استفاق دون مقدمات.

لم يسبقه حلم، ولا ألم، ولا ذلك الثقل المألوف الذي يرافق الاستيقاظ من نوم سيئ. كان الأمر أشبه بأن أحدهم أطفأ ظلامًا داخله ثم أشعل نورًا باهتًا خارجه. فتح عينيه فوجد نفسه واقفًا.

أمام حفرة هائلة.

كانت دائرة سوداء محفورة في أرضية معدنية، يتصاعد منها هواء بارد يحمل رائحة صدأ ومطر قديم. لم يكن لها قاع ظاهر، فقط عمق يبتلع النظر. حولها امتد رواق واسع بلا نوافذ، سقفه مرتفع ومضاء بمصابيح بيضاء لا تمنح دفئًا.

لم يكن وحده.

إلى يساره وقفت شابة ترتدي معطفًا جامعيًا وتحمل حقيبة صغيرة على صدرها كأنها درع. كانت تحدق في الحفرة وشفتيها ترتجفان دون صوت. قربها فتاة أخرى أطول منها بقليل، شعرها مربوط بإحكام، تنظر حولها بعينين حادتين، كأنها تبحث عن كاميرا خفية.

على يمينه جلس رجل مسن على مقعد معدني لم يلحظ البطل وجوده إلا بعد لحظات. بدلة فاخرة، عصا ذات مقبض فضي، وساعة تلمع في معصمه. كان يتنفس بضيق ويحاول الحفاظ على هيبة لم يعد يملكها.

أما الرابع فكان رجلاً عريض الكتفين، يقف واضعًا يديه في جيبي سترته الجلدية. عنقه يحمل وشم تنين يختفي نصفه تحت القميص. عيناه ضيقتان، ثابتتان، لا تسألان شيئًا. رأى البطل فيه خطرًا مباشرًا دون أن يعرف لماذا.

رفع نظره أخيرًا إلى نفسه. ثيابه هي ذاتها. يداه كما هما. قلبه ينبض بوتيرة عادية.

غريب.

كان يظن أن المواقف غير الطبيعية تستدعي شعورًا غير طبيعي.

"أين نحن؟"

صدر السؤال من الفتاة ذات الحقيبة. لم يجب أحد.

تقدّم الرجل المسن خطوتين وضرب الأرض بعصاه.

"من فعل هذا؟! أطالب بمعرفة—"

انفتح باب جانبي بصوت هادئ قاطع. خرج منه رجل نحيل يرتدي بدلة رمادية وربطة عنق زرقاء، يحمل لوحًا إلكترونيًا وقلمًا. مشى بخطوات سريعة كمن تأخر عن اجتماع.

ابتسم ابتسامة موظف مدرّب.

"أهلًا بكم في عالم الأمل."

ساد الصمت.

نظر الرجل إلى لوحه ثم تابع:

"أعتذر عن النقل المفاجئ. نعلم أن التجربة الأولى قد تكون مربكة لبعض الزوار."

"زوار؟!" صاحت الفتاة الثانية. "هل اختطفتمونا؟"

"مصطلح اختطاف غير دقيق قانونيًا." قالها دون أن يرفع عينيه. "أنا تود، موظف استقبال ميداني من هيئة عالم الأمل. سأرافقكم حتى نقطة النزول الأولى."

اقترب الرجل العريض خطوة.

"أعدني الآن."

رفع تود رأسه إليه، ثم سجّل شيئًا في لوحه.

"مستوى العدائية: مرتفع. حسنًا."

"أيها المجنون—"

أشار تود بيده نحو الحفرة. فصدر من جوفها صوت ميكانيكي عميق، ثم ارتفع مصعد دائري من الظلام، تحيط به قضبان سوداء. توقف أمامهم تمامًا.

"التحديات تختلف من حفرة إلى أخرى. قد تعتمد على الذكاء، أو التعاون، أو الاحتمال، أو الحسم. أنصحكم بعدم افتراض العدالة. العدالة ليست من اختصاصنا."

توقف لحظة ثم أضاف:

"إن رغبتم بالبقاء أحياء."

ابتلعَت الفتاة الأولى ريقها. الرجل المسن تمتم بشيء عن المحامين. الرجل العريض بصق على الأرض وصعد أولًا إلى المصعد.

تبعوه واحدًا واحدًا.

دخل البطل أخيرًا، ووقف قرب الحافة. نظر إلى الحفرة التي سيهبط فيها، فلم يشعر بالخوف. فقط فضول باهت.

لاحظ تود ذلك.

"أنت هادئ."

