تبسم ملك اللصوص : " لنتقاتل؛ إذا لم تكن قويًا، سوف تموت. هذا شرط القتال. استعمل ما تستطيع للفوز؛ لا يوجد شرف في هذا القتال. "

سكت إيرولد وهو ينظر إلى ملك اللصوص. ثم قال ملك اللصوص: " أنا لا أنتظر موافقتك، فقط أخبرك بهذا: " استعد. " ثم يصرخ ملك اللصوص : " ها أنا قادم! "

انطلق ملك اللصوص كأنه عاصفة من الظلال، وسيفه الطويل يلمع بضوء خافت يكاد لا يُرى. كانت خطواته صامتة، لكن كل حركة منه كانت تحمل وزناً رهيباً، وكأن الأرض ترتجف تحت قدميه.

أما إيرولد، فثبّت قدميه، واستجمع أنفاسه، عاقداً العزم على ألا ينهار. سحب سيفه، وقلبه ينبض بشدة، لا من الخوف، بل من الغضب والحيرة… كان يقاتل رجلاً اعتبره أخاً، بل أكثر.

اصطدم السيفان، وانطلقت شرارة خفيفة وسط الظلام. صرخ ملك اللصوص: " أرِني قوتك، يا من تسعى وراء الحقيقة... هل تستحقها؟ "

إيرولد بصوت متردد : " لن أتركك تموت بهذه الطريقة! "

ضحك ثورن بسخرية، ثم هجم من جديد، ضربات سريعة، دقيقة، وكأنها تعويذة قاتلة. بالكاد تمكن إيرولد من صدّها، وكل ضربة كانت تثقل عليه أكثر من التي قبلها.

لكن داخل إيرولد، اشتعل شيء… شيء لم يكن نائماً، بل مترقّباً. سمع همس آرثر في أعماقه: " أطلقني… دعني اتحكم . هذا القتال لن يُحسم بالقلب وحده. "

لكن إيرولد صرخ بداخله: " لا… ليس بعد. "

تفادى ضربة مميتة من ثورن، ثم لف بجسده وضرب بخفة على كتف ملك اللصوص، ضربة لم تكن قاتلة، لكنها كانت كافية لتثير انتباهه.

" تحسنت... " قال ثورن، ثم أدار السيف بيد واحدة وأطلق هجمة تشبه الإعصار.

ارتد إيرولد للخلف، سيفه يهتز من قوة الضربات. أصابته جراح سطحية في ذراعه وكتفه، وركع للحظة.

اقترب ثورن، رفع سيفه، وهمس: " سأنهي الأمر الآن، ليس لأنني أريد هذا، بل يجب علي... "

لكن في تلك اللحظة، ارتفع الغبار من حول إيرولد، وعيناه اشتعلتا بلون غريب… كانت الشعلة التي ظهرت في قلبه يوم خسر كل شيء، تتأجج من جديد: " لا لم يحن وقت موتي... ولن أدعك تموت بهذه الطريقة، ثورن! "

نهض إيرولد، رفع سيفه بيدين، ثم انفجر بهجوم مفاجئ! سيفه تحرك بسلاسة غير مسبوقة، وكأن كل خبرته ومعاناته تحوّلت لقوة حقيقية. الآن كان القتال متكافئاً.

ضربات، صرخات، ووميض سيوف تتراقص. حتى ثورن، بدأ يتراجع خطوة بعد خطوة… ابتسم، ثم قال:

" أخيراً… سوف استعملها. "

عاد إيرولد إلى جسده وقال: " ماذا بك يا ملك اللصوص؟ " صرخ ثورن: " حان وقتها. "

وقف ملك اللصوص وهو يرفع رأسه وقال: " لم أستعملك منذ زمن، لم أتوقع أن أحدًا جدير أن يراك. "

أغلق ثورن عينيه وهو يقول بصوت هادئ وواضح: " عالم الروح..... محاكمة السارق . "

فجأة، سُحب إيرولد إلى داخل مكان يتكوَّن أمامه ككومة خشبية، وتحتها الكثير من القطع الذهبية، كأنها محكمة قديمة داخل كهف مليء بالذهب. التفت بجانبه ليجد آرثر مجسدًا إلى جواره.

صُدم ملك اللصوص وقال: " أهذه روحك؟ مستحيل! إذا كنت بهذه القوة... هاهاها، لقد أتقنتَ انفصال الروح. سيكون هذا مسليًا. "

تقدّم آرثر نحو المنصة الخشبية القديمة وقال: " هل يقف المتهم هنا يا إيرولد؟ "

فأجابه إيرولد: " لا أعلم... دعنا نأخذ الموضوع بجديّة، هذا العجوز قوي. " ردّ آرثر: " ما الذي يجب أن نفعل؟ "

قال إيرولد: " يجب أن نهزمه من داخل قواعد عالم الروح، إمّا أن نُطبّق الشرط المحدد الخاص للعالم... أو نقتله. "

صرخ ملك اللصوص: " حان الوقت! "

