المقهى لم يكن بعيداً.
خمس دقائق سيراً. رصيف زجاجي مضيء يفصل بين مبنيين. منعطف واحد تحت جسر القطار المغناطيسي حيث الهواء دائماً أبرد بدرجتين.
نوح يعرف هذا الطريق عن ظهر قلب.
كان يسلكه منذ السنة الأولى. في معظم الأحيان مع سامي. وأحياناً وحده.
الأحيان الوحيدة كانت أكثر في الشهرين الأخيرين.
"أنا أدفع. لا جدال." قال سامي وهو يدفع الباب.
"لم أقل شيئاً."
"كنت ستقول."
المقهى صغير بالمعنى المريح. لا بالمعنى الضيق. طاولات خشبية داكنة. إضاءة دافئة مدمجة في السقف. جدار كامل من الزجاج الذكي يطل على الشارع، شفاف الآن لكن بإمكانه أن يتحول معتماً بلمسة.
شبه فارغ في هذه الساعة.
طالبة تحدق في شاشتها المطوية. رجل يقرأ على لوح رفيع كالورق.
جلسا في الزاوية المعتادة.
أمر سامي بسرعة كأنه يحفظ القائمة. ثم اتكأ على الطاولة بمرفقيه ونظر إلى نوح.
بالطريقة التي تعني أنه لن يبدأ بالكلام أولاً هذه المرة.
نوح نظر إلى الطاولة.
"لا أعرف كيف أشرح."
"حاول."
"كأن كل شيء يصل إليّ متأخراً. الأصوات. الوجوه. حتى كلامك الآن. أسمعه. لكن هناك فجوة بين سماعه وبين استيعابه."
"منذ متى؟"
"شهرين تقريباً."
صمت سامي لثانية.
"منذ الحادث."
لم يكن سؤالاً.
لم يردّ نوح. وهذا وحده كان رداً.
جاء المشروبان. وضعهما النادل بهدوء وابتعد.
"ذهبت لطبيب؟"
"أمي أخذتني قبل شهر."
"وقال؟"
"توتر ما بعد صدمة." أخذ رشفة صغيرة. "أعطاني أقراصاً. توقفت بعد أسبوعين."
"لماذا؟"
"لأنها لم تغير شيئاً. التأخر لا يزال موجوداً. فقط أصبحت أكثر نعاساً."
أدار سامي الكوب بين يديه ببطء.
كانت هناك أشياء كثيرة يريد قولها. نوح يعرف هذا. لكنه اختار واحدة فقط.
"أنت لست مجنوناً."
"لم أقل إنني كذلك."
"لكنك تفكر فيه."
لم يردّ نوح.
نظر إليه سامي. "ما حدث لم يكن شيئاً عادياً. أن ترى ما رأيته ثم تستيقظ في اليوم التالي وتكمل — هذا وحده يكفي لأن يفعل أشياء بالإنسان. لكن هذا لا يعني أنك مكسور."
"أعرف."
"لا. أنت لا تعرف." قاله بثبات. "لو كنت تعرف لما توقفت عن الأقراص وحدك. ولما قضيت شهرين تحاول أن تكون بخير دون أن تخبر أحداً."
الكلمات وصلت هذه المرة بلا تأخر.
"أنت أول من أخبرته."
"أعرف." خفّض صوته. "ولهذا أحتاج منك شيئاً واحداً فقط."
"ماذا؟"
"لا تختفي من جديد." نقر على صدغه برفق. "من هنا. لا تختفي من هنا."
نظر إليه نوح لحظة طويلة.
ثم للمرة الأولى منذ وقت لا يتذكر متى بدأ، ابتسم بشكل لم يكن فيه جهد.
"حسناً."
"حسناً." رفع سامي كوبه. "الآن اشرب قبل أن يبرد."
قضيا ساعة أخرى هناك.
تحدثا عن أشياء أصغر. معلم الرياضيات الذي يتأخر دائماً بنفس المقدار. مباراة خسر فيها فريق سامي بطريقة مهينة وصفها بتفاصيل مسرحية كاملة.
نوح استمع. وأحياناً ردّ. وأحياناً فقط أومأ.
لكنه كان حاضراً.
أو كان يحاول.
وفي بعض الأحيان، هذا يكفي.
خرجا عند الغروب.
المدينة في هذه الساعة تأخذ لوناً مختلفاً. الأبراج الزجاجية تعكس برتقالياً خافتاً. الشاشات الخارجية تبدو أكثر إضاءة. القطار المغناطيسي مرّ فوقهما بصمته المعتاد. خط أبيض رفيع يشق السماء ثم يختفي.
"غداً؟" قال سامي عند المنعطف.
"غداً."
مشى كل منهما في اتجاهه.
وبقي نوح وحده مع الشارع.
البيت لم يكن بعيداً.
وهذا لم يكن مريحاً دائماً.
فتح الباب بهدوء.
من الصالة جاء صوت والدته. تضحك على شيء ما. نفس الضحكة التي يحفظها. ثم صوت والده يردّ بجملة لم يسمعها كاملة.
وقف في المدخل لثانية.
ثم دخل.
والداه في الصالة كما توقع. أمه تحمل كوباً. أبوه يقرأ على الشاشة الجدارية. الإضاءة دافئة. المشهد مألوف.
كل شيء في مكانه الصحيح.
كل شيء.
بالضبط.
في مكانه.
الصحيح.
نظر إليهما.
ورأى ما يراه دائماً منذ شهرين. خيوطاً خفية تنسحب وتتقاطع في حركاتهما. كأن ما يتحرك ليس هما. بل شيء يحرّكهما.
ليست الحركات خاطئة. ليست الكلمات خاطئة.
كل شيء صحيح تماماً.
وهذا هو الخطأ.
"عدت. كيف كان يومك؟" قالت أمه.
"جيد."
"أكلت؟"
"مع سامي."
ابتسمت. نفس الابتسامة. ثم أعادت نظرها إلى كوبها.
جلس نوح على الكرسي المقابل ونظر إليهما.
وتساءل — ليس للمرة الأولى، لكن بحدة أكثر — متى آخر مرة قالا فيها شيئاً لم يقولاه من قبل.