في مملكة أوروك المدمرة. المباني المتهالكة والقصر المدمر يشتعلان سويًا، والدخان يتعالى في الهواء. بعد إخراج من كان تحت الأنقاض، توجه الناجون إلى خارج المملكة. اجتمعوا معًا: من وجد فردًا من عائلته على قيد الحياة، ومن لم يجد أحدًا سوى الوحدة ترعاه. كان سكان المملكة في حالة هلع.
على كتفي أرجوس ، علت صرخة جاسمين تخاطب الناس : يا أهالي المملكة، معركتكم لم تنتهِ بعد! معركتكم الحقيقية تبدأ الآن، في إعمار مملكتكم. ولا تقلقوا، أميركم المبجَّل جلجامش لا يزال على قيد الحياة. قد خسرتم الملك والمملكة، ولكنكم لم تخسروا كل شيء! يجب عليكم إعمار المملكة لتعود أفضل لتعود اوروك عظيمة !"
صرخ أحد السكان بغضب، معارضًا : ومن قال إننا نحتاج إلى ذلك السكّير؟! لقد تجاهلنا وتجاهل المملكة منذ سنين مضت. لا نحتاج شخصًا مثله! إذا كنا سنصلح المملكة، يجب أن نصلحها من الداخل أولاً. لذا، بعد موت الملك لا نحتاج إليه! "
تعالت صرخات السكان الناجين بالتأييد: نحن لا نحتاجك! اخرُج من هنا! "
أضاف شخص آخر وهو يصرخ: وما أدرانا أن ذلك الشيء لم يكن هنا بسببك؟ لقد سببتَ الكثير من المتاعب لهذه المملكة ولوالدك! وكل هذا بسبب.....! "
رفع جلجامش عينيه المحترقتين ونظر إليه، فسكت الرجل من الخوف. ثم صاح أحد العامة محذرًا : "توقفوا! أتريدونه أن يدمِّر المملكة أكثر مما هي مُدمَّرة؟!"
ليتقدم رجل آخر من العامة ويقول : جلالتك، أنت لم تهتم بالمملكة قط، لذا نحن أيضًا لا نحتاجك! أرجو أن تفهم هذا. "
التفت جلجامش إلى إيرولد و لوس وقال بصوت مهيب: "سوف أكون عند الشاطئ، سنتحدث هناك. "
أمال إيرولد رأسه بموافقة.
تخطاهم جلجامش، فضرب كتفه بكتف أرجوس. تساءل أرجوس بتعجب: "ما خطبه؟"
أجاب إيرولد بهدوء: "غير ما رأيته للتو، لا أعلم، لكن دعه. إذا كان هنالك شيء، فسوف يخبرنا به.. "
تحرك جلجامش وهو يحاول تهدئة نفسه. تذكر همسات تتردد في أذنه: "هذا عقد، وقّع عليه وسوف تأخذ ما تريد. " عاد للواقع، وأكمل السير نحو الشاطئ.
في قلب المملكة المحطمة، تحول المحاربون إلى عمال إنقاذ؛ كان إيرولد ولوس وأرجوس يصارعون الأنقاض، يرفعون الصخور العاتية بأيدٍ مدمّرة لانتشال ما تبقى من أرواحٍ محاصرة تحت ركام المنازل. ساد جوٌّ من اليأس المشوب بالأمل الضعيف، حتى اقترب "لوس" من إيرولد، وهمس في أذنه بنبرةٍ قلقة تسبقُ فوات الأوان: يجب أن نرحل الآن لكي لا نفوّت القمر المكتمل لنستطيع دخول عالم الجان. "
توقف إيرولد ونظر إلى يديه الملطختين بالتراب والدماء، ثم أجاب بمرارة: معك حق يا لوس. "
وسط فوضى الأنقاض، توجه إيرولد إلى أرجوس و جاسمين وقال بصوت منخفض وحاسم: " يجب أن نتحرك. هيا بنا."
