الفصل السادس والخمسون: ضوءٌ جديد
في اليوم التالي، بدا أن ڤيريتاس قررت أن تُكمل الحياة كأن شيئًا لم يحدث.
لا منحدر.
لا ممر ريح.
لا حبال أمان.
فقط واجهة أنيقة، ومواعيد صغيرة تُوزع كأنها لا تعني شيئًا، بينما هي تعني كل شيء.
استيقظت إيليانا على إشعارين متتاليين.
الأول من المسار:
جلسة اختيارية – “توازن اجتماعي”
المكان: الصالة الزرقاء
الوقت: 13:00
والثاني رسالة قصيرة من جريس:
لا تتأخري. سأأتي لك.
ضحكت إيليانا وهي تقرأ.
كان هذا هو الشيء الوحيد “الطبيعي” في المكان: أن جريس تستطيع أن تكون قريبة دون أن تجعل القرب قصة.
حين وصلت جريس، لم تدخل وهي تحمل أسئلة.
دخلت وهي تحمل حقيبة صغيرة فيها شريط شعر جديد، ورائحة عطر خفيف.
قالت ببساطة:
“ستأتين معي اليوم.”
ثم أضافت بابتسامة:
“لا أتركك وحدك بعد الدفيئة.”
تجمدت إيليانا:
“عرفتِ؟”
جريس رفعت حاجبها:
“أنا لا أعرف.”
ثم قالت بنبرة عملية:
“أنا فقط أرى وجهك.”
“ووجهك… كان يشبه لوحة.”
ثم أضافت:
“لا أريد لوحة وحيدة.”
ارتدت إيليانا ملابس بسيطة أنيقة، وذهبت مع جريس إلى الصالة الزرقاء.
كانت صالة واسعة فيها أرائك ناعمة، وموسيقى خفيفة، وألعاب اجتماعية صغيرة مصممة لتبدو لطيفة: بطاقات أسئلة عامة، طاولة شاي، وأشخاص يبتسمون بتوازن.
قالت سيلفي حين لحقت بهما:
“هذا المكان يصنع جملًا جاهزة.”
إيلارا قالت:
“ونحن سنستعملها عليهم.”
نيكو جاء متأخرًا وهو يحمل كوبًا كبيرًا:
“أنا هنا لأراقب.”
ثم أضاف بسرعة:
“وأيضًا لأشرب.”
بدأت “جلسة التوازن الاجتماعي” بطريقة تبدو بريئة: أسئلة قصيرة، كيف ترد بجملة، كيف تغلق بابًا، كيف تبدو مهذبًا دون أن تكون مكشوفًا.
إيليانا كانت قد تعلمت هذا بالفعل.
لكنها اليوم كانت أكثر انتباهًا لشيء آخر: كيف تُقرأ، لا كيف تتكلم.
كان في الصالة وجوه مختارة من أمس.
ورأت لافينيا.
ورأت سيلست تدخل بعد نصف ساعة، تبتسم كأنها جاءت لتشرب الشاي فقط.
لم تقترب من إيليانا فورًا.
جلست قرب طاولة أخرى، ثم بدأت حديثًا عامًا عن “الفوز والخسارة” في السباق، كأنها تتحدث عن الطقس.
قالت سيلست بصوت مسموع بما يكفي:
“أحيانًا المركز الثاني أفضل.”
“المركز الأول يجلب الضوء كله.”
ثم ضحكت:
“والضوء… متعب.”
كانت الجملة موجهة إلى الهواء.
لكن إيليانا فهمت أنها موجهة إليها.
جريس همست:
“لا تردي.”
إيليانا أومأت.
بعد قليل، جاء موظف من الإدارة يحمل أوراقًا صغيرة.
وزعها على بعض الجالسين.
وحين وصل إلى إيليانا، قال بأدب:
“آنسة بيلمون.”
“هناك تحديث بسيط.”
