كان الغروب يذيب السماء فوق أبراج "نيو-أركاديا"، فاشتعل زجاجها كأنه نار سائلة، بينما بدأت أضواء المدينة الاصطناعية تستيقظ وميضًا بعد وميض، تستعد لسرقة الليل قبل أن يحلّ الظلام.
على أطراف البحر الصناعي، يقف قصر عائلة "كروس" كحصنٍ من زمن آخر. هندسته الكلاسيكية تبدو كقطعة أثرية وسط محيط من التكنولوجيا التي بلغت ذروتها. لكن هذه هي تقاليد عائلة كروس؛ جذور راسخة في الماضي، وأغصان تمتد للسيطرة على المستقبل. إذ أن عائلة كروس هي السلالة المباشرة التي تنحدر من فاليريوس الأول مؤسس الإمبراطورية، والذي اختار اسم 'كروس' ليكون رمزاً لتضحية 'كارلوس' بالعبور إلى عالم جديد. فما يفصل بين القصر وهذه المدينة، المقسّمة إلى طبقات صارمة كالجحيم، ليس مجرد مسافة، بل عصورٌ كاملة من التاريخ والقوة.
في قاعة الطعام الفخمة، امتدت الطاولة الطويلة كساحة معركة أنيقة. الأطباق الفاخرة مصفوفة بدقة، وضوء الشموع يراقص ظلال أجهزة الإنارة الحديثة، مما يضفي على المشهد توتراً خفياً تحت قناع الوليمة العائلية.
تحدث مارك بجدية وهو يقلب سكيناً فضية بين أصابعه."أرباح المنطقة الصناعية (B) انخفضت بنسبة سبعة بالمئة هذا الربع. مصانع الأندرويد تعمل بأقل من طاقتها، وبدأ الناس يتحدثون عن هذا الركود في الأسواق."
تنقسم "نيو-أركاديا" إلى طبقات صارمة تعكس هرم القوة؛ فبعد المنطقة (B) الصناعية التي يديرها مارك، تأتي المنطقة (A) في القمة، حيث ناطحات السحاب الشاهقة التي تسكنها النخبة والحكام فوق السحاب بعيداً عن التلوث. أما المنطقة (C)، فهي موطن الطبقة الوسطى والمهندسين والموظفين الذين يضمنون استمرار العمل، في حين تمثل المنطقة (D) "الحافة" أو العوالم السفلية، وهي منطقة غارقة في الفوضى والفقر والضباب الصناعي، حيث تعيش الطبقات الكادحة وتنتشر العصابات بعيداً عن أعين القانون.
ردّت كاثرين بهدوء:"المهم هو ما يشعر به الناس يا مارك. إذا منحناهم شعوراً بالاستقرار فسيتبعوننا. اترك الأمر لي، سأحاول كسب بعض الوقت لكي تجد حلاً للمشكلة."
قاطعها جوليان بوضوح:"الوضع ليس مستقراً يا كاثرين. تقاريري ترصد زيادة في النشاط الإجرامي في المناطق السفلية خلف الحزام الأمني. العصابات في المنطقة (D) بدأت تزداد جرأة وتتجاوز حدودها."
مالت صوفيا بظهرها إلى الكرسي وقالت:"ربما تكون هذه الفوضى فرصة لنا يا جوليان. الأزمات تظهر لنا أشياء جديدة، ويمكننا استغلال ما يحدث لنرى النتائج."
وضع إيثان منديله بجانب طبقه وقال:"بدلاً من هذا الجدال، لدي نظام أندرويد جديد سيرفع الإنتاج بنسبة عشرين بالمئة في مصانع المنطقة (B). هذا سيقوي سيطرتنا فعلياً، لكنه قد يتطلب الاستغناء عن بعض الموظفين إذا نجح."
إيثان ألقاها عمدًا كقنبلة ضوضاء على الطاولة، ليصرف انتباه إخوته وأي جواسيس محتملين عن عمله الحقيقي، ويؤكد في الوقت ذاته تفوق منهجه المنطقي على نقاشاتهم السطحية، متيقنًا من حساسيتها.
