بينما كانت إيميليا تمشي خلف تود في الممر الطويل نحو فندق المبتدئين، شعرت فجأة بأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
توقفت.
وضعت يدها على صدغها.
"ما... هذا؟"
لم يكن ألمًا عاديًا.
كان شيئًا يشبه انشقاقًا داخليًا، كأن عقلها فُتح رغماً عنها.
وفجأة...
تغير العالم من حولها.
لم تعد في الممر.
كانت في فيلا هادئة، ضوء الشمس يدخل من النوافذ الواسعة، وصوت البحر بعيدًا في الخلفية.
كان كل شيء جميلًا بشكل مؤلم.
شهر العسل.
هي وزوجها.
ضحكات خفيفة، كوبان على الطاولة، حياة تبدو كاملة.
ثم...
طرق على الباب.
ظهر رجل عند المدخل.
برونو.
ابن عمها.
كان يحمل شيئًا في يده يخفيه خلف جسده.
نظراته كانت غير مستقرة، ضائعة، كأن عقله لا يستطيع البقاء في مكان واحد.
"أحتاج مالًا..." قال بصوت متقطع.
إيميليا شدّت يد زوجها.
"لا، برونو... اذهب."
تغير وجهه فجأة.
ارتجف.
ثم أخرج المسدس.
تجمد الهواء.
زوجها تحرك فورًا، أمسك الهاتف.
"سأتصل بالشرطة."
"لا... لا تتصل... لا تتصل!"
صوته أصبح أعلى، أقرب إلى الصراخ.
يده ترتجف بشكل عنيف.
"لدينا حالة—"
لم يكمل زوجها الجملة.
دويّ.
سقط كل شيء.
الهاتف وقع على الأرض.
الزمن لم يعد يتحرك بشكل طبيعي.
صوت برونو كان يرتجف وهو يحدق في ما فعله.
"قلت لك... لا تتصل بالشرطة... قلت لك..."
ثم اختفى كل شيء.
عادت إيميليا إلى الممر.
ركعت على ركبة واحدة وهي تلهث، كأنها خرجت من غرق طويل.
عيناه مفتوحتان.
يدها ترتجف.
في الخلف، تود توقف قليلًا ونظر إليها دون تعليق.
لكن لم يكن في وجهه دهشة.
بل شيء أقرب إلى: "هذا يحدث دائمًا."
واصلت إيميليا طريقها نحو المكتبة، لكن خطواتها لم تعد ثابتة كما كانت قبل دقائق.
كان رأسها ما يزال مثقلًا بتلك الذاكرة... صوت الطلق، ارتجاف برونو، وسقوط زوجها كأنه انطفاء مفاجئ للحياة نفسها.
حاولت أن تتنفس بعمق، أن تستعيد عقلها، أن تقنع نفسها أن هذا المكان مجرد نظام غريب مؤقت... وأن كل شيء سيعود كما كان.
لكن شيئًا في داخلها لم يعد يصدق ذلك بسهولة.
وأثناء مرورها عبر أحد الممرات الواسعة، توقفت.
أمامها جنازة.
لم تكن جنازة صامتة.
كان هناك بكاء حقيقي، صراخ مكتوم، أناس ينهارون على الأرض، وأيدٍ ترتجف وهي تلمس نعشًا بسيطًا موضوعًا في المنتصف.
الجو كان ثقيلًا... ثقيلًا بطريقة غير مألوفة.
وقفت إيميليا تنظر.
ثم فكرت، ببراءة مرتبكة:
"لكن... أليس هذا العالم هو عالم الأمل؟"
"أليس الجميع يعود إلى الواقع؟"
"لماذا يبكون هكذا إذًا؟"
اقتربت منها فتاة كانت تقف على الجانب، تراقب المشهد بصمت.
كانت ملامحها هادئة، لكنها تحمل ذلك النوع من التعب الذي لا يختفي بسهولة في هذا المكان.
ترددت إيميليا لحظة، ثم سألت بصوت منخفض:
"عذرًا... قد يكون سؤالي غبيًا، لكن... لماذا هم بهذه الحالة؟"
توقفت قليلًا، ثم أضافت وكأنها تحاول الاعتذار عن وجودها نفسه:
"إذا كان هذا العالم مجرد محطة... أليس من المفترض أن يعود؟"
سادت لحظة صمت.