"هل يفترض أن أكون غير ذلك؟"

تأمله الموظف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة أصغر.

"سنرى."

أغلق الباب المعدني، وبدأ المصعد يهبط.

كانت الجدران تمر بجانبهم كأمعاء مدينة معدنية لا نهاية لها. أرقام الطوابق تُضاء ثم تختفي: -3، -9، -16...

الفتاة ذات الشعر المربوط سألت بصوت حاولت جعله ثابتًا:

"ماذا يحدث إن رفضنا اللعب؟"

"سؤال متكرر." قال تود. "الرفض شكل من أشكال المشاركة."

"وماذا نربح؟"

"ما يكفي لتخاطروا."

"وماذا نخسر؟"

رفع تود عينيه إليها.

"يعتمد على ما تبقّى لديكم."

توقف المصعد فجأة عند الطابق الأول.

انفتح الباب ببطء.

كانت هناك قاعة واسعة فارغة، أرضيتها بيضاء ناصعة، بلا أبواب ولا نوافذ. خرجوا مترددين. تود بقي داخل المصعد.

"من هنا أترككم. نتمنى لكم تجربة مُثمرة."

"انتظر!" صرخ الرجل المسن.

لكن الأبواب أغلقت، وهبط المصعد تاركًا صدى معدنيًا قصيرًا.

ثم تغيّر الهواء.

ظهر شيء في منتصف القاعة.

لم يأتِ من باب، ولم ينزل من سقف. كان هناك فجأة، كأن العين تأخرت في ملاحظته. هيئة سوداء أقرب إلى إنسان، طويلة، بلا تفاصيل واضحة. وجه بلا ملامح إلا فراغان حيث ينبغي أن تكون العينان.

لم يتحرك.

لكن صوته وصل إلى كل زاوية.

"الجدير يفوز."

ثم اختفى.

شهقت الفتاة الأولى. تراجع الرجل المسن خطوتين. الرجل العريض قبض يده حتى برزت عروقه.

أما البطل فحدق في المكان الذي وقف فيه الكائن.

بعد ثانيتين، تحولت الأرضية البيضاء تحت أقدامهم إلى أحمر داكن، كأن لونًا سائلًا صعد من باطنها.

وعاد الصوت، هذه المرة أخف... أقرب... وفيه شيء من المرح.

"مرحبًا مجددًا."

ظهر الكائن جالسًا فوق لا شيء، ساق فوق ساق، كأنه مضيف برنامج ترفيهي.

"اللعبة الأولى بسيطة. اسمها: من يأخذ السكين أولًا."

نظر الخمسة حولهم بفزع.

"القواعد؟ سهلة. كل دقيقة ستظهر سكين في يد أحدكم."

رفع إصبعًا أسود طويلًا.

"ومن يحملها... عليه أن ينجو."

توقف، ثم مال برأسه قليلًا.

"أو يقتل شخصًا واحدًا على الأقل."

ساد صمت كثيف.

وفي اللحظة نفسها... ظهرت السكين.

ظهرت السكين في منتصف القاعة.

لم تسقط من الأعلى، ولم تخرج من الأرض. كانت هناك فجأة، مستقرة فوق قاعدة معدنية قصيرة ارتفعت من البلاط الأحمر، نصلها يلمع تحت الضوء الأبيض البارد.

تراجع الجميع خطوة تلقائية.

إلا الرجل العريض.

كان غضبه قبل لحظات يشبه حيوانًا مربوطًا بسلسلة قصيرة؛ كتفاه متشنجتان، فكه مطبق، عيناه تبحثان عن شيء يضربه. لكن ذلك كله انطفأ فجأة، كما تنطفئ نار حين يُسكب عليها زيت لا ماء.

ثم ضحك.

ضحكة قصيرة أولًا، خرجت من صدره كاختبار، ثم اتسعت حتى انحنى قليلًا وهو يضرب فخذه بكفه.

"هاه... هاه... إذًا هذا ما كان يقصده الشبح."

نظر إليه الآخرون دون فهم.

رفع رأسه ببطء، ومسح زاوية فمه بإبهامه.

"قال لي: ستجد مكانًا أخيرًا لا يكذب فيه أحد."

تقدّم نحو السكين بخطوات واثقة. لم يجرؤ أحد على منعه. حتى الرجل المسن الذي فتح فمه ليعترض أغلقه فور أن التقت عيناه بعينيه.

انحنى الرجل العريض، وأمسك المقبض كما يمسك شخص شيئًا يعرفه منذ زمن طويل.

رفع النصل أمام وجهه.

ثم أخرج لسانه... ومرّره ببطء على حافته.

