لم يطل انطفاء الضوء، لكنه كان كافيًا ليجعلني أفهم معنى أن يُحدق بك شيء لا يراك إنسانًا.

عاد النور، شاحبًا ومائلًا إلى الاصفرار، كأن الشموع نفسها خائفة من أن تُضيء كثيرًا فتُغضب أحدًا. كنت ممددًا على ظهري، والخدم يرفعونني كما يُرفع شيءٌ مكسور لا يستحق العناية، لا لأنهم قساة بالضرورة… بل لأن القصر علّمهم أن الشفقة تكلّف.

أحدهم أدخل ذراعه تحت كتفي، فصرختُ من الداخل قبل أن أصرخ بصوت. الألم ضرب أضلاعي كقبضة، ونكهة الدم ما زالت على لساني. حاولت أن أتنفس بعمق، فتقوّس جسدي بلا إرادة، وارتجف الهواء في صدري كما لو أنه يمر فوق زجاجٍ مكسور.

“اهدأ، يا سيدي…” قالت خادمة، لكن كلمة “سيدي” خرجت منها كتمثيلٍ سخيف.

كلمة “سيدي” لا تُقال لمن كان يجب أن يموت قبل دقائق.

حملوني عبر الممر. كانت الوجوه تتجنبني. ليس خوفًا من غضبي—أنا لست شيئًا ليُخاف—بل خوفًا من أن يلتقطوا عدوى الشذوذ. كأن النجاة مرض.

في زاوية عينَي، ظهر ذاك الخط الأحمر ثانية على الجدار، مثل جملةٍ وُضعت في هامش الصفحة ثم سُحبت بسرعة. لم يره أحد غيري. أو ربما… لم يسمح لهم العالم برؤيته.

السِّجل كان يطفو أمامي، شفافًا مثل زجاج رقيق.

[السِّجل] الشذوذ: قائم قفل المشهد: قيد إعادة التفعيل التحذير: "إغلاق الحاشية" غير مكتمل

تشنجت أصابعي. ليس لأنني فهمت كل شيء، بل لأنني فهمت ما يكفي: المشهد لم ينتهِ.

أنا نجوت من السقوط، لكن السرد لا يهتم بسلامة عظامي. السرد يريد “نهاية”. يريد “إغلاق”.

وصلنا الغرفة. دفعوا الباب ودخلوا. رائحة الغرفة صارت أغرب الآن، لأنها تحمل لي معنى جديدًا: هذه ليست غرفة نوم… هذه غرفة انتظار لموتٍ تم تأجيله فقط.

وضعوني على السرير. لم يكن وضعًا لطيفًا؛ رموني كما يُرمى كيس قمح. انحشر الهواء في صدري، ورأيت سوادًا يلمع في أطراف بصري.

“اذهب وأحضر الطبيب!” صاح كبير الخدم، ثم خفّض صوته فجأة حين لمح أحد النبلاء عند الباب. “بسرعة… قبل أن… قبل أن يصل… من لا نريد.”

من لا نريد.

أنا لم أعرف الاسم، لكن جسدي عرف الخوف من الكلمة.

خرج الخدم واحدًا تلو الآخر. بقيت خادمة شابة قرب النافذة، تحمل منشفة مبللة. عيناها لم تكونا عديمتين؛ كانت فيهما قسوة تعلمتها، لكن خلفها شيء ضعيف… شيء يشبه التردد.

اقتربت، وضعت المنشفة على جبيني بلطفٍ متردد، ثم همست كأنها تخاف من الجدران: “لا تتحرك كثيرًا… سيدي كايل.”

كايل.

الاسم انغرس داخلي كإبرة. لم يكن اسمي، لكنه أصبح اسمي الآن… على الأقل في هذه الصفحة.

“كايل…” كررتها بصوت مبحوح. شعرت بأن الذاكرة داخل هذا الجسد تتأرجح، كما لو أنني أفتح درجًا قديمًا محشورًا.