ثم أجابت الفتاة بهدوء:
"لأنه مستوطن."
"ماذا؟"
نظرت الفتاة إليها مباشرة هذه المرة.
"أنتِ جديدة، أليس كذلك؟"
أومأت إيميليا ببطء.
تابعت الفتاة:
"هناك نوعان من الناس هنا."
"مستدعون... ويمكنهم العودة إلى العالم الحقيقي بعد انتهاء تجربتهم."
توقفت لحظة، ثم نظرت نحو الجنازة.
"ومستوطنون."
"المستوطنون... وُلدوا في هذا العالم."
"لم يأتوا من الخارج."
"إذا ماتوا هنا... لا يعودون إلى أي مكان."
سكتت.
ثم أضافت بصوت أخف:
"لا يوجد واقع آخر لهم."
تجمدت إيميليا في مكانها.
عيناها اتسعتا قليلًا، وكأن فكرة واحدة فقط بدأت تتشكل داخل عقلها:
"إذن... الموت هنا... حقيقي."
نظرت مجددًا إلى الجنازة.
الأم تبكي فوق الجسد.
رجل يضرب الأرض بقبضته.
طفل صغير لا يفهم لماذا لا يتحرك أحدهم بعد الآن.
شيء في صدرها انقبض.
همست الفتاة:
"هنا... ليس كل شيء فرصة ثانية."
استدارت إيميليا ببطء.
وواصلت طريقها نحو المكتبة.
لكن وجهها لم يعد كما كان.
كان شاحبًا.
هادئًا بشكل غير طبيعي.
وكأن جزءًا صغيرًا من يقينها الأول قد انكسر بصمت.
وقفت إيميليا أمام المبنى.
لم يكن فخمًا كما توقعت، ولا قديمًا كما تخيلت.
كان هادئًا بشكل مزعج... كأنه لا ينتمي إلى نفس العالم الذي شاهدت فيه السكين والدم والجنازة قبل دقائق.
فقط لوحة صغيرة على الباب:
"مكتبة التايم لاين – فرع الاستعلام"
دفعت الباب ودخلت.
الهواء داخل المكتبة مختلف.
أثقل.
ليس رطبًا ولا باردًا... بل كأن كل فكرة فكرت بها يومًا موجودة في الجو نفسه.
صفوف طويلة من الكتب تمتد بلا نهاية واضحة.
لكن الغريب...
أن بعض الكتب كانت تتحرك ببطء في أماكنها، وكأنها تبحث عن قارئها.
إيميليا توقفت.
"هذا... ليس طبيعيًا."
"لا شيء هنا طبيعي."
صوت جاء من الجانب.
التفتت.
كان هناك رجل يجلس خلف مكتب مرتفع، مغطى بأوراق وملفات كثيرة.
لم ينظر إليها مباشرة، لكنه قال بهدوء:
"أنتِ جديدة."
لم ترد.
اقتربت خطوة.
"أنا... أريد فهم هذا المكان."
أغلق الرجل ملفًا أمامه ببطء.
"الجميع يريد ذلك في البداية."
ثم أشار إلى رف طويل خلفه.
"المكتبة لا تعطي إجابات."
"هي تعطي... أجزاء من الحقيقة."
سكت لحظة.
ثم أضاف:
"وهذا أخطر من الجهل."
شعرت إيميليا بشيء غريب.
ليس خوفًا.
بل إحساس أنها تقف أمام شيء أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
"ما هو عالم الأمل؟" سألت مباشرة.
لم يرد فورًا.
ثم قال:
"مكان بين العوالم."
"ليس حياة... وليس موت."
ثم نهض أخيرًا، وبدأ يسير بين الرفوف.
"كل شخص هنا تم سحبه من نقطة ما في وجوده."
"لكن ليس كلهم نفس النوع."
توقف عند رف معين، وأخذ كتابًا دون أن ينظر إليه.
"هناك المستدعون."
فتح الكتاب.
"يدخلون... ويعودون... إذا نجوا."
قلب الصفحة.
"وهناك المستوطنون."
"وُلدوا هنا."
"ولا يعرفون شيئًا آخر."
ثم أغلق الكتاب.
"لكن... هذا ليس كل شيء."
اقترب منها أكثر.
"هناك شيء ثالث لا يُقال بسهولة."