ثم خفض صوته:
“موعدك مع المدربة الثانوية بعد ساعة.”
تجمدت إيليانا.
“ماديسون؟”
الموظف أومأ:
“نعم.”
ثم ابتسم ابتسامة محايدة:
“فقط مراجعة.”
سحبت إيليانا الورقة.
قرأت: مراجعة سلوك/تقييم ما بعد المنحدر.
قال نيكو فورًا:
“هذا ليس مراجعة.”
“هذا استدعاء.”
إيلارا قالت:
“اذهبي.”
“ولا تظهري انزعاجًا.”
سيلفي أضافت:
“المراجعة ليست خطرًا.”
“الطريقة التي تُروى بها هي الخطر.”
نهضت إيليانا بهدوء، مع جريس إلى جانبها حتى باب الممر.
ثم قالت جريس بصوت منخفض:
“سأنتظرك خارجًا.”
قالت إيليانا:
“لا، لا داعي.”
جريس نظرت إليها:
“هناك داعٍ.”
ثم ابتسمت:
“أنا لا أنتظر كوستوس.”
أنا أنتظرك أنت.
مشت إيليانا وحدها إلى غرفة المراجعة.
ماديسون كانت هناك بالفعل.
وجهها بارد كعادته.
لكن اليوم بدا فيها شيء أقل قسوة، كأن ضغط المنحدر سحب جزءًا من حدتها.
قالت ماديسون دون مقدمات:
“اجلسي.”
جلست إيليانا.
فتحت ماديسون ملفًا.
قالت:
“سأسألك أسئلة.”
“إجابات قصيرة.”
أومأت إيليانا.
سألت ماديسون:
“لماذا خرجتِ عن المسار في المنحدر؟”
إيليانا لم تقل: لأنني كنت فضولية.
لم تقل: لأنني غبية.
قالت الحقيقة بشكل لا يفتح بابًا:
“لم أخرج.”
“اقتربت.”
“ثم عدت.”
ماديسون رفعت نظرها:
“من جعلك تعودين؟”
سكتت إيليانا نصف ثانية.
ثم قالت:
“نفسي.”
كانت كذبة ناقصة.
لكنها كافية لتغلق الاسم الذي لا تريد أن يظهر في تقرير.
ماديسون أغلقت الملف نصف إغلاق، ثم قالت بصوت أقل حدة:
“جيد.”
ثم أضافت:
“تعلمي هذا.”
“التقرير لا يحتاج أن يعرف من أنقذك.”
التقرير يحتاج أن يعرف أنكِ قادرة.”
تنفست إيليانا ببطء.
ثم سألت ماديسون سؤالًا لم تتوقعه إيليانا:
“هل رأيتِ والديّ ڤيريتاس اليوم؟”
تجمدت إيليانا.
“والديه؟”
ماديسون لم توضّح.
فقط قالت:
“في الدفيئة.”
شعرت إيليانا بقلبها يهبط.
إذن ماديسون تعرف من هما.
وربما تعرف أكثر مما ينبغي.
قالت إيليانا ببطء:
“رأيت زوجين.”
“لم أعرف…”
قاطعتها ماديسون:
“لا يهم.”
ثم قالت بنبرة عملية:
“هناك قواعد غير مكتوبة.”
“عندما يمرّون في مكان… لا تكوني أنتِ الحدث.”
“كوني الهواء.”
لم تكن هذه نصيحة لطيفة.
كانت حماية.
أومأت إيليانا.
“حسنًا.”
أنهت ماديسون المراجعة بسرعة.
ثم قالت وهي تنهض:
“انتهى.”
ثم توقفت لحظة وأضافت:
“ومن الأفضل… ألا تكرري الدفيئة وحدك.”
تذكرت إيليانا جملة كايل نفسها.
وشعرت لأول مرة أن أكثر من شخص بدأ يضع حولها دائرة، وليس كلها من محبتها.