ومضت صور خاطفة، ليست ذكريات كاملة، بل شظايا: يدٌ كبيرة تضغط رأسي إلى الأرض؛ ضحكة أخٍ أكبر وهو يقول: “أنت عار.”؛ مائدة عشاء صامتة؛ أب يمر من جانبي كأنني الهواء؛ أم ترفع ذقنها لتتجنب النظر إلي.

ثم قفزت شظية مختلفة: درجٌ… الدرجة الرابعة… نفس القماش الأبيض… كأنه تكرر قبل اليوم بشكلٍ ما.

ابتلعت المرارة.

إذا كان هذا الجسد عاش حياة تشبه حياتي القديمة في قسوتها، فهذا يعني أن العالم لا يعطيني فرصة جديدة… بل يضعني في القالب ذاته ويضحك.

الخادمة لاحظت ارتجاف أصابعي، فشدت المنشفة وقالت بنبرة محاولة للمواساة: “سيرتاح جسدك… الطبيب سيأتي.”

“الطبيب لن يغير شيئًا.” خرجت الجملة مني دون قصد. لم تكن فلسفة. كانت حقيقة.

رمشت بعصبية. “ماذا قلت؟”

لم أرد. لأنني في تلك اللحظة سمعت الصوت مرة أخرى… صوت تقليب صفحة بعيد، كأنه يأتي من فوق السقف، من داخل الجدران، من داخل الهواء نفسه.

والسجل كتب سطرًا جديدًا.

تعديل قيد التنفيذ… مصدر: هيئة التحرير الوقت: غير ثابت

ارتفع بردٌ داخل عظامي. كان هناك شيء يقترب، شيء لا يحتاج أن يفتح الباب ليدخل.

ثم دخل الطبيب.

رجل قصير، أنفُه أحمر من البرد أو الكحول، يحمل حقيبة جلدية ثقيلة. خلفه كبير الخدم ورجلان من الحرس الخاص بالعائلة.

“ابتعدوا.” قال الطبيب وهو يقترب من السرير. “دعوني أراه.”

فتح عينيّ بقوة. كان عليّ أن أبدو ضعيفًا، لا ذكيًا، لا واعيًا. في هذا المكان، الوعي تهمة.

لمست أصابعه جبهتي، ثم ضغط على أضلاعي. عضضت لساني حتى كاد ينزف أكثر، لأمنع نفسي من الصراخ. الألم كان موجة حارقة.

“كدمات… ارتجاج خفيف… ضلع على الأقل مصدوع.” قال الطبيب وهو يهز رأسه. “لكن… يعيش.”

كلمة “يعيش” خرجت كإهانة.

كبير الخدم تنحنح: “هل… هل أنت متأكد؟”

رفع الطبيب حاجبه: “هل تريدني أن أكذب؟”

تحرك أحد الحرس بخطوة. “السيد الكبير… لا يفضل المشاكل.”

لم يرد الطبيب، لكني رأيت التوتر في يده وهو يغلق حقيبته. ثم خفّض صوته: “إذا كان السيد الكبير يريد حلًا… فليبحث عن حل بعيدًا عني. أنا طبيب.”

خرج الطبيب بسرعة كما دخل، تاركًا خلفه جملة معلقة في الهواء: يعيش.

سمعت حركة عند الباب… ليست خطى خدم هذه المرة. كانت أخف، محسوبة، كأنها لا تريد أن تترك أثرًا على الأرض.

دخلت أمي.

لم تكن “أمي” بالمعنى الذي أعرفه. كانت امرأة نبيلة، جميلة بطريقة باردة، ترتدي ثوبًا داكنًا يلتهم الضوء. شعرها مرفوع بعناية، وكأن الوقت لا يحق له أن يبعثر شعرة واحدة منها.

وقفت عند طرف السرير، نظرت إليّ كما ينظر شخص إلى خطأٍ كتابي في وثيقة رسمية.

“أنت… ما زلت حيًا.” قالتها بلا عاطفة.

