في قلعة عائلة كارلوس ، الواقعة في قلب قارة فالينتيا ، كانت السماء تشتعل بدخان المعارك، وصوت الصراخ يختلط بدويّ المنجنيقات. اجتمعت ممالك القارة بأكملها محاصرتهم، متحدة لأول مرة في التاريخ، خوفًا من قوة السحر القديم الذي امتلكته تلك العائلة.
كانت القلعة محاطة بحاجزٍ سحريٍّ عظيم، نُقش على جدرانها منذ قرون، يحميها من أي هجوم خارجي. ظلّ الحاجز صامدًا رغم آلاف القذائف التي انهالت عليه، لكن تحالف الممالك لم يكن وحده في المعركة، فقد انضمّت إليهم خمسة تنانين عظيمة جلبت معها قوة الطبيعة نفسها.
وفي لحظةٍ واحدة، ارتفعت التنانين في السماء، واصطفت على شكل دائرة فوق القلعة، ثم أطلقت قذيفة من المانا معًا نحو نقطةٍ واحدة. اهتزّت الأرض تحت الضربة، وانفجر الضوء من السماء كوميض يوم النهاية، وتصدّع الحاجز السحري حتى تحطّم كليًا، فاهتزّت القلعة وسقطت أبراجها، وانكشف قلب المدينة للنيران.
وايضا من أثر الضربة تطاير الجنود من الجانبين وبعدها هبطت التنانين الي اقرب جبل تشاهد الدمار الذى حدث وهي غير مهامه حتى بالحلفاء يراقبون بصمت.
بعد بضعة لحظات عاد الجيش المتعثر إلى صفوف متابعين لأوامر قيادتهم بالهجوم.
عند الأسوار، وقف فرسان كارلوس في مواجهة المستحيل. رغم الانهيار والرماد، لم يتراجعوا. كانوا يعلمون أن لا نصر لهم، لكن عائلاتهم يحتمون داخل القصر خوف لهذا هم يحبون بضراوة . صرخ قائدهم بصوتٍ مبحوح وسط الضجيج: «اثبتوا! دافعوا عن القصر حتى آخر رجل! تذكروا لأجل من نحارب!»
تقدّم الفرسان عبر الممرات المحترقة، سيوفهم تتلألأ تحت اللهيب، يقاتلون صفوفًا من الأعداء بلا خوف، يضحّون بأنفسهم ليكسبوا دقائق ثمينة لحماية الموجودين فى القصر.
في الداخل، كان رئيس العائلة واقفًا في قاعة العرش، الأرض ترتج تحت قدميه، وأصوات الدمار تقترب شيئًا فشيئًا. تجمع أفراد العائلة حوله، بعضهم يرتجف، وبعضهم يواجه مصيره بصمتٍ مهيب. قال أحد السحرة بانفعال: «سيدي، لقد انكسر الحاجز! التنانين دمّرت الدفاعات، والجيش على أبواب القصر!»
أغمض الرئيس عينيه لبرهة، ثم فتحها بعزمٍ حديدي، وقال بهدوءٍ ثقيل: «إذن... لم يعد أمامنا سوى الطريق الأخير.»
كان الطقس يستمد نواته من قوة الحاجز المنهار نفسه. البلّورة لا تستطيع التفعيل إلا لحظة تكسرها النهائي، لتمتص الموجة العكسية من طاقة المانا الهائلة التي خلّفتها ضربة التنانين، وتحوّلها إلى طاقة عبور أبعاد.
اقترب من البلّورة السوداء الموضوعة في مركز الدائرة السحرية، وبدأ يتلو تعاويذ بلغةٍ منسية. أضاءت الرموز المحفورة على الأرض، وتبدّلت ألوانها من الأزرق إلى البنفسجي الداكن، بينما الهواء صار يثقل، وتمازجت الجدران كأنها تتنفس.
في الخارج، ارتفعت أصوات الممالك وهي تهتف بالنصر، دون أن تدرك ما يحدث بالداخل. قال الرئيس بصوتٍ جهوريٍّ ارتجّ في القاعة: «لتحملنا الأبعاد إلى حيث لا تصل أيديهم… ولتكن هذه بداية جديدة لنا!»
انفجرت البلّورة بضوءٍ ساطع، فغمر القصر كله، وتجمّد الزمن للحظةٍ واحدة. وحين انقشع النور، كانت القلعة قد اختفت بالكامل لا رماد، لا أنقاض، فقط حفرةٌ هائلة ودوامةٌ من الرياح تدور في صمتٍ غريب.
وفي ذلك اليوم، انتهى حصار فالينتيا ، لكن لم يعلم أحد إلى أين اختفت القلعة، ولا ما كان مصير أولئك الذين كانوا بداخلها. لم يبقَ سوى الأسطورة التي تتناقلها الأجيال: أن عائلة كارلوس تم محوها إلى الأبد.