شهقت الفتاة ذات الحقيبة، وتراجعت حتى اصطدمت بزميلتها.

"مجنون..." همست.

ابتسم الرجل العريض. لم يبدُ الألم على وجهه، فقط متعة غريبة.

خط رفيع من الدم ظهر على طرف لسانه، فابتلعه وهو يضحك.

"حادّة."

دار نحوهم واضعًا السكين على كتفه كما لو كانت لعبة.

"أحب الأماكن الواضحة."

قالها ثم أشار بالنصل إلى السقف.

"في الخارج، يقتلونك بابتسامة. هنا على الأقل يقولونها مباشرة."

الرجل المسن رفع عصاه المرتجفة.

"اسمعني جيدًا... إن اقتربت مني سأجعلك—"

اندفع الياكوزا نحوه نصف خطوة فقط، فتراجع العجوز فورًا واختنق صوته في حلقه.

ضحك الرجل العريض مرة أخرى.

"المال لا يعمل هنا، أيها الجد."

ثم التفت إلى الفتاتين.

"ولا الدموع."

تجمّدت الأولى في مكانها، بينما شدّت الثانية فكها وحاولت أن تبدو ثابتة.

وأخيرًا، نظر إلى البطل.

توقفت الضحكة قليلًا.

كان الوحيد الذي لم يتحرك.

لا خوف ظاهر، لا اعتراض، لا توسل. فقط نظرة ساكنة تراقب ما يحدث كما لو كان يقرأ خبرًا قديمًا.

قطّب الرجل العريض حاجبيه.

"وأنت؟"

لم يجب البطل.

اقترب منه أكثر، حتى صار النصل على بعد شبر من عنقه.

"ألا تخاف؟"

تأمل البطل السكين، ثم وجه الرجل، ثم قال بهدوء صادق:

"أحاول أن أعرف... لماذا لحستها."

ساد صمت قصير.

الفتاة الثانية حدّقت فيه بعدم تصديق. الرجل المسن تمتم: "أحمق..."

أما الرجل العريض، فثبت مكانه لحظة، ثم انفجر ضاحكًا بصوت أعلى من السابق.

"أنت معطوب."

خفض السكين، ومسح الدم عنها بطرف سترته.

"أحب المعطوبين."

في أعلى القاعة، دوّى صوت المراقب من جديد، بنبرة مسلية:

"تبقّت خمسون ثانية."

اختفت الابتسامة من وجه الرجل العريض فورًا.

نظر إلى السكين.

ثم إلى الأربعة الآخرين.

وعاد الصمت أثقل من السابق.

ثبتت على وجه البطل ملامح باردة، جامدة، أقرب إلى السأم منها إلى الخوف. كان المشهد أمامه—سكين، غرباء، دم محتمل—يستحق شيئًا من الاضطراب، لكنه لم يجد داخله ما يناسبه.

تنهد، ثم جلس القرفصاء على الأرضية الحمراء، واضعًا كوعيه على ركبتيه.

"هاه..." قال متأوهًا كمن أُجبر على الاستيقاظ مبكرًا. "أنا متعب بجدية."

رفع عينيه إلى السقف للحظة.

"لا أفهم أي شيء الآن. على الأرجح ذلك الشبح أتى بنا هنا."

التفت إليه الرجل العريض فورًا. تقلصت ابتسامته قليلًا.

"ويلك... ما أنت بفاعل؟"

أجاب البطل دون أن يغير جلسته:

"اقتل العجوز... وأمّن نفسك."

ساد الصمت.

حتى صوت بكاء الفتاة الأولى انقطع لثانية من هول البساطة التي قيلت بها الجملة.

صرخ الرجل العريض:

"لِمَ لا أقتلك أنت؟"

رفع البطل كتفيه بكسل.

"ماذا يفعل العجوز هنا؟ لقد عاش الكثير."

تجمد الرجل المسن في مكانه. عيناه اتسعتا حتى بدتا أصغر داخل تجاعيد وجهه.

"أيها الوغد..."

نظر إلى البطل كما لو أن العالم كله خانه فجأة.

الفتاة الأولى انفجرت بالبكاء.

"ما هذا بحق الجحيم؟! ما هذا؟!"

كانت تمسك رأسها بكلتا يديها، ركبتاها ترتجفان.

أما الفتاة الثانية فبقيت صامتة. وجهها شاحب، وعيناها معلقتان بالبطل. لم يكن الخوف هو ما فيهما الآن، بل شيء أشد حدة.

احتقار.

نظرة حقد صافية، لأنها رأت شخصًا يقترح الموت ببرود أكثر مما يفعله القتلة.