حاولت أن أتحدث، لكن صدري قفل على الهواء.

اقتربت خطوة واحدة فقط، ثم توقفت، وكأن الاقتراب أكثر قد يلوثها. “سمعت أن الدرجة الرابعة خانتكم.”

كلمة “خانَتكم” جعلتني أرى القماش الأبيض مرة أخرى.

لم يكن درجًا خانني. كان العالم.

نظرت إلى عينيها. في هذا الجسد، كان الخوف منها راسخًا. لكنني كنت أنا—شخص مات أصلًا. والخوف… حين تموت مرة، يضعف قليلًا.

قلت بصوتٍ متقطع: “لم… أخن… أحدًا.”

عيناها ضاقتا. ليس غضبًا، بل استغرابًا من أن الحاشية تملك لسانًا.

“كن ممتنًا.” قالت أخيرًا. “وجودك… عبء. لكن العبء يمكن حمله إن بقي صامتًا.”

ثم التفتت إلى كبير الخدم: “لا أريد ضجيجًا. لا أريد شائعات.”

“نعم، سيدتي.”

وقبل أن تخرج، قالت الجملة التي بدت كخاتمة فصل قديم: “لو كان القدر عادلًا… لما احتجنا لكل هذا.”

غادرت.

بقي صدى كلماتها يقرع رأسي. “القدر.” هي تتحدث عنه كأنه شيء يعرفونه. كأنه إدارة… لا صلاة.

كبير الخدم بدأ يأمر الخدم بإغلاق النوافذ، بإحضار ماء، بإخفاء القماش الأبيض الذي تسبب بالحادثة—كما لو أن إزالة دليلٍ ستغير النص.

وفي وسط هذا كله… رأيت الخط الأحمر على الجدار يعود. هذه المرة لم يكن خطًا فقط. كان مثل توقيع.

اختفى سريعًا.

لكن السجل لم يختفِ. بل كتب:

المشهد لم يُغلق. النتيجة المطلوبة: "موت الحاشية" أو "إغلاق مكافئ" الخيارات المتاحة: 1

ظهر خيار واحد… وقلبي هبط إلى معدتي.

شراء إغلاق مؤقت للمشهد (بديل موت): "موت مُصدَّق" المدة: 24 ساعة التكلفة: فائدة 18% الضمان المطلوب: إحساس

إحساس؟

تحتها قائمة قصيرة:

إحساس الدفء (لمدة شهر)

إحساس الذنب (دائمًا)

إحساس الخوف (لمدة أسبوع)

حدّقت في الخيارات. كانت غريبة… لكنها مرعبة. لأن فقدان إحساس ليس فقدان شيء خارجي. إنه تعديل في تكويني.

“إحساس الذنب”… دائمًا.

ضحكت في داخلي ضحكة مكسورة. الذنب كان الشيء الوحيد الذي ظننت أنه لن يغادرني أبدًا. لكن السجل قادر حتى على سرقة عذابي.

وعندها أدركت: السجل لا يسرق لتقسو فقط… بل ليجعلني قادرًا على فعل ما لا يفعله البشر عادة.

إذا فقدت الذنب… سأصبح أخف. أخطر.

كانت تلك الصفقة تفتح بابًا… وأنا أعرف نفسي: الجزء الملتوي في داخلي قد يرغب به.

لكن قبل أن أختار، جاء الصوت… صوت تقليب صفحة، أقرب هذه المرة، ثم تلاه شيء آخر: صمت ثقيل، كأن الهواء نفسه ينتظر.

الخدم توقفوا في لحظة واحدة. ليس لأن أحدهم أمرهم… بل لأن أجسادهم تلقت أمرًا من مكان أعلى.

التفتوا نحو الباب.

وأنا، دون أن أرى، عرفت أن “من لا نريد” وصل.

الباب لم يُفتح بطريقة عادية. المقبض لم يدُر. فقط… صار الباب أقل واقعية، كأن الخشب تذكر فجأة أنه مجرد فكرة، ثم انشق في صمت.

