الفصل التاسع: الياقة
عادت إيليانا بيلمون إلى جناح التأهيل قبل الموعد بدقائق
لم تكن تريد أن تصل مبكرًا فتبدو متحمسة، ولم تكن تريد أن تتأخر فتبدو مهملة، كانت تمشي على خط رفيع من الاتزان تعلمته في أيام قليلة، خط لا تراه العين لكنه يقرر كيف يراك الآخرون
الممر المؤدي إلى الجناح الخاص كان أبرد من ممرات البهو، أقل زخرفة، وأكثر صمتًا، كأن المكان لا يسمح بالثرثرة كي لا يترك على الجدران آثارًا
مررت بطاقتها
انفتح الباب
دخلت
كانت القاعة الداخلية هادئة، الحوض الأولمبي في طرف، ومنطقة الجلوس الخشبية في طرف آخر، والضوء يتسلل من الزجاج العلوي في خطوط مائلة كأنها أصابع شمس مترددة
لمحت كايل واقفًا عند الطاولة الصغيرة، يكتب ملاحظات في ملف، لا ينظر إلى الباب كأنه يعرف أنها ستدخل في الوقت المناسب
قال بصوته المنخفض دون أن يرفع رأسه
"جيد"
كانت كلمة واحدة، لكنها جعلت إيليانا تشعر أنها جاءت في الوقت الصحيح
قالت
"قلت إنني أحتاج تدريبًا إضافيًا"
أغلق الملف، ورفع رأسه
"نعم"
ثم أضاف بوضوح
"غدًا ستكون هناك فعالية رسمية قرب الماء"
"وسيكون عليكِ أن تقفي بثبات"
سألته إيليانا
"أنا أقف… ماذا يعني أن أقف بثبات"
كايل قال
"يعني ألا يفضحك جسدك حين يحاولون استفزازك"
ثم أشار إلى منطقة الجلوس
"اجلسي"
جلست إيليانا على المقعد الخشبي، وضمت المنشفة إلى حضنها بلا حاجة، كأنها تحمل درعًا غير مرئي
وقف كايل أمامها بمسافة محسوبة، ليست قريبة، لكنها ليست بعيدة، المسافة التي تعلمتها منه في الفصل السابق، مسافة تسمح للكلام أن يصل دون أن يتحول إلى اعتراف
قال كايل
"اليوم لن ندخل الماء"
تفاجأت إيليانا
"ولماذا نحن هنا إذن"
قال
"لأن الماء ليس المشكلة"
ثم توقف لحظة قصيرة، كأنه يختار كلمة لا تشبهه
"المشكلة هي الناس"
ابتسمت إيليانا ابتسامة صغيرة رغم توترها
"هذا صحيح"
نظر إليها كايل نظرة قصيرة، كأنه لاحظ الابتسامة أكثر مما ينبغي، ثم عاد إلى جديته
قال
"سأعطيك تمرينًا"
"قفي"
وقفت إيليانا
قال
"سأقترب"
ثم أضاف قبل أن يتحرك
"وإذا شعرتِ بعدم الراحة، قولي توقفي"
أومأت
اقترب خطوة
ثم أخرى
تذكرت إيليانا الشاطئ، وكيف وقف قريبًا ثم ابتعد، وكيف قال إنه لا يحب أن يقتربوا منها أكثر مما يجب، وكيف بدت الجملة لحظةً شخصية قبل أن يقتلها بالبرود
قال كايل
"ارخي ذراعيك"
أرخت ذراعيها
قال
"لا تضمي أصابعك"
فردت أصابعها
اقترب خطوة أخرى
قال
"تنفسي"
تنفست
كان التدريب بسيطًا في الظاهر، لكنه يفتح في الداخل أبوابًا لا تريدها أن تُفتح
قالت إيليانا فجأة
"لماذا قلت لي على الشاطئ… لا تبقي وحدك"
توقف كايل عند مسافة قريبة، ليس قربًا يلمس، بل قربًا يسمع القلب
قال بهدوء
"لأنكِ جديدة"
إيليانا لم تقتنع
"هذا ليس جوابًا"
سكت لحظة، ثم قال
"لأن سيلست بدأت تلاحظ"
شعرت إيليانا بالبرد في أطرافها
"وماذا يعني ذلك"
كايل قال
"يعني أنها ستعطيك اسمًا"
تذكرت إيليانا كلام جريس، وتذكرت كلام الجدة، إذا لم تعرف الأسماء سيضعون عليك اسمًا لا تختارينه
قالت إيليانا
"اسم ماذا"
كايل قال
"اسم دور"
ثم أضاف
"وهذا أخطر من الاسم العادي"
سكتت إيليانا، ثم قالت بصوت خافت
"وهل أنت تلاحظ أيضًا"
لم تتحرك ملامح كايل، لكنه لم يجب بسرعة
حين أجاب كان صوته أخفض من المعتاد
"أنا ألاحظ كل شيء"
ثم، كأنه تدارك، قال
"هذا عملي"
لم ترد إيليانا، لكنها شعرت أن قلبها فهم شيئًا قبل أن يسمح عقلها به
أشار كايل إلى المرآة الكبيرة في الطرف الآخر
"اذهبي"
ذهبت إيليانا إلى المرآة
وقفت
قال كايل من خلفها دون أن يقترب كثيرًا
"انظري إلى نفسك"
"قولي، ماذا يرون"
قالت إيليانا بصدق
"يرون فتاة… لا تعرف المكان"
قال كايل
"لا"
ثم أضاف
"يرون بياضًا شديدًا"
"وعينين سوداويين"