خرجت إيليانا من غرفة المراجعة.
وجدت جريس تنتظر.
ابتسمت فورًا:
“هل أنتِ بخير؟”
قالت إيليانا:
“نعم.”
لكنها لم تقل: ماديسون تعرف.
ولم تقل: لقد صاروا يراقبون الدفيئة.
فقط قالت:
“هم يريدونني هواء.”
جريس فهمت.
وقالت:
“إذن سنجعلهم يختنقون.”
ثم تداركت، وابتسمت:
“مزاح.”
“سنجعلهم… يملّون.”
وفي نهاية الممر، رأت إيليانا كايل مرة أخرى.
كان يمشي بسرعة مع نواه، يحمل ملفًا، وجهه متوتر أكثر من المعتاد.
لم يلتفت إليها.
لم يقترب.
كان واضحًا أنه في يوم عمل ثقيل.
لكن حين مرّ بجانبها، قال بصوت منخفض جدًا وهو لا ينظر:
“عودي إلى جناحك قبل الغروب.”
توقفت إيليانا.
“لماذا؟”
لم يجب.
لم يلتفت.
أكمل السير.
ونواه، وهو يمشي خلفه، التفت إلى إيليانا لحظة، ورفع حاجبه كأنه يقول: هذه ليست مزحة.
شعرت إيليانا بوخزة قلق.
ليس خوفًا من كايل.
بل خوفًا من العالم الذي يجره معه.
..........
رجعت إيليانا إلى جناحها قبل الغروب كما قال.
لم تفعل ذلك لأنها تخاف منه، بل لأنها تعلمت أن كايل لا يعطي “توجيهًا” بلا سبب. هو لا يطلب منك شيئًا ليشعر بالسيطرة، يطلبه لأنه رأى زاوية لا تراها أنت بعد.
ومع ذلك، كانت الأسئلة تتحرك تحت جلدها.
لماذا قبل الغروب؟
ما الذي يتغير عند الغروب هنا؟
ومن أين جاء توتره اليوم؟ توتر لا يشبه توتر الواجهة… يشبه توتر عالم آخر.
عند باب جناحها، وجدت صندوقًا صغيرًا وضعته الإدارة: كمادة إسعاف بسيطة لركبتها، وورقة قصيرة تقول: “حسب تعليمات الصحة.”
لم يُذكر اسم أحد.
لكنها فهمت.
جلست إيليانا قرب النافذة، وفتحت الستارة قليلًا.
كانت ترى جزءًا من الممرات الخلفية من زاوية لا تُرى منها الواجهة كثيرًا.
وهنا، لأول مرة، رأت ما لم يكن يُعرض عليها.
بعد أقل من نصف ساعة، هبط هليكوبتر في الساحة الخلفية.
ليس قرب الأتريوم.
ليس قرب المرسى.
في مكان مُحاط بسياج وموظفين.
صوت المراوح مرّ على زجاج نافذتها كأنه ينفض الهواء من الأسرار.
ثم انخفض الصوت.
ثم ارتفع مرة أخرى… كأن القادم جاء سريعًا وسيرحل سريعًا.
لم ترَ كايل بوضوح من زاويتها.
لكنها رأت حركة الناس حوله.
رجال ببدلات.
حقائب رقيقة.
أوراق.
توجه سريع نحو جناح الإدارة.
هذا ليس “طوارئ مرسى”.
هذا اجتماع خارج حياة الأعضاء.
رن هاتف إيليانا برسالة من جريس:
أين أنتِ؟
نحن في الصالة الزرقاء، ونيكو يريد إعلان شيء.
ترددت إيليانا.
ثم كتبت:
أنا في جناحي. قولي لنيكو لا يعلن شيئًا باسمي.
جاء الرد فورًا:
متأخرة. هو بدأ.
تنهدت إيليانا.
ثم كتبت:
سآتي بعد قليل.