لم يكن هناك صوت اصطدام. لا ارتجاج. فقط... صمت .
فتحت ليرا كارلوس عينيها. كانت لا تزال واقفة في الحرم، لكن الهواء كان مختلفًا رقيقًا، فارغًا. سعل أحد الفرسان بجانبها، يضغط على جرحٍ عميق أصابه من شظايا الحاجز المتطاير قبل الانتقال. «سيدتي ليرا... الشفاء...» تمتم بصوتٍ متقطع.
ركضت نحوه، وضعت يديها على الجرح، وبدأت تتلو ترنيمة الشفاء القديمة. لم يحدث شيء. حاولت مرة أخرى، والذعر يتسلل إلى صوتها. لا شيء. استمر الدم في التدفق.
نظر فاليريوس إلى يديه، محاولًا إشعال أبسط تعويذة نار. لم يظهر سوى وهجٍ خافت من أصابعه الباردة. التفت الجميع نحو قلب الحصن ، حيث كانت البلّورة السوداء الهائلة تقف في مكانها، لكنها بدت باهتة… ميتة كأي صخرة عادية.
في تلك اللحظة، حلّ الرعب الحقيقي — ليس رعب الموت، بل رعب الفقد . همس الساحر الأكبر بصوتٍ مرتجف: «الـ... المانا… لا يوجد مانا في هذا الهواء. لقد... اختفى.»
البلّورة استنزفت كل مخزون المانا فينا كوقود لحرق الثغرة، لكنها لم تستطع خلقها مجددًا. لقد سقطنا في بُعد حيث قوانين الفيزياء مختلفة؛ لا يوجد "أثير سحري" في تركيب هذا العالم، ولهذا ماتت البلّورة وانطفأت قوتنا إلى الأبد.
نجوا من الموت، ليواجهوا مصيرًا أسوأ: لقد فقدوا ما كان يميزهم.
قال فاليريوس بصوتٍ متهدّج وهو يحاول كبت رجفة صوته: «افتحوا البوابات.»
وحين فُتحت بوابات الحرم الثقيلة، لم يجدوا ساحة القلعة المألوفة، بل غابةً كثيفة بأشجارٍ خضراء وسماءٍ بثلاث اقمار. لقد انتقل الحرم الداخلي بأكمله بضع مئات من الأفراد، مع مخزونها وأسلحتهم ومعارفهم واستقر في أرضٍ مجهولة .
لقد اقتصر طقس النقل على إطار الدائرة السحرية الموضوعة في قاعة العرش، ما يعني أن كل من كان خارج محيط جدران الحرم الداخلي — بما فيهم الفرسان المضحّون على الأسوار قد سُحقوا ومُحيوا مع القلعة المنهارة.
بقي الجميع صامتين، يحدقون في الأفق، وقد أدركوا أنهم نُقلوا إلى عالمٍ بلا سحر… .
ومع مرور القرون، تكيّف أحفاد كارلوس مع هذا العالم الجديد عبر تحويل فاجعة فقدان السحر إلى نهضة تقنية غير مسبوقة. وجدوا سكانها قبائل بدائية ترتدي جلود الحيوانات وتعيش على الصيد، فاستغل فاليريوس الأول دهشتهم وخوفهم بحكمة، موثقاً سيطرته عليهم ليس بالقوة فحسب، بل بتقديم نفسه كـ "سيد النور والمعرفة". لقد وهبهم الحماية من الضواري وطرقاً متطورة لتأمين الطعام مقابل الولاء المطلق، محولاً القبائل المشتتة إلى ركيزة بشرية لخدمة رؤيته. وهكذا، وُلدت إمبراطورية كارلوس ، مؤسسةً على مزيج من الخوف المقدّس والاحترام النفعي.
لم يكن هذا التطور التكنولوجي المتسارع مجرد صدفة ناتجة عن امتلاك الموارد، بل كان عملية منظمة ومستمرة قادها المهندسون والعلماء الناجون لاستبدال كل وظيفة سحرية ببديل ميكانيكي أو طاقوي. استخرجوا المعارف العلمية والهندسية الهائلة المخزنة في مخطوطاتهم وأجهزتهم التي عبرت البوابة، وبدأوا في بناء المفاعلات والمصانع التي تحاكي آثار السحر المفقود، محولين القصور إلى مختبرات والفرسان إلى قادة تقنيين، لضمان استمرارية تفوق العائلة في عالم جفّ فيه الأثير.
وبعد آلاف السنين انقسمت العائلة الى عوائل أصغر وتحكمت في مناطق ولكنها بطبيعة الحال كانت تحت حكم العائلة الأم.
والآن أصبحوا في عصر الآلات والروبوتات وايضا الاندرويد والتطور أصبح في ذروته,