صمت.
ثم قال أخيرًا:
"الانقسامات الزمنية."
تجمدت إيميليا.
"ماذا تعني؟"
نظر إليها أخيرًا مباشرة.
هذه المرة فقط.
"يعني أن الشخص الواحد... لا يوجد دائمًا في نسخة واحدة من الواقع."
"بعض الناس... يعيشون أكثر من خط زمني."
شعرت إيميليا أن رأسها بدأ يثقل مرة أخرى.
ثم أضاف:
"ولهذا السبب... البعض يتذكر أشياء لم تحدث له."
صمت.
"والبعض... يعود من الموت وهو لا يعلم لماذا عاد."
خطوة واحدة داخل المكتبة شعرت فجأة بأنها أثقل من كل ما قبلها.
ثم التفت الرجل نحوها فجأة:
"اسمك؟"
"إيميليا."
سجل الاسم في ورقة.
ثم قال بهدوء:
"حسنًا... إيميليا."
"سأعطيك كتابًا واحدًا فقط اليوم."
أخذ كتابًا صغيرًا من الرف ووضعه أمامها.
لم يكن له عنوان واضح.
فقط كلمة واحدة مطبوعة بخفوت:
"الاختيار"
"اقرئيه جيدًا."
"لأن هذا المكان لا يشرح نفسه مرتين."
نظرت إليه.
ثم إلى الكتاب.
ثم شعرت بشيء غريب جدًا:
كأن جزءًا من حياتها السابقة لم يعد مهمًا كما كان.
وفي نفس اللحظة...
بعيدًا جدًا، في مكان آخر من عالم الأمل...
بويد هانتر رفع رأسه فجأة دون سبب واضح.
كأن شيئًا ما...
بدأ يتغير.
كانت القاعة بيضاء بالكامل، بلا زوايا واضحة، كأنها ليست مبنية في مكان بل معلّقة داخل فراغ محكم.
بويد هانتر كان يقف في المنتصف.
يداه خاليتان.
وعيناه لا تحملان يقينًا كاملًا بما يحدث.
أمامَه جلس عدد من القضاة، لا تظهر وجوههم بوضوح، فقط ظلال بشرية خلف طاولة طويلة.
صوت أحدهم خرج باردًا:
"بويد هانتر... تم تسجيل عودتك إلى عالم الأمل دون تصريح."
توقف.
"لماذا أخفيت رجوعك؟"
ساد الصمت.
بويد رفع رأسه ببطء.
ثم قال بصوت هادئ، لكنه متعب:
"أنا لا أعرف كيف عدت أصلًا."
تغيرت همهمة القاعة قليلًا.
أكمل:
"آخر ما أتذكره... هو الشبح."
"ثم... فقدت كل شيء."
سكت لحظة.
"وعندما عدت... كانت ذاكرتي فارغة."
أحد القضاة تحرك في مقعده.
"ومع ذلك، استعدت ذكرياتك لاحقًا."
أومأ بويد.
"نعم."
"لكن ليس بإرادتي."
رفع نظره قليلاً.
"بمجرد أن دخلت مجددًا... المراقب ناداني."
"وكأن شيئًا بداخلي... كان معروفًا له مسبقًا."
صمت ثقيل.
ثم قال:
"أنا لم أهرب."
"أنا كنت ضائعًا."
مر وقت طويل داخل القاعة.
أسئلة كثيرة.
إجابات أقل.
لكن في النهاية...
انخفضت الأصوات.
صوت الحكم جاء أخيرًا:
"يتم تحرير بويد هانتر مؤقتًا... تحت المراقبة."
اختفى التوتر فجأة، كأن القاعة أغلقت ملفه مؤقتًا وليس حسمته.
خرج بويد دون أن ينظر خلفه.
هواء عالم الأمل كان مختلفًا.
لكن هذه المرة... لم يكن غريبًا عليه.
كان مألوفًا بشكل مزعج.
مشى مباشرة نحو المكتبة.
دون تردد.
دون سؤال.
كأنه يعرف الطريق قبل أن يفكر فيه.
عند دخوله، لم يحتج أن يشرح نفسه.
لم يحتج أن يقول اسمه.
صاحب المكتبة رفع رأسه فقط.
نظر إليه لحظة.
ثم قال بهدوء:
"رجعت إذًا."
