الفصل السادس: المسافة
كان الغروب في إيل ميراج يشبه وعدًا لا يكتمل
السماء لا تحمر بعنف، بل تذوب ألوانها ببطء فوق الماء، وتنعكس على الممرات الزجاجية كأن الجزيرة تلبس طبقة أخرى من الهدوء، وفي هذا الوقت تحديدًا كانت ڤيريتاس أقل ازدحامًا، لأن من يملكون الجزيرة يفضلون أن يختفوا قبل أن يراهم الضوء في لحظة صادقة
سارت إيليانا بيلمون في الممر الطويل المؤدي إلى التدريب الخاص، تحمل في داخلها ثقل لقاء الصباح مع الجدة وأوغست، وثقل كلمة وريثة محتملة، وثقل نظرة ريون التي كانت تقول لها، من غير صوت، إنه لن يصدق براءتها مهما فعلت
توقفت أمام الباب
ترددت لحظة
ثم طرقت طرقًا خفيفًا
انفتح الباب بعد ثانيتين، لا أكثر
دخلت
الغرفة كما هي، مرتبة، دافئة، لا بحر في نوافذها، كأنها مصممة لتمنع التشتيت، شمعة واحدة على الطاولة، ورائحة أعشاب خفيفة تجعل التنفس أبطأ دون أن تنتبه
وكان كايل هناك
واقف قرب النافذة الداخلية، يقرأ شيئًا في ملف صغير، كتفاه مستقيمان، ملامحه حادة كما اعتادت، عيناه الداكنتان ترفعان رأسهما ببطء حين شعر بوجودها
قال بصوت منخفض
"آنسة بيلمون"
قالت إيليانا
"مساء الخير"
أومأ كايل إيماءة قصيرة، ثم أغلق الملف ووضعه على الطاولة
قال
"اليوم سنعمل على شيء واحد فقط"
سألته إيليانا بحذر
"ما هو"
قال كايل
"المسافة"
لم تفهم، لكنها لم تسأله فورًا
أشار إلى نقطة على الأرض قرب المرآة
"قفي هناك"
وقفت إيليانا
كان الضوء يلمس وجهها من جانب واحد، ويترك الجانب الآخر أغمق قليلًا، فبدت بشرتها البيضاء أشد وضوحًا، وعيناها السوداوان أعمق
قال كايل
"ستبقين واقفة كما أنتِ"
"لن تتحركي إلا إذا قلت لك"
أومأت إيليانا
قال
"وأنا سأقترب"
تسارعت أنفاس إيليانا قليلًا، لكنها حاولت ألا يظهر ذلك
قال كايل قبل أن يتحرك
"إن شعرتِ بعدم الراحة، قولي توقّف"
ثم أضاف، كأنه يضع قاعدة لا نقاش فيها
"وسأتوقف فورًا"
شعرت إيليانا براحة غريبة من الوضوح، حتى لو كان الوضوح نفسه يرفع توترها
قالت
"حسنًا"
اقترب كايل خطوة واحدة
لم يقترب بسرعة، بل ببطء مدروس، كأنه لا يريد أن يخدع الهواء
توقفت إيليانا عند فكرة أنها ترى تفاصيله أكثر من الأمس، خط فكه، ظل خفيف تحت عينه، نظرة ثابتة لا تبتسم
قال كايل
"قولي لي، هل أنتِ مرتاحة"
ترددت
قالت الحقيقة
"لا أعرف"
قال
"هذا جواب سيئ هنا"
ثم اقترب خطوة ثانية
كانت المسافة الآن أقل مما اعتادت، لكنها ما زالت محترمة، لا احتكاك، لا لمس، فقط قرب يجعل الغرفة أصغر
قال كايل
"هل تشعرين بأنكِ مضطرة للاعتذار الآن"
ارتبكت إيليانا
"لا"
قال
"انظري إلى كتفيك"
لم تفهم إلا حين لاحظت أنها سحبتهما قليلًا إلى الداخل، كأنها تحاول أن تصغر
استقامت ببطء
قال كايل بصوت أقل حدة
"جيد"
ثم اقترب خطوة ثالثة
شعرت إيليانا أن قلبها يضرب في مكانه بعنف، لكنها ثبتت عينيها، حاولت أن تتذكر كلمات الجدة، لا تشرحي نفسك لمن لا يستحق، لكنها هنا لا تشرح، هي فقط تقف
قال كايل
"هذه هي اللعبة التي لا يشرحها أحد"
"الناس سيقتربون"
"بأسئلة، بآراء، بنظرات"
"وسيرون ارتباكك قبل أن يسمعوا كلامك"
سألت إيليانا، صوتها خرج أهدأ مما كانت تتوقع
"وماذا أفعل"
قال كايل
"تحددين المسافة"
ثم توقف
كان الآن قريبًا بما يكفي لتسمع تنفسه، لكنه لم يلمسها، ولم يحرّك يده، كأنه يعاقب نفسه بالصبر
قال
"قولي الآن، توقّف"
تجمدت إيليانا
لماذا تطلب أن تقول توقّف وهي لا تريد أن تقولها
فتحت فمها، ثم أغلقته
قال كايل بهدوء
"هذه ليست علاقة قوة"
"هذه مهارة"
ثم أعاد
"قوليها"
قالت إيليانا بصوت منخفض
"توقّف"
توقف فورًا
لم يتأخر، لم يناقش، لم يبتسم
فقط توقف
وشعرت إيليانا بشيء يتبدل داخلها، شيء يشبه الثقة، لأن التوقف السريع كان أوضح من ألف شرح
قال كايل
"الآن خطوة إلى الوراء"
خطا خطوة إلى الوراء