اعترضت جاسمين على الفور، مستندة على كتف أرجوس: " هل تريدون تركهم لوحدهم؟"
التفت أرجوس نحو إيرولد، وكان الترددُ واضحاً في عينيه أيضاً، وأيد قول جاسمين بحدة: " معها حق يا إيرولد.. هل تريد ترك أناس بلا حول ولا قوة لوحدهم هنا؟"
مدَّ إيرولد سبابته نحو الأفق، حيث كان هناك ظلٌّ مهيب ينتصبُ فوق أعلى شرفةٍ صامدة في أسوار المملكة المحطمة. كان الرجلُ يقفُ هناك كطودٍ راسخ وسط العواصف، وعباءته الممزقة ترفرفُ مع الرياح المحملة بالرماد. قال إيرولد بنبرةٍ تحملُ قدراً من الارتياح: " ذلك هو من سوف يحميهم. لقد سألت عنه، إنه جنرال يُدعى ماندول، ويتضح أنه قوي. ونحن نحتاج إلى التحرك لكي لا يفوتنا القمر المكتمل قبل دخول عالم الجان."
في تلك اللحظة، لم يرَ أرجوس الأسوار أو ماندول؛ بل رأى أمام عينيه ومضاتٍ من الدمار.. سمع صدى ضحكات آشورا المجنونة التي كانت تشقُّ الواقع، واستشعر برودة الموت التي كادت تبتلع أرواحهم. ارتجفت يده لثانيةٍ عابرة، ارتجافةً لم تكن خوفاً بل كانت صدمةً لم يبرأ منها جسده بعد.،
لم تغب تلك الحركة الصغيرة عن عيني جاسمين المرهفتين؛ شعرت بمرارة ما يمر به أرجوس، لكن قبل أن تنطق بكلمةٍ لتواسيه، كان أرجوس قد استعاد قناعه الصلب. ابتلع غصته، ونظر إليها بعينين تحاولان طمأنتها رغم انكسار الأعماق، وقال بنبرةٍ هادئة حاول جعلها ثابتة: " إيرولد محق..هيا يا صغيرة، يجب أن نرحل ."
بينما كان الصمتُ يلفُّ الأنقاض، وقف لوس خلف الجنرال ماندول الشامخ فوق السور. لم يلتفت الجنرال، لكنَّ كلمات لوس اخترقت سكون المكان همس بصوتٍ هادئٍ:
"يا جنرال، انظر إلى المشهد. الملك مات، والوريث الآن يولي ظهرهُ للمملكة. هل سترضى لروحك، ولهذه القوة التي صهرتها بيدك، ولشغفك بالنظام الذي يسكنُ أعماقك.. أن تصبح مجرد ظلٍّ باهتٍ لذكرى ملكٍ رحل، وأميرٍ هجر؟....."
صمتَ لوس للحظة، تاركاً للريح أن تحمل كلماته لقلب ماندول، ثم أكمل بلهجةٍ تمزج بين المنطق والإغواء: أن العرشُ خلفك ليس فارغاً فحسب، بل هو يصرخُ طلباً لمن يملأُ فجيعته. القوانين قد تحطمت تحت أقدام الفوضى، وأوروك الآن كعجينٍ ينتظرُ يداً قوية لترسم ملامحها من جديد. لا أحد يطالبُ بهذا التاج، ولا أحد يملكُ الحق أو القدرة على منعك. فكّر في العواقب يا ماندول.. مَن سيحكمُ هذه الأرض إذا رفضتَ أنت؟ مَن سيقودُ الجياع واليتامى؟ افعل ما هو أسمى لهذه المملكة.. كن أنتَ المصير. "
لم ينتظر لوس جواباً فقد ألقى بالشرارةِ ورحل، تاركاً الجنرال ماندول غارقاً في صمتٍ ثقيل. كانت عينا الجنرال مثبتتين على دمارِ الساحة، لكنَّ رؤيته بدأت تتشكلُ حول ذلك الكرسي الذهبي المهجور، وشعر لأول مرةٍ بثقل "السلطة" وهي تغريه بعباءتها المرصعة بالمسؤولية والمجد.