في أعلى القاعة، عاد صوت المراقب:

"تبقّت ثلاثون ثانية."

شهق العجوز، وعقد لسانه داخل فمه. حاول الكلام فلم يخرج سوى أصوات مبتورة. تعثر وسقط من فوق المقعد المعدني على جانبه، ثم بدأ يزحف على بطنه، دافعًا نفسه بعصاه المرتجفة.

"لا... لا... انتظروا..."

لكن أحدًا لم ينتظر.

اندفع الرجل العريض نحوه كحيوان فُتح له القفص. أمسك كتف العجوز بيده اليسرى، ورفع السكين باليمنى.

الطعنة الأولى دخلت الظهر بصوت رطب.

صرخت الفتاة الأولى:

"توقف!"

الطعنة الثانية أسرع.

الثالثة أعمق.

العجوز صاح صرخة قصيرة خرجت كهواء ممزق، ثم صار يلهث ويضرب الأرض بكفه المفتوحة.

الفتاة الثانية هرعت نحو زميلتها وغطت عينيها بيديها، لكن صرخات العجوز كانت كافية لرؤية كل شيء.

أما البطل...

فنهض ببطء.

بدأ يمشي خلف الرجل العريض بخطوات ثقيلة، هادئة، كأنه يتجول في متحف ممل.

"تبقّت خمس ثوانٍ."

رفع الرجل العريض رأسه، ويده لا تزال تقبض السكين الملطخة.

"أربع."

استدار نصف استدارة نحو البطل.

"ثلاث."

ابتسم.

"اثنتان."

ثم—

اختفت السكين من يده.

توقف الزمن داخل صدورهم.

العجوز ينزف ويصرخ على الأرض.

الرجل العريض نظر إلى كفه الفارغة بعدم تصديق.

وفي جزء من الثانية، ظهرت السكين خلفه مباشرة...

في يد البطل.

تجمّد الرجل العريض لجزء من ثانية وهو يحدّق في الكف الفارغة.

وكان ذلك كافيًا.

اندفع البطل من الخلف بلا صوت، وغرس السكين بكل ما في ذراعه من قوة في جانب عنقه. اخترق النصل الجلد واللحم حتى توقف نصفه داخل الرقبة، وبقي المقبض بارزًا يهتز.

خرج من الرجل صوت مختنق، نصفه شهيق ونصفه غرغرة.

ترنح للأمام، ثم استدار بعنف، ويداه تبحثان عن خصمه كأعمى مذعور. أمسك قميص البطل من الصدر بكلتا يديه، وبدأ يخنقه بينما الدم يتدفق من عنقه كنافورة سوداء تحت الضوء الأحمر.

لم يقاوم البطل كثيرًا.

كان يراقب.

في أعلى القاعة، دوّى صوت المراقب بنبرة مرحة:

"تم تفعيل بروتوكول نزع السكين من صاحب الدور."

توقفت أنفاس الجميع.

"العقوبة: الإقصاء الفوري."

في اللحظة التالية—

انفجر رأس الرجل العريض.

صوت مكتوم، ثم تناثر لحم ودم وعظم على الجدران والأرضية والوجوه. سقط الجسد بلا رأس على ركبتيه أولًا، ثم انهار جانبًا ككومة قماش ثقيل.

صرخت الفتاة الأولى حتى انقطع صوتها.

أما الثانية فبقيت جامدة، وقطرات الدم على خدها لا تتحرك.

رفع البطل يده ومسح أثرًا صغيرًا من الدم عن جبينه، ثم انحنى فوق الجثة.

بدأ يفتش جيوبها بهدوء.

أخرج سكينًا صغيرًا قابلًا للطي.

ثم سحب حزام السروال بعنف، فصدر صوت احتكاك معدني حاد. لف الحزام حول معصمه مرة واحدة، ووقف.

في تلك اللحظة، اختفت السكين من يده.

وظهرت في يد الفتاة الأولى.

شهقت وهي تنظر إلى المقبض المرتجف بين أصابعها.

"لا... لا... لا أستطيع... لا أستطيع فعل هذا..."

كانت تبكي بصوت عالٍ، تتراجع خطوة وتقترب أخرى، كأن الأرض تحترق تحت قدميها.

الفتاة الثانية، التي كانت تحدق بالبطل منذ البداية، بدأت الدموع تنزل من عينيها أخيرًا.

لكنها لم تكن دموع خوف.

كانت غضبًا خالصًا.

صرخت واندفعت نحوه بكل قوتها، محاولة إسقاطه أرضًا.