ليبدأ الذهب في الأرض بالذوبان، ويتشكل على هيئة بشر، قال ملك اللصوص بصوت عميق: " هؤلاء كل من خدموني. انظر هناك، ستجد نفسك يا فتى، وأنت صغير. "

تقدّموا، وكأنهم جثث بلا روح، وهاجموا. يهاجمهم إيرولد بسيفه حتى يجد نُسخته الصغيرة ممسكة بخناجر، فيقتله ويأخذ الخناجر منه. بينما كان آرثر يركض، لعدم امتلاكه سلاحًا، صرخ إيرولد: " آرثر! "

ورمى له سيفه، فقفز آرثر وأمسكه، وفي لمح البصر قتل كل من حوله وهو يقول: " هذا... مسلٍّ! أنا لا أشعر بالذنب! "

كان إيرولد يستخدم أسلوبه القديم بالخناجر، ويهاجم ملك اللصوص، تاركًا آرثر يتولى أمر الجثث.

يتصدى ملك اللصوص لهجماته ويقول بإعجاب: " هذا رائع... رائع للغاية! ثم يهتف ملك اللصوص : " مصفوفة النار، اشتعل يا سيفي! "

فيشتعل سيفه ويتلاحم مع إيرولد، الذي يشعر بحرارته ويقول: " تبا لهذا... يجب أن نوقفه! "

يتبسم ملك اللصوص: " من المستحيل! أنت تنظر لرجل ميت، يا صغير! "

يكمل الهجوم ويقوم بهجمة الإعصار... لكنها هذه المرة مختلفة، مدموجة بالنار، لتتحول إلى إعصارٍ ملتهب! يتفاداه إيرولد ويقول: " كان هذا قريبًا جدًا... "

بسرعة خاطفة، انقضّ ملك اللصوص بركلة قوية أصابت صدر إيرولد، فطار الأخير في الهواء يتلوّى تحت وطأة الضربة. لكن قبل أن يهبط، وجد ملك اللصوص قد سبقه إلى السماء، سيفه المشتعل في قبضته، والنار تحوم حول جسده كأنها تتغذى من غضبه.

أمسك سيفه بأسلوب غريب ومقلوب، وانفجرت ضحكته في السماء وهو يصيح: " ها أنا قادم، أيها الشقي! "

مدّ إيرولد يده سريعًا نحو سيف ساقط على الأرض، ورفعه ليصد الهجمة القادمة. اصطدم السيفان، وانفجرت شرارات اللهب والحديد، لكن قوة ملك اللصوص طغت بوضوح. تكسّر سيف إيرولد تحت الضغط، وتراجع إلى الوراء وهو يئنّ من شدة الارتداد.

إيرولد وهو يلهث: " هذا... وأنت عجوز؟! "

ضحك ملك اللصوص من قلبه، ثم أجابه: " لا تخف، لم أفقد شيئًا من قوتي. عمري لا يؤثر عليّ... استعد يا فتى! "

لكن فجأة، يجد ملك اللصوص خلفه، يضربه للأسفل، ويحاول قطع رأسه. يتدخل آرثر مهاجمًا ملك اللصوص ويقول بسخرية: " ما مشكلتك مع الرؤوس يا رجل؟ "

ضحك ملك اللصوص وهو يتصدى للضربات قائلاً: " بعد قطع الرأس، لن يشعر أحد بشيء... لا ألم، ولا ندم... فقط الظلام. "

يرد آرثر بابتسامة مائلة: " رائع، لم لا نتوقف؟ لقد أعجبت بك، يا رجل! "

ضحك ملك اللصوص: " هذا مستحيل، أيتها الروح! "

تزداد سرعته فجأة حتى بدأ آرثر بالتراجع، وهو يصرخ: " إيرولد! أحتاجك، ساعدني! "

يستجيب إيرولد على الفور، يتراجع بجانب آرثر، ويقول: " لدينا فرصة واحدة... هاجم معي في نفس الوقت! "

يبدأ الاثنان بتنسيق هجماتهما بدقة مذهلة، آرثر ينقض من الأمام وإيرولد يلتف من الخلف. " يرمون ضربات متتالية كأنهما خُلقا ليقاتلا معًا. يتحركان بتناغم، وكأن الزمن يتباطأ حولهما.

يهتف آرثر: " الآن يا إيرولد! من اليمين! " ويرد إيرولد: " من الأسفل! "

يضربان معًا ضربة مزدوجة تُفاجئ ملك اللصوص، تدفعه للخلف وهو يئن لأول مرة، ينظر إليهما بدهشة، ويهمس: " لم أشعر بذلك منذ زمن... التناغم الحقيقي... "

طأطأ إيرولد رأسه للحظة، ثم ركض نحو آرثر قائلاً بصوتٍ حازم: " لنبدّل الأسلحة، لا تترك ظهري. سأهاجم من اليمين، وأنت من الأعلى. "

أومأ آرثر سريعًا، وتمركز الاثنان في موقعين متقابلين. خطواتهما كانت دقيقة، وضرباتهما متناغمة.