رفعت ليزا عينيها وقالت بنبرة هادئة:"وهل فكرتم في مصير الموظفين الذين ستستبدلهم الآلات في المنطقة (C)؟ هؤلاء هم من يدينون لنا بالولاء. كل قرار نتخذه يؤثر على حياة الناس مباشرة. نحن بحاجة لاتخاذ قرارات حكيمة، فالمشاكل تزداد وقسم الاستخبارات أصبح مضغوطاً جداً."
رفع مارك حاجبه قائلاً: "كلامك لن يحل الأزمة المالية يا ليزا. إذا نقصت الأموال في الخزينة، سنضطر لتقليل المصاريف في كل مكان."
قبل أن يتصاعد الجدال، انفتح باب القاعة بخفة، ودخلت إلينور كروس . خطواتها واثقة وابتسامتها دافئة، لكنها تخفي خلفها صرامة قادرة على تجميد الهواء. توقف الأبناء عن الحديث فوراً، وكأن وجودها يفرض نظاماً خاصاً.
تحدثت إلينور كروس بحزم:"يكفي حديثاً عن العمل، ألا تكفيكم اجتماعات النهار؟ أنتم عائلة واحدة، وهذا الترابط هو سر قوتنا. تذكروا دائماً أنكم من آل كروس."
أحدثت كلماتها سكوناً مؤقتاً، هدوءً يسبق عاصفة أعتى.
فجأة، انفتح الباب الكبير ببطء وثقل، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه.دخل ريتشارد كروس ، سيد العائلة، متكئاً على عصا من خشب الأبنوس الداكن، نُقش عليها رأس بومة بعينين غائرتين كأنهما بئران من الأسرار. خطواته كانت ثابتة، وكل نقرة من عصاه على الرخام كانت بمثابة إعلان صامت عن سلطته المطلقة.
دخل ريتشارد كروس وتوقف عند رأس الطاولة قائلاً بصرامة:"حتى في غيابي، تستمرون في الجدال والخلاف بينكم."
جلس على كرسيه الفخم، وصوت الخشب الثقيل يتردد في القاعة. لم يكرر ما قالته زوجته، بل انتقل مباشرة إلى صلب الموضوع، كقائد يصدر أوامره.
تلاشت أصوات الأنفاس في القاعة، ولم يتبقَ سوى طنين خافت لأجهزة تنقية الهواء المدمجة في الجدران الكلاسيكية. كان حضور ريتشارد كافيًا لابتلاع كل الغرور الذي أظهره أبناؤه قبل لحظات.
أسند ريتشارد ذقنه على يديه المتشابكتين فوق مقبض عصاه، وانعكس ضوء الشموع الراقص على عيني البومة المحفورة في خشب الأبنوس، فبدت وكأنها ترمش في صمت.
قال بصوت عميق وواضح:
"المصانع والعصابات والأرقام التي تتحدثون عنها مهمة، لكنكم نسيتم الأمر الأهم. لقد نسيتم أصل هذه العائلة والهدف الكبير الذي نسعى إليه."
تبادل مارك وكاثرين نظرة سريعة، بينما توقفت أصابع جوليان عن النقر الخفي على الطاولة. الجميع يعرف أن والدهم لا يتحدث عن التاريخ إلا إذا كان المستقبل مهددًا.
صمت ريتشارد لثوانٍ، تاركًا كلماته تستقر في عقولهم، ثم أضاف ببطء:
"لقد استلمت الدعوة اليوم. سيعقد المؤتمر العائلي الكبير بعد ثلاثة أسابيع."
سقطت الكلمات كحجر في بركة راكدة. توقفت ليزا عن التنفس للحظة، وشدّ إيثان قبضته على منديله حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. تلاشت الابتسامة الباردة عن وجه كاثرين تمامًا، بينما ضاقت عينا صوفيا باهتمام مفاجئ.