دخل رجل.

أو شيء يشبه رجلًا.

ملابسه رمادية بلا زخرفة، وجهه عادي لدرجة أنه يبدو غير محفوظ في الذاكرة، عيناه… عيناه كانتا كالحبر حين يرفض أن يجف.

لم يحمل سيفًا. لم يحمل عصًا. لم يحتج إلى شيء.

حين خطا خطوة داخل الغرفة، شعرت أن كل شيء صار “مرتّبًا” بالقوة: الغبار اختفى عن زاوية الطاولة، الستارة وقفت مستقيمة، شمعة انحرفت ثم اعتدلت. كأن الواقع يصحح نفسه لأن وجوده طلب ذلك.

خفيضًا، رسميًا، قال:

“تم تسجيل تناقض.”

كبير الخدم سقط على ركبتيه دون أن يفهم لماذا. الخدم انحنوا كما لو أن ظهور هذا الرجل يضغط على فقراتهم. الحرس حاولوا رفع سلاحهم… فارتجفت أيديهم ثم توقفوا، كأن السلاح فقد معنى “السلاح”.

أمي لم تكن موجودة. ربما غادرت قبل لحظات، وربما… تم إبعادها. لأن المشهد الآن ليس لهم.

الرجل نظر إليّ. نظرة واحدة كانت كافية لتجعل جلدي يبرد.

“الحاشية… نجت.” قالها كجملة تصحيح في وثيقة.

ثم رفع يده ببطء، ووضع إصبعه في الهواء، لا على جسدي، وكأنه يلمس سطرًا غير مرئي أمامي.

في اللحظة التي فعل فيها ذلك، شعرت بشيء يريد أن يضغط رأسي إلى الخلف، أن يُعيدني إلى الدرج، أن يعيد السقوط، أن يعيد الكسر.

إعادة التحرير.

السجل انفجر أمام عيني في ومضة سوداء.

[السِّجل] تم رصد محرّر (Redactor). التهديد: فرض إغلاق قانوني بالقوة الوقت المتاح: 4 ثوانٍ عروض الطوارئ: 2

ظهر خياران مثل سكينين:

موت مُصدَّق (24 ساعة) — ضمان: إحساس

شراء اسم ثانوي مرتبط بالمحرّر — ضمان: ذكرى إضافية

شراء اسم ثانوي… يعني خيطًا من خيوط السيطرة، ربما كلمة توقفه، ربما ثغرة.

لكن… “ذكرى إضافية”؟ ما الذي تبقى لدي لأرهنه؟ لقد أخذ وجه ذلك الشخص الذي كان آخر ما يربطني بالإنسانية.

أحسست برعشة. ليس خوفًا من الموت هذه المرة، بل خوفًا من أن أتحول إلى شيء لا يعود قادرًا على الندم.

المحرّر أنزل إصبعه قليلًا. الهواء ثقل. أنفاسي صارت صعبة كأنني أتنفس داخل ورق.

قال بصوتٍ أخف: “التناقض… سيُمحى.”

وفي داخلي، رأيت الجملة مكتوبة: "النهاية: الحاشية تُغلق."

أربع ثوانٍ.

ثلاث.

اثنتان.

في الثانية الأخيرة، فهمت شيئًا بوضوح حاد: السرد لا يحتاج أن يقتلني الآن بالطريقة نفسها. يكفي أن يجد طريقة أخرى “نظيفة”. سقوط آخر. سكتة. شلل. أي شيء يحقق الإغلاق.

إذا أردت النجاة… لا يكفي أن أهرب. يجب أن أغلق المشهد بنفسي .

رفعت بصري إلى وجه المحرّر، وأجبرت شفتي على حركة صغيرة، حركة لا تحمل تحديًا بل قبولًا ظاهريًا. لأن التحدي يجعل المحرّر يضغط أكثر. أما القبول… قد يفتح ثغرة.

ثم، في عقلي، اخترت الخيار الأول… لكن ليس كما يتوقع السجل.