بويد لم يرد.
الرجل نهض، واتجه نحو رف معين دون أن يُسأل.
أخذ كتابًا صغيرًا.
ووضعه في يد بويد مباشرة.
"هذا هو كتابك هذه المرة."
بويد نظر إلى الغلاف.
لم يسأل عن العنوان.
لأنه شعر بشيء غريب:
ليس أنه يرى الكتاب لأول مرة...
بل كأنه كان ينتظره منذ زمن .
في اللحظة نفسها، بعيدًا في المكتبة...
إيميليا كانت تقرأ كتاب "الاختيار".
وتوقفت فجأة.
كأن الصفحة التي بين يديها ارتبطت بشيء آخر في نفس اللحظة.
وبويد... فتح الكتاب
كان الكتاب بين يدي بويد هانتر أثقل مما يبدو.
لم يكن ثِقلًا ماديًا... بل شعورًا بأن الكلمات فيه ليست مجرد معلومات، بل تحذيرات مخفية بين السطور.
كان يقلب الصفحات بصمت.
حتى وصل إلى قسم غير معنّون بوضوح.
قرأ بويد ببطء:
"الجود جارد: أولئك الذين يحافظون على توازن الذاكرة بين العوالم." "الباد جارد: أولئك الذين كُسرت توازناتهم داخل الحفرة."
توقف.
ثم سطر صغير مختلف عن باقي النص، كأنه مكتوب يدويًا:
"احذر من المراقب الثاني."
لم يتحرك وجهه.
لكن عينيه ثبتتا على الجملة لفترة أطول مما ينبغي.
كأن عقله حاول رفضها قبل أن يفهمها.
أغلق الكتاب ببطء.
ثم أعاد فتحه... لكن لم يكن هناك شيء جديد.
كأن الجملة لم تكن موجودة أصلًا.
كانت جالسة داخل زاوية هادئة من المكتبة.
الكتاب أمامها مفتوح على صفحة طويلة مليئة بتصنيفات وأنظمة.
كانت تقرأ بصوت منخفض داخل رأسها:
"تنقسم الألعاب إلى نوعين: ألعاب عقلية وألعاب جسدية." "وكلاهما يندرج تحت الألعاب التضادية أو الألعاب التعاونية."
ثم ملاحظة مكتوبة بخط مختلف:
"كما أضاف أكبر مستكشف في عالم الأحلام."
توقفت.
ثم قرأت السطر التالي ببطء:
"لا تذهب إلى الحفرة مع محبوبك... أو سيضطر أحدكما لقتل الآخر."
صمتت.
أعادت قراءة الجملة مرة أخرى.
ثم همست لنفسها:
"هذا... لا معنى له."
تابعت القراءة.
"لا توجد ضغينة في الألعاب." "ومن يخالف هذه القاعدة في عالم الأمل... سيتم اعتقاله."
أغلقت الكتاب ببطء.
شعرت بثقل غريب في رأسها، ليس تعبًا جسديًا فقط، بل كثرة معلومات لا يمكن ترتيبها بسرعة.
وقفت.
أخذت الكتاب بين ذراعيها.
"فندق المبتدئين..."
تمتمت وهي تستدير.
لكنها توقفت فجأة.
أمامها.
كان يقف بويد هانتر.
لم يكن يتحرك.
ولا ينظر إليها مباشرة.
كأنه كان هناك قبل أن تصل، أو كأنه لا يزال جزءًا من المكان نفسه.
سكتت إيميليا.
ثم قالت بصوت منخفض، متردد:
"أنت..."
رفع بويد عينيه ببطء.
ولأول مرة منذ بداية هذا الفصل...
لم تكن نظرته فارغة تمامًا.
بل... فيها شيء صغير جدًا.
غير مفهوم.
كأنه اعتراف صامت بأن شيئًا ما بدأ يتكرر.
وانتهى المشهد على هذا الصمت.
كانت إيميليا تتبّع بويد من بعيد.
ليس لأنها فهمت ما يريده... بل لأنها لم تفهم لماذا لا تستطيع تجاهله.
خطواته كانت ثابتة، لكن فيها شيء غريب، كأنها ليست خطوات شخص في وعيه الكامل.
توقف فجأة.
لم تلاحظ إيميليا ذلك إلا بعد فوات الأوان.