ارتدت إيليانا معطفًا خفيفًا وخرجت.
في الطريق إلى الصالة الزرقاء، مرّت قرب ممر إداري مفتوح جزئيًا.
ليس بابًا سريًا.
فقط باب تركه أحدهم مفتوحًا على عجلة.
ومن خلاله رأت لمحة لا تحتاج همسًا كي تفهم.
غرفة اجتماعات.
خرائط على طاولة.
شاشة تعرض صورًا جوية لمنطقة ساحلية.
وأسماء عناوين: مراحل، تسليم، تصاريح.
كايل كان واقفًا عند رأس الطاولة.
ليس جالسًا مثل الآخرين.
واقفًا، كأنه يملك إيقاع الغرفة.
كان يتحدث بجمل قصيرة.
يقطع.
يقرر.
والموجودون يكتبون.
ثم تحركت أوديت.
لم تكن داخل الغرفة نفسها.
كانت عند الباب الجانبي، تمرّ مرورًا ناعمًا، تضع يدها على ذراع ماكسيم لحظة، ثم تميل قليلًا وتقول له شيئًا وهو ينظر إلى الخريطة.
لم تسمع إيليانا الكلمات.
لم تحتج أن تسمعها.
رأت فقط ما حدث بعدها:
ماكسيم أومأ.
ثم قال جملة قصيرة لأحد الرجال.
تغير اتجاه الحديث فورًا.
كأن اقتراح أوديت صار قرار ماكسيم في ثانية واحدة، من غير مقاومة.
ومن غير أن يفقد هو هيبته.
بل وكأنه يحب أن يحدث ذلك.
مرّت قشعريرة خفيفة في ظهر إيليانا.
ليس خوفًا.
دهشة.
ثم تحركت أوديت فجأة، التفتت نصف التفاتة إلى الخارج… وكأنها تشعر بنظرة.
التقت عيناها بعيني إيليانا عبر الفتحة.
ثانية واحدة فقط.
نظرة بلا غضب، بلا فضول فوضوي.
تقييم هادئ.
ثم لمعة صغيرة كأنها تقول: أنتِ مرة أخرى.
ثم أغلقت أوديت الباب بنفسها بهدوء، دون أن تتعجل.
كأنها تقول لإيليانا: رأيتك، وأنتِ سترجعين من حيث أتيتِ.
تجمدت إيليانا لثانية.
ثم ابتعدت فورًا، لا لأنها ارتكبت خطأ، بل لأنها فهمت أن البقاء هنا سيصنع قصة لا تحتاجها.
وصلت إلى الصالة الزرقاء.
كان نيكو واقفًا فعلًا كأنه على منصة.
وحوله جريس وسيلفي وإيلارا، يحاولن أن يقللن الأذى.
قال نيكو بحماس:
“أعلن افتتاح فعالية جديدة!”
ثم رفع ورقة:
“اسمها: ليلة لا حديث عن المنحدر!”
سكتت الصالة لحظة.
ثم ضحك بعضهم.
إيلارا همست:
“هذا… ليس سيئًا.”
سيلفي قالت:
“إذا لم يفسده.”
جريس نظرت إلى إيليانا حين دخلت، ففهمت فورًا أن إيليانا متوترة أكثر من المفروض.
اقتربت منها وسألت بصوت منخفض:
“ماذا رأيتِ؟”
إيليانا أجابت بجملة واحدة فقط:
“رأيت سبب توتره.”
جريس لم تسأل من هو “هو”.
فقط قالت:
“حسنًا.”
ثم أضافت:
“لا نلمس هذا السبب الليلة.”
في نهاية الجلسة، ظهر نواه عند الباب.
لم يدخل كثيرًا.
أشار لماديسون أن تقترب.
ماديسون جاءت بوجهها الصارم المعتاد.
لكنها وقفت قربه دون أن تبتعد.