موت مُصدَّق.

اخترته لأنني فهمت اللعبة: إذا ظن السرد أن الحاشية ماتت، سيترك الصفحة مؤقتًا ويمضي إلى فصل آخر. والفرصة الوحيدة للحاشية كي تتحول إلى شيء آخر… هي أن تختفي من نظر الكاتب.

لكن بقي الضمان.

إحساس.

لم أحتج وقتًا طويلًا. اخترت شيئًا واحدًا، وأنا أكره نفسي لأنني اخترته بسرعة.

إحساس الدفء.

لمدة شهر.

كان اختيارًا “آمنًا” ظاهريًا… لكن في داخلي كنت أعرف أنه أكثر قسوة مما يبدو. الدفء ليس حرارة فقط. الدفء هو القدرة على الشعور بأن الحياة ليست عدواً طوال الوقت.

لكنني قلت لنفسي ببرود: الدفء لا ينقذك. الدفء يبطئك.

ضغطت القبول.

السجل كتب:

تمت الموافقة. تم رهن إحساس الدفء (30 يومًا). تم تفعيل: موت مُصدَّق (24 ساعة). ملاحظة: سيتطلب "تصديقًا" بشريًا.

تصديق بشري… الطبيب.

في اللحظة نفسها، شعرت بأن شيئًا في صدري يبرد بطريقة مختلفة. لم يكن برد القصر. كان بردًا داخليًا، كما لو أن نارًا صغيرة انطفأت دون أن ألاحظ أنها كانت موجودة أصلًا.

نظرت حولي… ووجدت أن كل شيء صار أبعد. حتى الألم بدا “معلّقًا” بدل أن يكون حارقًا. ليس لأنني شُفيت، بل لأن جزءًا منّي فقد القدرة على تلقي العالم بلمسة دافئة.

المحرّر توقف. أصبعه تجمد في الهواء كما لو أنه فقد سطرًا كان يلمسه.

ثم قال—وهذا أول تغيّر في نبرته، تغير صغير لكنه خطير:

“تم… إدخال بديل.”

بديل عن موتي.

الآن عليّ أن أجعل البشر يصدقونه.

قبل أن يتحرك المحرّر مجددًا، فتحت فمي بصعوبة، وأطلقت صوتًا ضعيفًا جدًا، كأنه آخر نفس:

“ماء…”

الخادمة الشابة اندفعت نحوي بفزع، وضعت الكأس على شفتي. ابتلعت رشفة، ثم تركت رأسي يسقط جانبًا عمدًا. جعلت عيني نصف مفتوحة، ثم أغلقتها ببطء. تركت جسدي يرخو كما لو أن الحياة تخرج منه.

لم يكن تمثيلًا كاملًا، لكنه كان كافيًا لإشعال ذعر في الغرفة. البشر يصدقون ما يخافون منه.

“سيدي؟” قالت الخادمة. هزت كتفي برفق، ثم بقوة. “سيدي كايل!”

كبير الخدم اقترب، لمس عنقي، ثم سحب يده بسرعة كأنه لمس جثة. لم يكن متأكدًا مما يشعر به، لأن السجل جعل العلامات… قابلة للتصديق.

صرخ: “أحضروا الطبيب! الآن!”

الوقت تحرك بسرعة. الخدم ركضوا. الحرس تراجعوا. الكل صار داخل مشهد جديد: موت.

المحرّر وقف بلا حركة، كأنه يراقب التوازن يعود. ليس لأنه رحيم… بل لأنه وجد نصًا مقبولًا. أو لأن السجل دفع رشوة للسرد.

دخل الطبيب مرة أخرى وهو يلهث، اقترب، وضع أذنه على صدري، ضغط على معصمي، فتح جفني بعنف.

كنت أرى من خلال شق صغير، لكني لم أرمش. تعلمت قديمًا أن الرمش أمام من يريد إذلالك يعطيه متعة. هنا الرمش يعطيه دليلًا.