اشتعل سيف إيرولد بلون أسود عميق، كأن الظلام ذاته قد سُكِب فيه، أما خنجر آرثر فغمره نور يشبه هيئته، نقيًّا ومخيفًا في آنٍ واحد .صرخ ملك اللصوص، وسيفه الناري يشتعل في يده، يتملّكه الحماس: " تريدان قتل أسطورة؟ تفضّلا! "

اندفع نحو إيرولد كعاصفة، لكن هذا الأخير انحرف بمهارة، وفي اللحظة التي انكشف فيها دفاع ملك الصوص، قفز آرثر فوقه وغرز خنجره في كتفه. لكن ملك اللصوص أطلق موجة نارية عارمة من جسده، أطاحت بآرثر كريشة في الإعصار.

وقف إيرولد، شاحب الوجه، ثابت النظرة. همس بصوت مملوء بالحزم: " آن الأوان لإنهائها... "

تكوّنت تحت قدميه دائرة نصفها نور ونصفها ظلام، اندمج فيها ما تبقى من نوره وظله. قذف بسيفه نحو السماء، بينما صرخ آرثر من بعيد: " الآن! "

انقضّ آرثر من الهواء، ضاربًا بخنجره من الأعلى، وفي نفس اللحظة التقط إيرولد سيف من الأرض ليخترق الملك من الأسفل. طُعن ملك اللصوص من الأعلى والأسفل، فتجمّد جسده للحظة، ثم بدأت التشققات تظهر على جلده كأن النيران في داخله بدأت تفرّ منه.

ضحك بصوتٍ خافت، مشروخ: " يا له من... أداءٍ رائع... لم أشعر بهذا الحماس منذ زمن بعيد... "

اقترب منه إيرولد، ووقف أمامه صامتًا. في تلك اللحظة، لم يكن الملك خصمًا، بل روحًا مرهقة أنهكها الماضي.

همس وهو ينظر إليه: " لم أكن وحشًا فقط... كنت عبدًا لرغباتٍ لم تُشفَ. إني حقًا نادم على كل ما فعلته في ماضيّ... باستثناء ما حدث في مملكة مصر في ذلك الوقت... لقد كانت أفضل أيأمي. "

ثم نظر إلى السقف، وعيناه تلمعان بندم حزين، وقال: " آسف يا ليسا... كان يجب عليّ الرحيل منذ زمن... عرفتُ ذلك متأخرًا فقط. "

وبينما بدأ جسده يتصدع من الداخل، تخيّل وجه أمه، فهتف بصوتٍ مرتعش: " أمي... هل ستسامحينني على ما فعلته؟ "

ليرى وجهها... كانت تبتسم له وتومئ بيدها نحوه، تدعوه للمجيء. عندها اتسعت عيناه بدهشة، ثم ابتسم أخيرًا، كما لو وجد سلامه.

بدأت النيران تتلاشى من سيفه، وراح جسده يتفتّت إلى رماد ذهبي .قال بأنفاسه الأخيرة، متقطعًا: " إيرولد... احذر... هناك كيان... يسعى إليك... لذا أرجوك... كن يقظًا... "

ثم ابتسم بلطف: " لقد كنتُ أراك كابنٍ لي منذ صغرك... وعندما شعرت أن طريقك يحمل النور... تركتك تذهب مع إيرولد... "

لم يقل إيرولد شيئًا، لكنه لم يمنع الدموع من الهطول .تابع الملك، وصوته يبهت مع الريح: " لقد كنتَ الشيء الوحيد... الذي تفاخرت به... طوال حياتي، يا نمري الصغير... اعتنِ بنفسك... أنت حقًا تستحق هذا الاسم... "

أغمض عينيه، وبدأ جسده يتفكك إلى رمال متوهجة، وفي اللحظة الأخيرة، تساقطت دمعة من عينه، وهمس بابتسامة: " أنا قادم... يا أمي... "

ثم تناثرت الرمال حول إيرولد لتختفي ، حاملاً معه ذكرى رجل عاش كمأساة، ومات طاهرًا من أعباء ماضيه.

وضع آرثر خنجره على كتفه وقال باحترام: " عاش كمجرم، ومات كبطل... أنا أحترم هذا الرجل. "

كانت الدموع لا تزال تنساب على وجنتي إيرولد، لكن وجهه كان صلبًا.

صمت الاثنان، ونظرا إلى الفراغ الذي تركه الملك، قبل أن يبدأ العالم من حولهم في التلاشي، ويتحول كل شيء إلى ضوءٍ باهت.عادا إلى الكهف، وصمتٌ تام يلفهما. أمسك إيرولد بسيف ملك اللصوص، ونظر إليه طويلًا:

" لن أنساك " ثم اخذه.

همس بعدها لنفسه: " لقد عاش حقًا حياةً بائسة ... "

مسح دموعه، ثم قال: "لنذهب إلى القرية، يا آرثر. "

2026/05/19 · 7 مشاهدة · 1565 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026