكون هادئة.
الطبيعي أن لا يبدو أنك رأيتِ شيئًا.
وجدت جريس أولًا.
كانت واقفة قرب نافذة، تتحدث مع سيلفي وإيلارا، ونيكو يجلس على طرف المقعد كأنه على وشك أن يقوم بحركة مسرحية في أي لحظة.
ما إن رأت جريس إيليانا حتى استقرت نظرتها عليها كمن يقرأ.
لم تسأل فورًا.
تركت إيليانا تقترب وتجلس، كأنها تمنحها فرصة أن تختار ما تقول.
قالت جريس أخيرًا بصوت منخفض:
“هل ارتحتِ؟”
إيليانا أومأت:
“نعم.”
سيلفي نظرت إليها لثانية، ثم قالت:
“أنتِ رأيتِ شيئًا.”
لم تكن سؤالًا.
كانت ملاحظة.
ابتسمت إيليانا ابتسامة صغيرة متعبة:
“ربما.”
نيكو انحنى للأمام بحماس:
“هل رأيتِ زهورًا نادرة؟”
ثم أضاف بسرعة:
“أو أشخاصًا نادرين؟”
إيلارا قالت:
“نيكو.”
نيكو رفع يديه:
“حسنًا.”
“لن أسأل.”
ثم تمتم:
“سأخمن.”
جريس قالت لإيليانا بهدوء:
“إذا كان شيئًا حساسًا… لا تقولي.”
ثم ابتسمت:
“حتى لنا.”
شعرت إيليانا بالامتنان.
ليس لأن جريس لم ترد التفاصيل، بل لأنها فهمت أن التفاصيل في ڤيريتاس تتحول إلى سلاح.
قالت إيليانا:
“رأيت مكانًا جميلًا.”
“فقط.”
نيكو تنهد:
“يا للأسف.”
ثم قال كأنه يعلن مسابقة:
“حسنًا.”
“بما أنك رأيتِ مكانًا جميلًا…”
“إعلان رسمي: تحدي الزهور.”
رفعت سيلفي حاجبها:
“ماذا؟”
نيكو قال بحماس:
“كل واحد يختار زهرة من الحديقة الخارجية.”
“ليس من الدفيئة.”
ثم أضاف بسرعة كأنه يخاف أن يُتهم:
“تصوير فقط، لا لمس!”
“ثم نكتب لها اسمًا سخيفًا.”
“الفائز من يضحك جريس.”
جريس قالت فورًا:
“لن أضحك.”
نيكو ابتسم:
“هذا ما قلته قبل أن أضحكك أمس.”
إيلارا كانت ستعترض، لكن إيليانا قالت فجأة:
“حسنًا.”
تفاجأوا جميعًا.
حتى إيليانا تفاجأت من نفسها.
لكنها كانت تحتاج شيئًا بسيطًا.
شيئًا لا يفتح أبوابًا.
ذهبوا إلى الحديقة الخارجية القريبة، حيث توجد أحواض زهور مسموح تصويرها. كانت الشمس ناعمة، والهواء بارد قليلًا.
سيلفي التقطت زهرة بيضاء صغيرة وقالت بجدية:
“اسمها: الصمت.”
نيكو صرخ:
“هذا غش!”
“أنتِ تكتبين شعرًا.”
إيلارا اختارت زهرة حمراء وقالت:
“اسمها: لا تقترب.”
نيكو قال:
“هذا تهديد رسمي.”
جريس اختارت زهرة بنفسجية وقالت:
“اسمها: كفاية.”
ثم نظرت إلى نيكو:
“كفاية.”
ضحكوا.
أما إيليانا، فاختارت زهرة بسيطة بلون كريمي، ليست لافتة.
التقطت لها صورة.
ثم قالت بعد تردد:
“اسمها… محاولة.”
سكتت جريس لحظة.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة صادقة.
نيكو رفع ذراعيه:
“لقد فزتِ.”
“الفائز من يضحك جريس، وهي ابتسمت.”
ثم أضاف وهو يغمز:
“وهذا في ڤيريتاس يعادل تصفيقًا.”
ضحكت إيليانا.
ضحكة حقيقية.
وفي الطرف الآخر من الحديقة، كانت سيلست تمر مع لافينيا.
لم تتوقف عندهم.
لم تتدخل.
لكن عينيها توقفت على إيليانا لحظة أطول من اللازم.
لم تكن تراقب زهرة إيليانا.
كانت تراقب راحة إيليانا.
لأن الراحة تعني أن هناك من يخفف عنها.
ومن يخفف عنها قد يترك أثرًا.
وفي نهاية التحدي الصغير، حين بدأوا يعودون، رأت إيليانا كايل من بعيد مرة أخرى، يخرج من ممر إداري مع نواه.
هذه المرة لم يلتفت إليها.
لم يتأخر في النظر.
مرّ كأنها غير موجودة.
كان هذا التغير واضحًا جدًا حتى كاد يجرحها.
ثم فهمت بسرعة: هو يقفل الباب أمام العيون.
لكن نواه، وهو يمشي خلفه، التفت نصف التفاتة ورأى دائرتهم.
رفع حاجبه بطريقة صغيرة مضحكة، كأنه يقول: استمتعي، لكن لا تنسي أين أنتِ.
عاد كايل إلى عالمه.
وعادت إيليانا إلى دائرتها.
لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا داخلها:
المرات التي يختفي فيها كايل لا تعني أنه لا يفكر.
تعني أن هناك شيئًا أكبر يضغط عليه… وأنه يحاول ألا يجعلها جزءًا منه.
والشيء الآخر الذي بقي ثابتًا:
أوديت رأت إيليانا.
وهذا وحده كافٍ ليجعل الأيام القادمة تتغير ببطء.
نهاية الفصل الخامس والخمسون