وصل "لوس" إلى حيث تجمع الرفاق عند حافة الشاطئ، حيث كان يقفُ بشموخ، نافضاً الغبار عن سرجه ومطلقاً صهيلاً خافتاً وكأنه يرحبُ بعودتهم. اقترب لوس منه، ومسح على رقبته القوية بودٍّ وتقدير، وقال وهو ينظر في عيني الحصان الذكيتين: " أحسنت بهروبك بجاسمين يا فتى."
التفت إيرولد نحو لوس، وفي عينيه تساؤلٌ صامت عن مكان "جلجامش". لم ينطق لوس بكلمة، بل أشار برأسه نحو امتداد الشاطئ الساكن. هناك، وسط عتمة الليل وصوت ارتطام الأمواج بالصخور، وجدوا جلجامش جالسًا بمفرده على الرمال الباردة، محدقاً إلى البحر بهدوء.
كسر أرجوس حاجز الصمت، وهمس وهو يراقب هيئة الملك الشاب المحطمة: لماذا يبدو حزينًا؟"
انفجرت جاسمين في وجهه بغضبٍ ممتزج بالقهر، وصرخت: أيها الأحمق الغبي! لقد فقد والده ومملكته، وحتى السكان يكرهونه! ولا تريده أن يكون حزينًا؟"
تراجع أرجوس خطوةً إلى الوراء، محاولاً تهدئة ثورتها: واه.. واه.. على رسلكِ يا صغيرة! أنا فقط.. أتساءل من باب الفضول.... إيرولد، ماذا سنفعل بشأنه؟ الوقت يداهمنا، ولا يمكننا تركه هكذا. "
خيمَ صمتٌ لم يكسره سوى صوتُ تلاطم الأمواج ونفسُ الحصان "عتمة" الهادئ. نظر إيرولد إلى جلجامش القابع في عزلة الرمل، ثم أجاب أرجوس بنبرةٍ خافتة وبطيئة: " لا أعلم يا أرجوس.... دعوه لبعض الوقت. "
في تلك اللحظة، استسلم "جلجامش" لثقل الوجود. استلقى بجسده المنهك فوق الرمال الباردة، وكأنه يلقي بكل أعباء أخذ نَفَساً عميقاً، تنهيدةً طويلةً حملت معها بقايا دخان أوروك المحترقة، ثم أغمض عينيه بقوة، غارقاً في ظلامٍ اختاره بنفسه ليهربَ من الواقع.
غاصت روحُ جلجامش في أعماقِ الماضي، بعيداً عن برودة الرمال وهدير البحر، ليرتدَّ به الزمنُ سنوات إلى الوراء. هناك، في أروقةِ القصر الملكي حيث كانت الشمسُ تداعبُ الرخامَ الذهبي، وقف "جلجامش" الصبي ذو الثلاثة عشر ربيعاً، مطأطئ الرأس أمام نظراتِ معلّمه الصارمة.
كان ريلوس يقفُ كطودٍ من الجدية، وعيناه تشرقان بلهبِ الانضباط، وهو يهتفُ بصوتٍ غاضب : " كم مرةٍ أخبرتكَ يا صاحب السمو؟! الوقتُ في حياةِ الملوكِ ليس ملكاً لهم، لا يجب أن تفوّت ثانية واحدة من دروسك. فالثانيةُ التي تهدرها في اللعب، هي ثغرةٌ في جدار المملكة. "
اقترب ريلوس منه، ووضع يده الثقيلة على كتف الصبي الصغير، لتتحول نبرتُه من الغضب إلى ثقلِ المسؤولية: "أنتَ لستَ مجرد صبي، أنتَ القدوةُ التي ستشرقُ على هذه الأرض. أنتَ الأملُ لذا لا يكفي أن تكون الأول.. بل يجبُ أن تكون الأفضل... في كلِّ شيء، النسخة التي لا تُقهر من الكمال، وإلا.. فستنهارُ هذه الجدرانُ فوق رؤوسِ الجميع. "
كان المشهدُ في ذاكرته يفيضُ بالبؤس؛ صورة صبيٍّ في الثالثة عشرة يرتدي أفخرَ ما نسجتهُ حريرُ المملكة، ثيابٌ ملكية مرصعة بالذهب والياقوت، لكنها كانت تبدو وكأنها "كفنٌ" لروحٍ حية. لم يكن وجهه الصغير يعكسُ زهوَ الملوك، بل امتلأ بالتعبِ واليأس الذي يسبقُ الأوان؛ عيناهُ غائرتان، تحيطُ بهما هالاتٌ سوداء كظلالِ القبور، وكأنَّ النومَ والراحةَ كانا محرّمين عليه بموجبِ مرسومٍ ملكي. على عكسِ أبناءِ جيله الذين ركضوا خلفَ الفراشات، كان "جلجامش" يُعامل كوحشٍ كاسرٍ منذُ نعومةِ أظفاره.