اختفى من الشارع الرئيسي ودخل زقاقًا ضيقًا بين مبنيين قديمين.
ترددت.
لكنها تبعته.
داخل الزقاق، كان الضوء أقل، والصمت أثقل.
خطوة...
ثم خطوة أخرى.
فجأة—
اختفى الشعور بالأمان تمامًا.
"ماذا تريدين مني؟"
صوت بويد جاء من أمامها مباشرة.
قبل أن تلتفت بالكامل، أمسك يدها بقوة.
لم يكن عنفًا فقط... بل إرهاق.
يده كانت ساخنة، متعرقة، ترتجف بشكل خفيف.
وجهه قريب جدًا منها، وعيناه ليست ثابتتين.
"ماذا تريدين مني أيتها البلهاء؟"
قالها بصوت منخفض، لكنه محطم من الداخل.
إيميليا لم تستطع الرد فورًا.
ليس خوفًا فقط... بل لأنها رأت شيئًا في وجهه لم تفهمه.
كأن شخصًا آخر يتكلم من داخله.
وفجأة—
صوت اصطدام حاد.
لكمة قوية ضربت بويد من الجانب وأسقطته خطوة للخلف.
ظهر رجل.
طويل، مفتول العضلات، جلده ناصع البياض بشكل غير طبيعي، وشعره أزرق طويل ينسدل خلفه كخيط من ضوء بارد.
تقدم خطوة أمام إيميليا بسرعة.
"سيدتي... هل أنتِ بخير؟"
تجمدت لحظة، ثم قالت:
"نعم... أنا بخير."
أومأ لها بهدوء، وكأنه تأكد من شيء ما، ثم وقف بجانبها لحمايتها.
لكن إيميليا...
لم تنظر إليه بالكامل.
كانت عيناها، من زاوية خفية، عالقتين على بويد.
بويد كان على الأرض.
لم يحاول الوقوف فورًا.
بل كان يرتجف.
يمسك رأسه بيديه.
ثم بدأ يهمس بصوت منخفض، مكسور، وكأنه يتحدث إلى شخص غير موجود:
"سامانثا..."
رفع رأسه ببطء.
عيناه فارغتان تقريبًا.
"سئمت من كل هذا..."
صمت.
ثم ارتجف صوته أكثر:
"سئمت من هذه الحياة."
ضغط يديه على الأرض.
"أقسم... أقسم أنني سأرجعك إلي..."
توقفت الكلمات.
كأن الجملة لا تكتمل حتى داخل عقله.
إيميليا لم تتحرك.
والرجل ذو الشعر الأزرق وقف أمامها، يراقب بويد بصمت حذر.
لكن داخل الزقاق...
كان واضحًا أن شيئًا في بويد لم يعد تحت السيطرة بالكامل
كانت إيميليا واقفة في مكانها، لكن داخلها كان يغلي.
لم يكن الخوف هو ما شعرت به تجاه بويد...
بل شيء أقرب إلى الاحتقار الخالص.
نظرتها نحوه كانت حادة، مليئة بغضب مكبوت، كأنها تراه سبب كل الفوضى التي مرت بها منذ دخولها هذا العالم.
أما الرجل ذو الشعر الأزرق، فقد لاحظ ذلك الصمت الغريب في عينيها.
ثم نظر إلى بويد.
كان بويد لا يزال على الأرض، يلهث، يحاول أن يوازن نفسه، لكن شيئًا فيه كان قد بدأ ينهار بالكامل.
تقدم الرجل خطوة.
ثم أمسك بويد من ملابسه.
قبل أن يتمكن الأخير من رد الفعل...
رفعه بعنف.
ضربة أولى.
اصطدم جسد بويد بالأرض بقوة هائلة.
صوت الارتطام ملأ الزقاق.
ضربة ثانية.
ثم ثالثة.
الرجل كان يضربه بلا تردد، وكأنه يفرغ أمرًا إداريًا أكثر من كونه قتالًا.
بويد لم يقاوم كثيرًا.
حاول رفع ذراعه مرة... ثم فشل.
محاولته الثانية كانت أبطأ.
ثم بدأت حركته تضعف تدريجيًا.
الدم بدأ يظهر.
تنفسه أصبح متقطعًا.
وأخيرًا...
توقفت الحركة تمامًا.