لم يكن "المؤتمر العائلي الكبير" مجرد اجتماع روتيني؛ بل كان الساحة التي تتلاقى فيها جميع الفروع التي انشقت عن شجرة "كارلوس" القديمة. عائلات تحكم قارات بأكملها، تمتلك جيوشًا من الآلات، وتحتكر التكنولوجيا والموارد. يجتمعون مرة كل عشر سنوات في العاصمة الأم، ظاهريًا للاحتفال بوحدتهم، وباطنيًا لإعادة رسم خرائط القوة، وافتراس الفروع التي تظهر أي علامة من علامات الضعف.
سأل مارك بتوتر:
"المؤتمر؟ كان من المفترض أن يُعقد بعد عامين. لماذا تم تقديمه الآن؟"
أدار ريتشارد عصاه قليلاً، فامتد ظل البومة على مفرش الطاولة الأبيض.
"لأن أعداءنا بدأوا يشعرون بضعفنا يا مارك. تراجع الأرباح والمشاكل في المناطق السفلية ليست صدفة؛ هناك من يختبرنا. عائلتا 'فالير' و'مورجان' يراقبوننا، وإذا ذهبنا للمؤتمر ونحن مختلفون، سيستغلون ذلك للقضاء على نفوذنا."
نظرت إلينور إلى زوجها، وقد اتخذت ملامحها قسوة جليدية تناسب سيدة العائلة. قالت موجهة حديثها لأبنائها:
قالت إلينور موجهة حديثها لأبنائها:"كلام والدكم صحيح. كل ما نملكه مهدد الآن. في المؤتمر ستواجهون منافسين أقوياء سيحاولون استغلال أي ثغرة في عملكم. يجب أن نكون يداً واحدة."
مال جوليان إلى الأمام، وقد اختفت نبرته الآلية ليحل محلها تركيز قاتم:
قال جوليان بتركيز:"إذا كان هناك من يدعم الفوضى في المناطق السفلية، سأرسل قواتي فوراً لإنهاء الأمر ومنع أي تدخل خارجي. لن نترك لهم فرصة ضدنا."
هز ريتشارد رأسه ببطء، وابتسامة خفيفة، لا تخلو من مكر، ارتسمت على شفتيه.
رد ريتشارد بهدوء:"لا يا جوليان. إذا أنهينا الأمر الآن فلن نعرف من المحرك الحقيقي خلفهم. اترك الفوضى تستمر قليلاً تحت مراقبتنا."
وأضاف موضحاً فلسفته بوضوح:
"أجدادنا نجحوا لأنهم كانوا يراقبون بصمت ويفهمون أعداءهم قبل التحرك. يجب أن نراقب ونفهم نقاط ضعفهم لننقض عليهم في الوقت المناسب."
رفع نظره إليهم، وعيناه تلمعان ببريق بارد.
"في هذا المؤتمر، لن نكون في موقف دفاع، بل سنكون نحن من يسيطر على الموقف."
نهض ريتشارد من مقعده ببطء، معتمدًا على عصاه، في إشارة إلى أن النقاش قد انتهى قبل أن يبدأ العشاء فعليًا.
"أمامكم ثلاثة أسابيع. مارك، أظهر أرقام المنطقة (B) بشكل يوحي بالازدهار لإخفاء المشاكل. إيثان، لا تطلق نظام الأندرويد الجديد الآن؛ احتفظ به كمفاجأة. وليزا..." نظر إلى ابنته: "تأكدي من ولاء الناس لنا في الطبقات الوسطى. اجعليهم يشعرون أن مصلحتهم معنا دائماً."
استدار متجهًا نحو باب القاعة الكبير، لكنه توقف للحظة دون أن يلتفت إليهم.
"تذكروا دائماً... نحن نحمل دماء كارلوس، ونحن من يقرر مصيرنا بأنفسنا."
غادر ريتشارد القاعة، تاركًا خلفه أبناءه في صمتٍ ثقيل. لم يعد ضوء الشموع الدافئ يوحي بالاسترخاء، بل بدا كأنه نارٌ تضيء خيمة حرب قبل فجر معركة طاحنة. في نيو-أركاديا، المدينة التي لا تنام، كانت عائلة كروس تستعد لإيقاظ شياطين الماضي، ومواجهة أبناء عمومتهم في صراع لا يعترف إلا بالبقاء.