في كل صباح، ومع بزوغِ أولِ خيطٍ للشمس، كان السكونُ يُذبحُ في ساحةِ التدريب. هناك، كان يواجهُ الجنرال "ماندول"، الأسطورةَ الحية التي لم تكن تعرفُ الرحمة. لم يكن التدريبُ دروساً في السيف، بل كان معركةً يوميةً تضعهُ وجهاً لوجهٍ مع حتفه. سقط جلجامشُ مراراً على وجهه، ليرتطمَ بالترابِ المبللِ بدمائه، بينما كان الجنرال يقهقهُ بضحكةٍ خشنة تهزُّ جدرانَ القصر: " هيا يا جلجامش! لا تنظر إلى الأرض، فالأرضُ لا تحتضنُ إلا الضعفاء! كلما اقتربتَ من حافةِ الموت، شعرتَ بطعمِ القوةِ الحقيقية . إن الموت يقربك من النعيم… وأنا أحرمك منه!"
وفي أحدِ تلك الأيام التي لم تغادر مخيلته، كان جلجامشُ ملقىً على الأرضِ جثةً هامدةً لا ملامحَ لها، جسدُه الصغيرُ خريطةٌ من الجراحِ والكدمات التي لم تجد وقتاً لتبرا. غادر "ماندول" الساحة بخطواتٍ ثقيلة، ودون أن يلتفتَ خلفه، ألقى بجملةٍ باردةٍ جمدت ما تبقى من إرادة الصبي: " لا تتأخر عن دروسك، يا فتى."
بصعوبةٍ بالغة، حاول الصبيُّ النهوض من عثرته. غرس أصابعه المرتجفة في تراب الساحة، لكنَّ جسده المنهك لم يطعه؛ فخانت القوةُ مفاصله وسقط ثانيةً على صدره. زحف بذاكرته مترنحاً نحو أروقة القصر، والدموعُ التي لم يجرؤ على ذرفها كانت تحرقُ حنجرته وهو يهمس في نفسه بمرارة: " لماذا يا أبي تجبرني على كل هذا؟"
وسط غشاوة التعب، سمع وقع أقدامٍ تقترب بسرعة. ركض أحد الحراس نحوه، وصرخ بنبرةٍ غلبت عليها الصدمة: " أيها الأمير! هل أنت بخير؟"
رفع جلجامش عينيه الذابلتين ليرى حارساً شاباً يمد يده نحوه بعفويةٍ لم يعهدها من قبل، وهو يقول بصدق: "دعني أساعدك يا سمو الأمير.. … تبدو مرهقًا."
لأول مرة، ترك جلجامش نفسه ينهار، فسقط بين ذراعي الجندي الذي حمله إلى غرفته. حين استيقظ، وجد نفسه على سرير من رخام وستائر صفراء تحيط به. نهض مذعورًا يبحث عن سلاحه، لكنه فوجئ بالحارس يقف أمامه مبتسمًا:" لقد سقطت، أيها الأمير، لذا جلبتك إلى هنا. اسمي لورن. إذا احتجت إلى شيء، يمكنك الاعتماد علي."