قال نواه بصوت منخفض مسموع قليلًا:
“هل أنتِ مشغولة الليلة؟”
ماديسون ردت:
“أنا دائمًا مشغولة.”
نواه قال، بنبرة أخف من المعتاد:
“إذن سأكون سريعًا.”
ثم ناولها شيئًا صغيرًا: بطاقة دخول لمخزن إسعافات أو جدول مناوبة.
“غدًا سيكون طويلًا.”
“لا أريد أن تكوني وحدك.”
رفعت ماديسون عينيها إليه.
قالت ببرود أقل:
“هذه ليست طريقتك.”
نواه ابتسم:
“أنا أتعلم.”
ماديسون أخذت البطاقة دون تعليق.
لكنها لم ترفض.
وهذا وحده كان تقدمًا.
في طريق العودة، شعرت إيليانا أن الليل صار أثقل.
ليس لأن هناك خطرًا محددًا.
بل لأن هناك عالمًا كاملًا يتحرك خلف الواجهة، وهي الآن رأت طرفه.
وعند منعطف قريب من ممر الخدمة، رأت كايل.
كان وحده هذه المرة، يسير بسرعة أقل، كأنه خرج من غرفة قرارات إلى ممر لا يقرر فيه شيئًا.
وجهه متعب.
كتفه ما زال مربوطًا.
وعيناه… لا تبدوان كعيون كوستوس فقط.
توقفت إيليانا تلقائيًا.
ثم قالت بهدوء:
“أنت كنتَ في اجتماع.”
لم تكن سؤالًا.
كانت حقيقة.
توقف كايل.
نظر إليها.
ثم قال بصوت منخفض:
“عودي.”
قالت إيليانا، بحذر:
“أنا عدت.”
ثم أضافت بصوت أخف:
“لكنني رأيتك.”
تغير وجه كايل للحظة.
ثم قال:
“لا تقتربي من ذلك الباب.”
قالت إيليانا:
“لم أقترب.”
ثم قالت بصدق:
“أنا فقط… لم أتخيل أن حياتك بهذا الاتساع.”
سكت كايل.
ثم قال جملة قصيرة خرجت كأنها اعتراف دون نية:
“وأنا لم أتخيل أن وجودك سيضيقها.”
تجمدت إيليانا.
لم تقل شيئًا.
لأن أي شيء ستقوله سيكسر توازنًا هشًا.
كايل تدارك نفسه فورًا.
عاد إلى صوته البارد:
“نامي.”
ثم استدار.
لكن قبل أن يبتعد تمامًا، قال بصوت أخفض:
“غدًا… ابقي مع دائرتك.”
ثم مضى.
وبقيت إيليانا في الممر وحدها، تشعر أن جملة واحدة يمكن أن تعيد تشكيل كل شيء:
وجودك سيضيقها.
ولأول مرة، لم تكره هذا.
خافت منه.
وأحبته قليلًا.
.............
لم تنم إيليانا بسرعة تلك الليلة.
نام الجناح قبلها: الستائر الثقيلة سكنت، الممرات خف صوتها، والجزيرة خلف الزجاج بدت كأنها تتنفس ببطء. لكنها بقيت مستيقظة، لا لأن الخوف يطاردها، بل لأن جملة واحدة لم تترك لها مكانًا تهرب إليه.
وجودك سيضيقها.
كانت تكررها في رأسها كأنها تحاول أن تفهم إن كان قالها بحنق أم بصدق، كأنها تحاول أن تقنع نفسها أنها لا تعني شيئًا… ثم تجد قلبها يرفض الاقتناع.
وفي الصباح، حين فتحت هاتفها، بدا أن ڤيريتاس لا تمنحك وقتًا لتفكر طويلًا.
ظهرت رسالة من جريس قبل أي إشعار رسمي:
صباح الخير. فطور معنا اليوم. نحتاجك.
قرأت إيليانا “نحتاجك” وابتسمت رغما عنها.