"وترددًا يلمع كأنه دعوة"
شعرت إيليانا بالخجل لأن وصفه كان دقيقًا أكثر مما تحب
قالت
"هذا ليس ذنبي"
قال
"ليس ذنبك"
"لكنه واقع"
ثم قال
"غدًا سيحاولون الاقتراب بالكلام"
"وسيحاول ريون الاقتراب بالضغط"
"وأنتِ ستبقين في مكانك"
التفتت إيليانا من المرآة إليه
"كيف"
كايل قال
"بأبسط شيء"
ثم تقدم نصف خطوة، وأشار إلى عنقها
توقفت يداه في الهواء
قال
"ياقة ثوبك ليست مستقيمة"
سكتت إيليانا لحظة
كانت الياقة بالفعل تميل قليلاً، لم تلاحظها
قالت بتوتر
"أستطيع أن أصلحها"
قال كايل
"أعرف"
ثم أضاف بصوت ثابت
"لكن هذا جزء من التدريب"
وقف أقرب بدرجة واحدة
قال بوضوح
"سأصلحها أنا"
"هل تسمحين"
لم تعرف إيليانا لماذا اهتزت كلمة تسمحين في صدرها كأنها أقرب من اللمس
قالت بصوت خافت
"نعم"
رفع كايل يده ببطء، لمس طرف القماش عند الياقة، سحبها حركة صغيرة، ثم أعادها إلى مكانها
لم يكن لمسًا طويلًا، لكنه كان قريبًا من جلدها بما يكفي لتشعر بحرارة أصابعه عبر القماش
شعرت إيليانا بقشعريرة
ورفعت عينيها إليه دون قصد
كانت عينا كايل ثابتتين، لكنه لم يثبت النظر طويلًا، كأنه لا يريد أن يصبح التدريب شيئًا آخر
أنزل يده فورًا
ثم قال كأنه يعود إلى جدول رسمي
"جيد"
سألته إيليانا، وكأنها تريد أن تُسقط التوتر بكلمة
"هل هذا هو التدريب"
قال كايل
"لا"
ثم أضاف
"الآن الجزء الأصعب"
رفع إصبعه قليلًا، كأنه يعد
"ستتعلمين أن تقولي لا دون أن ترفعي صوتك"
شعرت إيليانا أن هذا يخصها أكثر من الياقة
قال
"سأطرح سؤالًا"
"وأنتِ ستجيبين بجملة واحدة"
أومأت
قال كايل
"لماذا أنتِ هنا"
فتحت إيليانا فمها ثم أغلقته
كانت تريد أن تقول لأنها فقدت أمها، لأنها لا تعرف كيف ترفض الجدة، لأنها خائفة من أن تصبح بلا أحد، لكنها فهمت أن هذه ليست الإجابة التي يجب أن تُقال هنا
قالت بعد لحظة
"لأتأهل"
كايل قال
"لِماذا"
قالت إيليانا
"لأعرف كيف أبقى"
كانت الجملة أقرب للصدق مما توقعت
نظر كايل إليها، نظرة طويلة هذه المرة، كأنه سمع شيئًا يخصه أيضًا
ثم قال ببطء
"جيد"
وسكت
لم يكن صمتًا مريحًا، كان صمتًا يلمع
ثم ابتعد خطوة فجأة، كأنه تذكر أن القرب يحمل خطرًا لا يريد الاعتراف به
اتجه إلى الطاولة، فتح ملفه مرة أخرى، وأخرج ورقة صغيرة
قال
"هذه دعوة الغد"
"ستذهبين مع جريس وشلتها"
"وستلتقين بأشخاص لا يبتسمون كثيرًا"
سألت إيليانا
"وهل ستذهب"
كايل توقف لحظة، ثم قال
"لا"
قالها بسرعة أكبر من اللازم
ثم أضاف بنبرة أهدأ
"لن أظهر هناك"
شعرت إيليانا بخيبة لا تعرف سببها، خيبة قصيرة لكنها حقيقية
قالت بصوت منخفض
"إذن من سيحميني"
كايل رفع رأسه إليها
قال بهدوء
"احمي نفسك"
ثم أضاف، كأنه يترك لها سلاحًا صغيرًا
"وإذا اضطررتِ… قولي توقفي"
سكتت إيليانا
ثم قالت فجأة
"ريّون يظن أنني أتظاهر"
كايل قال
"دعيه يظن"
ثم أضاف
"لا تشتري مكانك في عيونهم بالشرح"
وقفت إيليانا لتغادر
كانت تريد أن تقول شيئًا آخر، أن تسأل عن كوستوس، عن الكلمة التي تكررها الممرات كأنها ظل
لكنها لم تفعل
لأنها حين اقتربت من الباب، قال كايل خلفها، بصوت أخفض من كل ما قاله اليوم
"إيليانا"
التفتت
قال كايل
"غدًا… لا تذهبي إلى المنتصف"
كانت نفس جملة الجدة
لكنها خرجت من فمه هذه المرة كأنها غيرة مقنعة بنصيحة
شعرت إيليانا بأن قلبها يقفز
ثم قالت بسرعة
"حسنًا"
وخرجت
في الممر، وقبل أن تغلق الباب تمامًا، سمعت صوتًا يأتي من مكان لا تراه
صوت رجل يتحدث في جهاز صغير، بلهجة موظف يخفي انفعاله
"نعم، كوستوس"
ثم توقف الصوت فجأة كأنه ابتلع نفسه
تجمدت إيليانا في مكانها
ولأول مرة لم تفكر في معنى الكلمة
بل فكرت في شيء أخطر
أن كايل قد لا يكون الشخص الذي تقول وظيفته إنه هو
انتهى الفصل التاسع