رتسمت على شفتي جلجامش ابتسامةٌ صغيرة، باهتة كفجرٍ شتوي، ورد بصوتٍ خفيض: " شكرًا لك يا لورن. سأطلبك إذا احتجت شيئًا… يمكنك الذهاب الآن ."
خرج لورن بعد أن أدى التحية بانضباط، تاركاً خلفه هدوءاً لم يألفه الأمير الصغير. وقف جلجامش أمام مرآته الكبيرة ليبدأ بتغيير ثيابه المدمّاة؛ كان جسده الصغير خريطةً مرعبة من الكدمات الزرقاء والجروح المفتوحة، علاماتٌ رسمها ماندول لتكون ميثاقاً بينه وبين القوة، لكنَّ تلك الندوب كانت تصرخُ بصمتٍ عما فُقِد من طفولته.
ومع غياب الشمس، كان جلجامش ينتقلُ من جحيم "ماندول" الجسدي إلى معترك "السياسة" الذهني. في قاعة الاجتماعات الكبرى، كان الصبيُّ الصغير يجلسُ وسط الوزراء و الملك، جسده الضئيل يكاد يختفي خلف الطاولة الرخامية الضخمة، لكنَّ حضوره كان يطغى على الجميع. كان يجلسُ بجوار الوزير "سيليزار"، الذي اتخذه تلميذاً نجيباً ليعلمه خبايا الآستراتيجيات وفنون الحكم .
هناك، أذهل جلجامش الحضور بذكاءٍ متقدٍ يسبقُ سنّه بدهور؛ كان يحللُ الأزمات ويرسم الخطط الحربية ببراعةٍ جعلته ينافس كبار الوزراء دهاءً. كان "سيليزار" يرمقه بابتسامةِ فخرٍ لا تخفى، وكأنه يرى فيه المعجزة.
أما الملك لوغال، فقد كان قابعاً في صمته المهيب، عيناه لا تعكسان أيَّ بريقٍ للرضا، وكأنَّ كل ما يحققه ابنه ليس سوى الحد الأدنى من الواجب الذي لا يستحق الثناء.
لكنَّ اليوم لا ينتهي هنا؛ ففي جوف الليل، وتحت ضوء الشموع الذابلة، كان الحكيم "هيرالد" ينتظره ليغوص به في أعماق التاريخ وألغاز الحساب. لم يستطع الحكيم إخفاء ذهوله أمام سرعة بديهة الأمير، فكان يتمتم بإعجابٍ مشوبٍ بالحذر: " لقد رُزقت المملكة بنابغةٍ يا جلجامش.. عقلك شعلةٌ قد تضيء العالم. لكن، احذر يا بني.. إياك والغرور؛ فالغرور هو الثقب الصغير الذي يغرق السفن العظيمة، وهو مفتاح الموت الذي يفتح أبواب الفناء.
خفض جلجامش رأسه المثقل بالمعلومات، وأجاب بصوتٍ مبحوحٍ هادئ، حمل في طياته حزناً لا يوصف: "لا داعي للقلق، يا معلمي. لقد اعتدت رؤية الموت حتى لم أعد أهابه. بل صرتُ أراه رفيقاً ."
