الفصل صاخب.

ضحكات متقطعة. همسات تتحول إلى جدال. كرسي يُسحب على البلاط.

المعلم لم يصل بعد.

نوح كان جالساً في مقعده.

عيناه مفتوحتان. لكن لا شيء يصل.

الأصوات موجودة. الوجوه موجودة. الضحكات موجودة.

لكن كل شيء متأخر.

ثانية واحدة خلف نفسه. لا أكثر. لا أقل.

منذ شهرين وهو يعيش هكذا. في البداية ظنه إرهاقاً. الآن اعتاد عليه كما يعتاد الإنسان على طنين لا يتوقف.

لا يختفي.

لكنك تتعلم أن تتجاهله.

في معظم الأوقات.

"نوح."

لم يسمع.

"نوح."

مرّت كأنها جزء من الضجيج.

"نـوووح!"

هذه المرة كان مختلفاً.

شيء شدّه نحو السطح. كأن أحداً أمسك بيده وانتشله من قاع بركة راكدة.

رمش مرتين.

الفصل عاد. كامل. صاخب. حاضر.

سامي كان يتكئ على المقعد المجاور. ذراعاه متقاطعتان. على وجهه ذلك المزيج الغريب من الابتسامة والاستغراب الذي لا يتقنه أحد غيره.

خلفه من النافذة الطويلة امتدت المدينة كما هي دائماً.

أبراج زجاجية تعكس السماء الرمادية. قطار مغناطيسي يشق الأفق بصمت بين طابقين من الهواء. شاشة إعلانية ضخمة تتحول ألوانها ببطء.

"أهلاً." قال سامي. "مرحباً بعودتك إلى كوكب الأرض. كيف كانت الرحلة؟"

"ماذا؟"

"كنت أناديك." رفع إصبعين. "مرتين. ثم ثلاثة." أشار إلى الممحاة على الطاولة. "فكّرت أن أرميها عليك. لكنني رجل متحضر."

"ما المشكلة؟ وأرجوك لا تقل لا شيء. أعرفك من الابتدائي."

"كنت أفكر."

"في؟"

"لا شيء محدد."

أدار سامي عينيه من اليسار إلى اليمين ثم إلى السقف.

"نوح. صديقي. أنت تحدق في الفراغ منذ بدأ الفصل. حتى لينا—" أومأ إلى الفتاة النائمة في المقعد الخلفي "—حتى لينا تحرك رأسها بين الحين والآخر. أنت لم تتحرك."

"مبالغ."

"مبالغ؟" مال إلى الأمام. "سألتك قبل عشر دقائق إذا أكلت. ابتسمت فقط. كأنك برنامج يحاول أن يُقنعني أنه بخير."

لم يردّ نوح.

وهذا وحده كان رداً كافياً.

خفت ابتسامة سامي.

لكنه لم يتركها تختفي كلياً. كأنه قرر ألا يسمح للقلق أن يأخذ المقعد الأمامي. ليس هنا. ليس الآن.

"متى آخر مرة نمت فيها بشكل طبيعي؟"

"أنام."

"متى؟"

توقف نوح.

"أنام."

"ليست إجابة." نقر على الطاولة برفق. "أهلك يعلمون؟"

"يعلمون ماذا؟"

"أنك تغيّرت."

الكلمة خرجت بهدوء.

بلا مرح هذه المرة. فقط هكذا. بسيطة. مباشرة. ثقيلة بما يكفي.

نظر نوح إلى الطاولة.

أراد أن يقول لم أتغير. أراد أن يقول أنا بخير. أراد أن يقول الجمل التي يقولها للمرآة كل صباح قبل أن يخرج.

لكنه قال بدلاً من ذلك:

"تقول إنك ناديتني مرتين؟"

"ثلاث."

"ثلاث." كرّرها كأنه يتحقق من رقم في حساب لا يستقيم. "لم أسمع."

"أعلم."

"لم أكن نائماً."

"أعلم هذا أيضاً." نظر إليه بجدية نادرة. "وهذا بالضبط ما يقلقني."

في الجهة الأخرى من الفصل، بعيداً عن هذه المحادثة بمقاعد كافية، كان إيرن يكتب.

ليس ملاحظات.

شيء آخر. في دفتر صغير لا يفتحه أمام أحد. خط صغير منتظم. عادة يومية لا تحتاج تفكيراً.

لم يكن يبدو مختلفاً.

هذا كان الجزء الأهم.

المقعد الصحيح. الزي الصحيح. الابتسامة الصحيحة حين يتطلب الأمر. يعرف متى يضحك. متى يصمت. متى ينظر إلى هاتفه المطوي كي يبدو مشغولاً.

تعلّم كل هذا.

ليس لأنه صعب.

بل لأن عائلته أوضحت منذ البداية: لا أحد يجب أن يلاحظ.

أغلق دفتره.

ومن زاوية نظره، دون أن يدير رأسه، لاحظ الطالب في المقاعد الأمامية.

الذي لم يتحرك منذ بدأ الفصل. الذي يحاول صديقه المرح جاهداً إعادته إلى الواقع.

لم يهتم.

أو هكذا أخبر نفسه.

لكن شيئاً صغيراً، لا يستحق الاسم بعد، جعله يبقي الطالب في طرف انتباهه.

لا سبب واضح.

فقط شيء.

رنّ الجرس.

عاد نوح إلى نفسه ووقف مع بقية الفصل.

"بعد المدرسة." قال سامي وهو يحمل حقيبته. "أنت وأنا. مشروب ساخن وحديث طويل. ليس اقتراحاً."

"حسناً."

"حسناً؟ لم أتوقع هذا."

"لأنني أعرف أنك لن تتوقف."

ابتسم سامي. ابتسامة حقيقية هذه المرة. بلا طبقة مسرحية فوقها.

"أنت تعرفني جيداً."

خرجا.

وعلى الطاولة التي تركها إيرن، كان هناك خدش خفيف في سطح الخشب.

في شكل لا يصنعه أحد عن قصد.

2026/05/02 · 4 مشاهدة · 592 كلمة
نادي الروايات - 2026