سقط جسده بلا وعي على الأرض.
ساد صمت ثقيل في الزقاق.
الرجل ذو الشعر الأزرق نظر إليه للحظة، ثم تركه.
لم يقل شيئًا.
فقط وقف، كأنه أنهى مهمة غير مهمة.
إيميليا لم تتحرك.
لكن عينيها لم تعد كما كانت قبل لحظات.
كان فيها شيء جديد الآن...
ليس فقط الاحتقار.
بل بداية ارتباك لا تريد الاعتراف به.
وبويد...
كان فاقد الوعي، والدم على جانب وجهه، والزقاق حوله هادئ بشكل غير طبيعي.
ظل بويد هانتر ممددًا على الأرض، بلا حركة، والدم يمتد تحته في خطوط رفيعة فوق حجارة الزقاق الباردة.
أما إيميليا... فنظرت إليه طويلًا.
كانت تتنفس ببطء، كأن الغضب الذي ملأها قبل لحظات بدأ يخمد ويترك مكانه لشيء أقل وضوحًا.
ثم قالت أخيرًا، بنبرة جافة:
"مثير للشفقة."
استدارت دون أن تنتظر ردًا من أحد.
الرجل ذو الشعر الأزرق مسح الغبار عن كفّيه، ثم عاد إلى ابتسامته الهادئة، وكأن ما حدث قبل لحظة لا يستحق التفكير.
انحنى قليلًا باحترام خفيف وقال:
"اسمي رافاييل."
ثم مد يده بطريقة واثقة.
"وما اسمكِ أنتِ؟"
نظرت إليه إيميليا لحظة، ثم أجابت:
"إيميليا."
أومأ بسرور واضح.
"اسم جميل."
سكت لحظة، ثم لاحظ التوتر الذي لم يفارق وجهها.
"تبدين وكأنك تبحثين عن شيء."
ردت مباشرة، بلا مجاملة:
"أحتاج إلى أجوبة."
اتسعت ابتسامته قليلًا.
"إذن ربما التقينا في الوقت المناسب."
ثم أشار بيده إلى نهاية الشارع.
"تعالي. أعرف أماكن يحصل فيها الناس على أجوبة... أو على الأقل أكاذيب أفضل."
لم تعرف لماذا، لكنها تبعته.
وسارا معًا مبتعدين عن الزقاق، بينما ظلال المساء بدأت تتمدد فوق طرقات عالم الأمل.
بقي بويد وحده.
فاقد الوعي.
ملقى كما لو أن العالم لفظه جانبًا.
مرّت دقائق... أو ربما أكثر.
حتى توقفت خطوات خفيفة عند مدخل الزقاق.
كانت فتاة صغيرة، في حدود الخامسة عشرة، تحمل كيسًا ورقيًا وبعض الأدوات البسيطة.
شعرها مربوط بإهمال، وملابسها قديمة لكنها نظيفة، وعيناها تحملان ذلك النوع من الحذر الذي يملكه من كبروا بسرعة أكثر من اللازم.
نظرت إلى الجسد الملقى.
ثم اقتربت ببطء.
انحنت قربه، تتحسس نبضه كما لو أنها فعلت ذلك من قبل.
"حي."
قالتها لنفسها.
رأت آثار الضرب والدم.
تأملت وجهه لحظة، ثم تنهدت.
"دائمًا أجد المشاكل... أو هي تجدني."
وضعت ذراعه فوق كتفها الصغير بصعوبة، وحاولت رفعه.
تعثرَت أول مرة.
ثم شدّت أسنانها وأعادت المحاولة.
ببطء... بدأت تجرّه خارج الزقاق.
مسكنها
كان المكان غرفة صغيرة فوق متجر مهجور، سقفها منخفض، وفيها سرير واحد وطاولة خشبية ورفوف مليئة بعلب وأقمشة وأدوية قديمة.
ألقت به فوق السرير بتعب، ثم أمسكت وعاء ماء.
بدأت تنظف الدم عن وجهه بحركات معتادة أكثر مما يجب لفتاة في عمرها.
ثم تمتمت وهي تعالج جرحه:
"إذا متّ هنا... ستوسخ سريري فقط."
توقفت لحظة، ونظرت إليه.
"فلا تمت."
وفي الخارج...
استمر عالم الأمل كأن شيئًا لم يحدث.