ثم قال
"مرة أخرى"
اقترب نصف خطوة فقط
قال
"هل أنتِ مرتاحة الآن"
قالت إيليانا
"أكثر"
قال
"جيد"
ثم رفع يده ببطء، قبل أن تصل إليها
وتوقف في الهواء، كما لو أنه يستأذن دون كلمات
قال
"سأصحح وضع ذقنك"
"هل تسمحين"
ابتلعت إيليانا ريقها
قالت
"نعم"
لمس طرف ذقنها بلمسة خفيفة، أسرع مما توقعت، كأنه لا يسمح للمسة أن تصبح قصة
لكن اللمسة، رغم سرعتها، تركت أثرًا واضحًا، أثرًا لم يكن في الجلد فقط، بل في رأسها
سحب يده فورًا
ثم نظر إليها، نظرة قصيرة ثم قطعها، كأنه يخشى أن يطيل النظر
قال
"هذا يكفي"
تفاجأت إيليانا
"انتهى"
قال كايل
"يكفي لليوم"
ثم التفت إلى الملف على الطاولة، فتحه دون أن ينظر إليها
كأنه يريد أن يعود مهنيًا بسرعة، قبل أن يفضحه صمت الغرفة
قالت إيليانا، بصوت حاولت أن تجعله عاديًا
"كنت في موعد مع جدتي صباحًا"
لم يرفع رأسه فورًا
قال فقط
"أعرف"
تجمدت إيليانا
"كيف تعرف"
رفع كايل رأسه ببطء
كانت عينيه ثابتتين، كأن السؤال لا يفاجئه، لكن في عمقه شيء يرفض أن يقال
قال
"هنا… الأشياء معروفة"
إيليانا قالت
"قالوا إنني وريثة محتملة"
سكت لحظة، ثم سألت
"هل هذا سبب أن الجميع ينظر"
كايل أغلق الملف مرة أخرى
قال بصدق جاف
"هذا سبب واحد"
ثم أضاف
"والسبب الآخر… أنكِ لا تشبهينهم"
سألت إيليانا
"وهل هذا جيد أم سيئ"
كايل نظر إليها لحظة أطول من المعتاد
ثم قال
"خطر"
كلمة واحدة، لكنها سقطت عليها كأنها تفتح بابًا في صدرها
قالت إيليانا، باندفاع صغير
"أنا لست هنا لأسرق شيئًا من ريون"
لم يتغير وجه كايل، لكنه قال
"لن يصدقك"
إيليانا قالت
"إذن ماذا أفعل"
كايل اقترب خطوة، ليس تمرينًا هذه المرة، بل وكأنه تحرك من تلقاء نفسه، ثم توقف سريعًا، كأنه تذكر حدوده
قال بصوت منخفض
"افعلي ما فعلته الآن"
"قولي توقّف عندما يجب"
"وابتسمي عندما تختارين"
"ولا تعطي أحدًا حق الاقتراب أكثر مما تسمحين"
سكت، ثم أضاف جملة قصيرة لم تكن جزءًا من التدريب
"حتى أنا"
ارتبكت إيليانا
لم تعرف إن كان يقولها لأنه يعلّمها، أم لأنه يحذر نفسه
قبل أن ترد، سُمع طرق سريع على الباب، طرق غير مهذب مقارنة بصمت ڤيريتاس
انفتح الباب دون انتظار
دخل نواه
دخل كمن لا يعرف معنى الرهبة، يحمل كوبين من القهوة، وعيناه تلمعان بمزاح جاهز
قال
"آسف، آسف"
ثم نظر إلى إيليانا
"أنتِ على قيد الحياة"
نظر إلى كايل
"وأنت ما زلت حيًا أيضًا، هذا إنجاز مزدوج"
لم يتغير وجه كايل، لكن نظرته قالت لنواه أن يختصر
نواه رفع يده كأنه يستسلم
"حسنًا"
ثم وضع كوبًا على الطاولة قرب كايل
وقال لإيليانا بصوت منخفض كأنه يشارك سرًا مضحكًا
"لا تدعيه يخيفك"
"هو يخيف نفسه أكثر"
رفعت إيليانا عينيها إلى كايل بسرعة
كايل لم ينظر إليها، كأنه لم يسمع، لكن صمت الغرفة صار أثقل
نواه أخرج ورقة من جيبه، نظر فيها ثم قال لكايل
"تغيير في الجدول"
"جلسة مجلس الإدارة تقدمت"
ثم خفض صوته
"وقالوا إن كوستوس يجب أن يكون هناك"
توقفت إيليانا عند الكلمة كما توقف قلبها لحظة
كوستوس
لم تقلها، لكنها سمعتها واضحة
رأت نواه يلتفت بسرعة نحوها، كأنه تذكر أنها موجودة
ابتسم ابتسامة بريئة لا تنقذ شيئًا
وقال فورًا
"أقصد…"
ثم سكت، لأن التصحيح سيبدو أسوأ
رفع كايل يده قليلًا، إشارة واحدة تكفي
نواه صمت
قال كايل لإيليانا بنبرة هادئة جدًا، هدوء يخفي شيئًا
"انتهت جلستنا"
أومأت إيليانا ببطء
حملت حقيبتها، واتجهت إلى الباب
وقبل أن تخرج، التفتت دون قصد، أو بقصد لم تعترف به
رأت كايل ينظر إلى نواه نظرة واحدة، نظرة تقول له إن الكلمة كانت خطأ
لكنها رأت أيضًا شيئًا آخر
أن كايل… لم ينفِ الكلمة
خرجت إيليانا
وهي تشعر أن التدريب على المسافة انتهى
لكن المسافة الحقيقية بدأت الآن
لأن كلمة واحدة، كوستوس، جعلت كايل أقرب… وأبعد في الوقت نفسه
انتهى الفصل السادس