هذه الجملة وحدها كانت كافية لتعيدها إلى أرضها الصغيرة: الدائرة.
خرجت إليهم في الصالة الزرقاء.
كان نيكو هناك بالفعل، يشرح شيئًا بحماسة كمن يفتح موسمًا جديدًا.
وحين رآها، رفع إصبعه كأنه يمسك برهانًا:
“ها هي.”
“الشاهد على أن الليلة الماضية نجحت.”
ثم تدارك نفسه بسرعة:
“أقصد… أن لا أحد ذكر كلمة…”
وتوقف.
سيلفي قالت بهدوء:
“لا تكمل.”
ضحكت إيليانا وجلست.
جريس دفعت لها طبقًا صغيرًا.
“كلي.”
ثم أضافت كأنها تقفل الباب على أي سؤال:
“اليوم لا نناقش شيئًا ثقيلًا.”
إيلارا قالت:
“ولا نناقش كوستوس.”
رفع نيكو حاجبيه:
“ومن الذي ذكره؟”
ثم نظر إلى إيليانا:
“لا تجيبي.”
لم تجب إيليانا.
لم تكن تريد أن تجرّ الدائرة إلى شيء سيجعلهم أقل أمانًا.
لكن رغم محاولاتهم للبساطة، كان اليوم يجرّهم إلى الترتيب الأكبر.
ظهر إشعار قصير في منتصف الصباح:
تنبيه للمختارين: بروتوكول استقبال الضيوف
المكان: القاعة الكبرى
الوقت: 18:00
لم يذكر الإشعار السبب.
لكن الجميع فهم أن هناك حدثًا قادمًا، وأن النادي بدأ يهيئ المسرح قبل أن يدخل الممثلون.
قال نيكو وهو يقرأ:
“بروتوكول استقبال…”
ثم تنهد:
“يعني سنتمرن على الوقوف.”
سيلفي قالت:
“الوقوف هنا مهارة.”
جريس نظرت إلى إيليانا:
“سنذهب.”
“ونخرج بسرعة.”
في طريقهم إلى القاعة الكبرى، كانت الحركة في الممرات أكثر من المعتاد.
موظفون يحملون قوائم.
رجال ببدلات لا يشبهون أعضاء الواجهة.
سماعات صغيرة في الآذان.
وباب جناح الإدارة مفتوح ثم يغلق ثم يفتح… كأن الهواء هناك لا يعرف الراحة.
لم تسأل إيليانا عن الهليكوبتر اليوم.
لكنها رأته.
في الساحة الخلفية، على بعد، كانت المراوح تدور مرة أخرى.
هبوط سريع.
ثم صعود حقيبة.
ثم اختفاء.
همس نيكو:
“هذه ليست طائرة للرفاهية.”
إيلارا قالت:
“هذه طائرة للعمل.”
جريس لم تعلق.
فقط شدّت يد إيليانا بخفة، كأنها تقول: لا تنجذبي للنظر.
دخلوا القاعة الكبرى.
كانت أكبر مما تتذكر إيليانا.
سطحها العالي يحمل ثريات ثقيلة، لكنها اليوم كانت مطفأة تقريبًا.
المكان مضاء بإضاءة عملية، لا رومانسية.
طاولات تُرتّب.
منصة صغيرة تُختبر.
وشاشة عملاقة تُعرض عليها مخططات لا تشبه حفلات النادي.
وقف المختارون في صفوف كما طُلب.
بروتوكول بسيط: أين يقفون حين يدخل الضيف الرسمي، كيف يمرّون دون أن يحجبوا كاميرا، ومتى ينصرفون دون فوضى.
وفي طرف القاعة، كان كايل.
ليس قريبًا منهم.
ليس كأنه يشرف على “الترتيب” فقط.
كان يتحدث مع رجلين، أحدهما يحمل ملفًا يحمل طابعًا رسميًا، والآخر يبدو أنه من فريق قانوني.