اصطدمت به فعلًا، لكن البطل أمسكها من ذراعها والتف حولها بسرعة، مثبتًا جسدها أمامه. فتح السكين الصغير ووضعه قرب عنقها.

قال بصوت بارد:

"انتهت اللعبة بالنسبة لك، للأسف."

اتسعت عيناها، ثم تشنّج فكها.

في أعلى القاعة، عاد العدّاد:

"ثلاث ثوانٍ."

الفتاة الأولى ما تزال تبكي، والسكين ترتجف في يدها.

"اثنتان."

اختفت السكين من يدها—

وظهرت في يد الفتاة الثانية، المقيّدة بين ذراعي البطل.

في اللحظة نفسها ركل البطل معصمها بقدمه من الأسفل. طار النصل وسقط يدور على الأرض.

دفَعها بعيدًا فسقطت على ظهرها، والهواء يخرج من صدرها بقوة.

تقدّم خطوة ولكمها في وجهها لكمة ثقيلة.

ارتطم رأسها بالأرض، وبصقت دمًا وهي تلهث.

ثم انحنى، أمسك سكينه الصغير، وحرّك به السكين الساقطة على الأرض دافعًا إياها نحوها كما لو كان يناولها أداة.

قال دون انفعال:

"دافعي عن نفسك."

كانت الفتاة الأولى واقفة قربهما، تبكي وتنتحب، لا تفهم ما يحدث.

نظرت إلى السكين المتوقفة قرب يد زميلتها.

ثم، كأن يدًا أخرى حرّكتها، انحنت والتقطتها بلا وعي.

في اللحظة ذاتها، دوّى صوت المراقب:

"تم تأكيد الاستحواذ."

ثم—

انفجر رأسها.

تناثر الدم على وجه الفتاة الثانية وهي لا تزال على الأرض.

تجمدت تمامًا.

حدّقت بجثة صديقتها، ثم بيديها، ثم بالسكين.

واقتنعت في تلك الثانية أنها هي من قتلتها.

ساد القاعة صمت ثقيل.

ثم عاد صوت المراقب، سعيدًا:

"انتهت اللعبة الأولى."

في لحظة واحدة، خمد كل شيء.

الأرضية الحمراء بدأت تفقد لونها تدريجيًا، كأن الدم يُسحب منها إلى مكان لا يُرى، حتى عادت القاعة إلى بياضها البارد الأول.

صمتٌ ثقيل.

كأن المكان لم يقتل أحدًا قبل قليل.

الفتاة الحاقدة وقفت في مكانها.

كانت تحدق في بويد هانتر بعينين متسعتين، مليئتين بشيء لم يعد غضبًا فقط... بل كراهية خالصة.

عضّت شفتها بقوة حتى جرحَت نفسها، وسال الدم على طرف فمها، لكنها لم تنتبه.

كانت تبكي.

لكن بكاءها لم يكن ضعفًا.

كان احتراقًا داخليًا.

أما بويد...

فكان ينظر إلى الأرض.

إلى آثار ما حدث.

إلى الدم الذي لم يعد موجودًا، وكأنه يحاول التأكد أن كل شيء كان حقيقيًا.

ثم...

ضحك.

ضحكة صغيرة في البداية، قصيرة، كأنها خرجت دون إذن منه.

ثم تكبّرت.

ارتفعت.

تحولت إلى ضحك واضح، صدى قاسٍ في القاعة البيضاء.

رفع يديه قليلًا، كأنه لا يصدق ما يحدث... أو كأنه يستمتع بفوضى لا يفهمها.

ضحك أكثر.

ثم توقف فجأة.

كأن شيئًا داخله انكسر.

الضحكة انقطعت في منتصفها وتحولت إلى ارتعاش خافت.

انحنى بويد ببطء...

ثم سقط على ركبتيه.

و...

بكى.

ليس دمعة واحدة.

بل انهيار كامل.

بكاء لم يكن يشبه الخوف، ولا الندم فقط... بل كأن شيئًا أقدم منه بكثير استيقظ فجأة.

جسده يرتجف، ويداه على الأرض، وصوته يخرج مكسورًا بين أنفاسه:

"سامانثا..."

توقف لحظة.

كأن الاسم يؤلمه أكثر من كل ما حدث.

ثم همس:

"ارجوكِ... سامحيني."

رفع رأسه قليلًا، وعيناه فارغتان تمامًا.

"أنا... لست إنسانًا."

وساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة...

لم يكن صمت القاعة.

بل صمت شخص بدأ يدرك أنه لا يعرف نفسه.

2026/05/15 · 3 مشاهدة · 2255 كلمة
نادي الروايات - 2026