الطبيب تراجع، شحبت ملامحه.

“نبضه…” تمتم. “ضعيف جدًا…”

كبير الخدم صاح: “هل هو…؟”

الطبيب تردد لحظة. ثم قالها، وكأن الكلمة ثقيلة في فمه:

“مات.”

حين قالها، أحسست بالهواء في الغرفة يتحرر. كأن سطرًا اكتمل. كأن صفحة أُغلقت.

السجل كتب بسرعة:

تم التصديق. المشهد: مغلق مؤقتًا. قفل المشهد: مُعطّل (24 ساعة). تحذير: "الصفحة التالية" قيد الإعداد

المحرّر رفع عينيه، نظر إلى الطبيب، ثم إلى كبير الخدم، ثم إليّ—إلى “جثتي”—وقبل أن يختفي، قال جملة واحدة فقط بصوتٍ هادئ كأنه يكتب عنوانًا:

“سنرى… هل هذا يُغلق حقًا.”

ثم صار وجوده باهتًا. لم يخرج من الباب. فقط… تراجع إلى اللاشيء، كما لو أن الصفحة لم تعد تحتاجه الآن.

الخدم بدأوا يبكون، لكن بكاءهم كان خفيفًا، أقرب إلى واجب اجتماعي. كبير الخدم بدأ يعطي أوامر: “أبلغوا السيدة… جهزوا الكفن… لا ضجة… لا أحد يخرج من القصر.”

الكفن.

الكلمة اخترقتني. لأنني ما زلت حيًا. لكنني الآن… ميت رسميًا.

وكان ذلك بالضبط ما أريده.

أغمضت عيني بالكامل. تركت جسدي ساكنًا كما طلب السجل. سمعتهم يغطونني بملاءة، سمعت صوت القماش وهو يلامس وجهي. رائحة الكتان كانت نظيفة، لكنها تحمل طعم النهاية.

وفي الظلام، حاولت—بلا سبب منطقي—أن أتذكر وجه ذلك الشخص الذي أخذته الصفقة الأولى مني، كأنني أريد أن أختبر خسارتي مرة أخرى.

لا شيء.

فراغ.

لكن هذه المرة، لم تأتِ دموع.

ليس لأنني قوي… بل لأن إحساس الدفء قد رُهن. والبكاء يحتاج دفئًا ليخرج صادقًا.

فهمت ببرودٍ مرعب: السجل لا يسرق الأشياء الجميلة فقط. السجل يسرق ما يجعل خسارتك مؤلمة… ليجعل قراراتك أسهل.

وهذا أخطر من الموت.

بينما كانوا يحملون “جثتي” خارج الغرفة، سمعت صوت تقليب صفحة مرة أخرى، لكنه لم يكن بعيدًا هذه المرة. كان قريبًا جدًا… كأنه في رأسي.

ثم ظهرت أمامي، في الظلام، جملة جديدة على السجل—جملة لم تكن عرضًا ولا تحذيرًا، بل حكمًا مكتوبًا بحبر أعمق:

تمت إعادة جدولة النهاية. المشهد القادم: "جنازة الابن الثالث" ملاحظة: الإغلاق المؤقت لا يلغي الإغلاق النهائي.

وتحتها مباشرة:

سعر النجاة يتضاعف.

ارتجف صدري، لكني أبقيت جسدي ساكنًا، لأن كل عينٍ حولي تبحث عن دليل حياة.

في داخلي فقط، همست بجملة لم أكن أعرف أنني سأقولها يومًا:

“حسنًا… إذن لن أهرب من نهايتي.”

ثم تركت ابتسامة صغيرة تولد في الظلام—ابتسامة باردة، بلا دفء، لكنها حادة كالمشرط:

“سأعيد كتابتها.”

وانتهى الفصل على صوت خطواتهم… وهم يحملون “الميت” إلى الصفحة التالية.

2026/03/01 · 4 مشاهدة · 2316 كلمة
ZLUREX
نادي الروايات - 2026