نواه كان قريبًا كعادته، بين الحركة والظل.
كايل لا يلتفت كثيرًا.
ولا يرفع صوته.
لكن كل مرة يتحرك فيها، تتحرك معها مجموعة صغيرة من الناس كأنهم يتبعون خطًا مرسومًا.
شعرت إيليانا بأن قلبها يشدها نحو النظر.
ثم تذكرت: اليوم لا نناقش شيء ثقيل.
حاولت أن تنشغل بالبروتوكول.
انتهت البروفة بعد ساعة تقريبًا.
بدأ المختارون يغادرون.
جريس سحبت إيليانا بلطف نحو المخرج، وسيلفي وإيلارا ونيكو خلفهما.
وقبل أن يخرجوا تمامًا، اقتربت سيلست.
لم تقترب بسرعة.
جاءت كما تأتي رسالة: ببطء، وبابتسامة لا تعطيك سببًا للاعتراض.
قالت لجريس:
“جيد أنكم هنا.”
ثم وجهت حديثها لإيليانا:
“الناس يظنون أن البروتوكول يقيّدهم.”
“لكن الحقيقة… أنه يحمي من يعرف كيف يستعمله.”
ابتسمت إيليانا بأدب:
“سأحاول.”
سيلست قالت كأنها تمدح:
“أنتِ تتعلمين بسرعة.”
ثم أضافت بنبرة خفيفة:
“وأحيانًا… يتعلم الناس بسرعة لأن أحدًا يراقب.”
لم تذكر اسم كايل.
لم تحتج.
جريس تدخلت فورًا بابتسامة:
“نحن نراقب أنفسنا.”
سيلست ضحكت:
“بالطبع.”
وانسحبت.
خرجوا.
في الممر، قال نيكو:
“إنها تقول جملًا جميلة… ثم تتركها كفخ.”
سيلفي قالت:
“لأنها لا تريد أن تقول الاتهام.”
“تريدنا نحن أن نقوله.”
إيلارا قالت لإيليانا:
“لا تعطِها ذلك.”
هزّت إيليانا رأسها.
“لن أفعل.”
وبينما كانوا يمرون قرب ممر الخدمة، مرّ كايل في الجهة المقابلة.
لم يتوقف.
لم ينظر مباشرة.
كأنه يتجنب وجودها مثلما قرر.
لكن حين تلاقوا في نفس خط الممر، قال بصوت منخفض دون أن يبطئ:
“لا تتأخري الليلة.”
تجمدت إيليانا خطوة.
ثم قالت بسرعة، منخفضة:
“أي ليلة؟”
كايل لم يلتفت.
لم يجب.
أكمل طريقه.
ترك السؤال في الهواء.
ترك معها شعورًا واحدًا واضحًا: أن الليل القادم لن يكون عاديًا.
وفي وقت متأخر من المساء، حين عادت إيليانا إلى جناحها، ظهر الإشعار الذي كان يفسر كل شيء، لكنه يفتح بابًا آخر بدل أن يغلقه:
إعلان رسمي
عرض مشروع “إعادة تأهيل وتسكين المنطقة”
المكان: قاعة المخططات الكبرى
الوقت: بعد يومين
الحضور: المختارون + شركاء + ضيوف رسميون
ملاحظة: سيتم التقاط صور رسمية
قرأته إيليانا مرة.
ثم مرة ثانية.
كان هذا الحدث سيجعل سيلست أخطر، لأنها تحب المناسبات التي تُكتب في الصحف.
وسيحاول كثيرون أن يستعملوا إيليانا كجزء من الصورة… أو كذريعة لها.
وفي وسط كل ذلك، سيكون كايل مضطرًا أن يظهر.
لا ككوستوس فقط.
بل كرجل عمل.
وإيليانا… ستضطر أن تتصرف كأنها لا تراه بطريقتين في وقت واحد.
نهاية الفصل السادس والخمسون