رفع عينيه المتعبتين نحو "هيرالد" وأكمل بمرارة: "لا أفهم هدفي في هذا الوجود. لقد وُلدتُ محاصراً بجداول صارمة، ودروسٍ لا تنتهي، وتدريباتٍ تمزق الجسد. أنا أتحرك وفق مساراتٍ رسمها لي غيري، ولا أملكُ حق الخروج عنها ولو لدقيقة واحدة.. هل أنا أميرٌ حقاً، أم عبد . "
سكنَ "هيرالد" برهة، وأطرقَ برأسه وكأنَّ كلماتِ الصبي قد أيقظت فيه عجزاً قديماً. لم يجد في جعبتهِ من الحكمةِ ما يواسي به روحاً تُذبحُ باسمِ العرش، فتمتم بنبرةٍ غلبت عليها الشفقة: " ما بيدي حيلةٌ لتغييرِ هذا الواقع يا فتى.. لكنني، وبحكمِ معرفتي العميقة بوالدك منذُ أن كنا صبيينِ نركضُ في هذه الردهات، أعلمُ يقيناً أنه يحبك. الملكُ "لوغال" ليس رجلاً غليظ القلب بطبعه، لكنه رجلٌ لم يتعلم لغةَ العناقِ أو التعبير عن المشاعر قط؛ فقد صُهر في الحروب حتى صارَ الصمتُ رداءه، والصرامةُ وسيلته الوحيدة لإعدادك لعالمٍ لا يرحم. "
ادر الحكيمُ الغرفة، تاركاً خلفه وصيةً بالنوم كانت تبدو لجلجامش كأمنيةٍ مستحيلة. وضع الأميرُ الصغيرُ رأسه المثقلَ بالتواريخِ والحسابِ وفنون القتال على وسادته، محاولاً سرقةَ لحظاتٍ من العدم. لم ينم إلا ساعتين خاطفتين، حلمَ فيهما بآفاقٍ لا تحرسها السيوف، قبل أن تهجمَ عليه الضوضاءُ لتوقظه من جديد. كان هذا الجحيمُ المنظم هو روتين حياته اليومي منذ أن كان في الثامنة من عمره.
وفي صبيحةِ يومٍ مشمس، كان ضياؤه يتناقضُ مع الظلمةِ القابعة في أعماق الأمير، انتهى جلجامش من تدريبٍ قاسٍ مع "ماندول" ترك جسده يئنُّ من الوجع. اقترب منه الحارس "لورن" بخطواتٍ سريعة، وكان هو الوجهُ الوحيد الذي لا يذكره بالألم، وقال بنبرةٍ حملت بعض القلق: " سمو الأمير.. ، الوزراء يطلبونك في قاعة الاجتماعات."
في وسط القاعة الرخامية الباردة، كان الحكيم "هيرالد" ينتظره والابتسامةُ تملأ وجهه المجعد بنورٍ غير معهود. اقترب من الأمير الصغير وتمتم بنبرةٍ حملت انتصاراً عظيماً: أبشر يا فتى. لقد تحدثت مع الملك، وبعد جهد كبير، أقنعته أن يمنحك ساعة راحة يوميًا."
تسمر جلجامش في مكانه، واتسعت عيناه بذهولٍ صاعق، وكأنَّ هيرالد قد منحهُ صكاً لامتلاكِ العالم: " ساعة كاملة؟! هذا كثير… ماذا سأفعل بكل هذا الوقت؟"
انفجر "هيرالد" ضاحكاً، ضحكةً دافئة احتضنت حيرة الصبي، وقال:" أنت لا تزال فتى. اخرج، العب، استكشف المملكة. هذه فرصتك. ساعة قبل الاجتماع اليومي… فلا تتأخر!"
وبحركةٍ أبوية حانية، دفعه هيرالد نحو الأبواب العملاقة وهو يصيحُ في الحراس بصوتٍ جهوري: " افتحوا الأبواب للأمير!"
نطلق جلجامش.. ركض بكل ما أوتيت ساقاه من قوة، وبكل ما اختزنته روحه من كبت. كانت خطواته تتسارع فوق بلاط القصر وكأنه عصفورٌ نسيَ الطيران وفجأةً وجد القفصَ مفتوحاً. كان صوت الحكيم يترددُ خلفه كأغنيةٍ بعيدة: " هذه فرصتك يا فتى.. انطلق! "
توقف الصبي عند الحافة الخارجية للقصر، ورفع رأسه نحو السماء الصافية. في تلك اللحظة، امتلأت عيناه بنورٍ غريب، نورٍ لم تلمحه الكتب ولم تصفه كان نورَ الحرية الخام. وتحت ضوء تلك الشمس، شعر جلجامش لأول مرة بأنَّ العالمَ ليس مجرد "خريطةٍ للحرب"، بل هو فضاءٌ واسعٌ ينتمي إليه.