اقتربوا من مدخل المدينة. توقف لوس قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً من هواء البحر المالح الذي يلف المدينة، وقال بنبرة هادئة: " مدينة رودريك! لم تتغير كثيراً . "

في هذه الأثناء، لم ينتظر جلجامش أحداً؛ بل تقدم بخطوات واثقة وجسد صلب مخترقاً بوابة المدينة، متجاهلاً أحاديث ، وكأن وجهته محددة في عقله ولا تقبل التأجيل. نظرت جاسمين إلى لوس بفضولها المعتاد، وسألت: " كيف تعرف عن هذه المدينة يا لوس؟"

ابتسم لوس ، ورد وهو يسير بجانبها : " ألم تعرفيني بعد يا جاسمين؟ أنني أحب الاطلاع على كل شيء، وقد زرتها منذ زمن طويل قبل أن تولدي بمدة. "

لتعجب جاسمين وبفضول تسأل: " مِن أين أنت يا لوس؟"

أغمض لوس عينيه وكأنه يستحضر صورة : " من مكان بعيد جدًا. " ثم أغمض عينيه وقال : " لن نستطيع الذهاب إليه الآن. "

قطبت جاسمين حاجبيها وسألت : " لِمَ لا؟ "

التفت لوس إليها، وهو يذكرها بالواقع : " لأننا متوجهون لعالم الجان. هل نسيتِ؟ بعد عالم الجان سوف آخذكم إليه. "

هنا تتحمس جاسمين وتقول: " هل تعدني يا لوس؟ "

تبسم لوس بصدق، ووضع يده على رأسها بحنان: " بالطبع أعدك. "

نظروا إلى جلجامش وهو يحدث أحد العامة. لتجري جاسمين نحو جلجامش وتقول: " إلى أين؟"

ليرد: " إلى الميناء. "

يتجه جلجامش إلى الميناء ويتبعه من معه. وجد جلجامش رجلاً عجوزًا يعمل هناك. وقف جلجامش أمام العجوز، وارتسمت على وجهه ابتسامة نادرة لم يعهدها الرفاق، وقال بنبرة ساخرة ممتزجة بالمودة : " ألم تمت بعد أيها العجوز؟"

ليتعجب الرجل العجوز ووجهه مشمئاز. يتفاجأ أرجوس ويقول: " هل جلجامش سوف يقتل الرجل العجوز ؟"

لكن الرد جاء صاعقاً للجميع؛ انطلقت ضحكة قوية ومبحوحة من صدر العجوز، وصرخ بصوت يملؤه الوجد: " جامش! أيها الشقي!" وبحركة سريعة لا تتناسب مع عمره، اندفع العجوز ليعانق جلجامش بقوة. تجمّد الرفاق في أماكنهم.

ربت جلجامش على كتف العجوز وقال بهدوء: " مر وقت طويل يا لورن.. "

قهقه "لورن" وهو يمسح دمعة فرت من عينه، وقال: " أخيرًا خرجت من عزلتك يا فتى! أخيرًا أتيت لترى الرجل العجوز لورن قبل ان يموت . "

تبسم جلجامش، وبدت ملامحه أكثر ليونة: " تبًا لك يا رجل، لقد كنت جنديًا، لم تكن ضعيفًا، لذا لن تموت بسهولة . "

هز لورن رأسه بانتشاء: " هذا الفتى الذي أعرفه لا يزال لسانك حاداً كالسيف."

ثم التفت لورن ليرى الرفاق الواقفين خلف جلجامش بصدمة، وتفحصهم بعين خبيرة: " ثلاثة فتيان.. وفتاة صغيرة.. وحصان؟ من هؤلاء يا جامش؟"

جلجامش بتردد: " إنهم برفقتي......، نحتاج سفينة يا لورن ."

ليبدأ لورن يحك رأسه كما لو أن الأمر صعب. ليقول: " جامش ...... "

تقدم جلجامش خطوة، وخفّض نبرة صوته لتصبح هادئة ورزينة بشكلٍ أذهل رفاقه، ونظر مباشرة في عيني جنديه القديم قائلاً : " أرجوك سيد لورن، لقد وجدت طريقي لعالم الجان. "

انتفض لورن كمن لدغته أفعى، واتسعت عيناه بصدمة، وصاح محتجاً: " توقف! لا تناديني بسيد! إنها تخرج من فمك بغرابة! ...... لكن هل بحق أنت متوجه لعالم الجان يا جامش؟"

أجاب جلجامش بكلمة واحدة : " نعم . "

زفر لورن زفرة طويلة، وكأنه يلقي بحمل ثقيل عن كاهله، ثم أشار بيده نحو حوض بناء السفن القريب وقال: " حسنًا، هنالك سفينة سوف تنتهي بعد يومين. خذوها. "

يتبسم جلجامش ويقول: " شكرًا لك يا لورن. "

يصرخ لورن ويقول: " يا أهالي رودريك، هؤلاء ضيوفنا، اعتنو بهم!"

تجمع السكان في حلقات، والفضول يلمع في أعينهم. وبينما كانت الأنظار تتفحص الغرباء، شعر "أرجوس" بضغط الحشود يطبق على صدره. انكمش على نفسه وحاول إخفاء وجهه تحت غطائه، وهو يتمتم في سره بحنق : " هل يرونني غريبًا؟ تباً، كم أكره التجمعات! "

لم تحتمل "جاسمين" منظر أرجوس وهو يرتعد خجلاً، فاندفعت نحوه وهي تضرب الأرض بقدميها صائحة: "هذا الغبي! إنهم ليسوا خائفين منك أو شيء كهذا!"

في تلك اللحظة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها أحد، مدّ "لوس" يده وسحب غطاء الرأس عن أرجوس، كاشفاً وجهه بالكامل للشمس وللناس. صرخ أرجوس بذعر وهو يحاول استعادة غطائه: " لماذا فعلت هذا أيها اللعين؟ "

لكن صرخته تلاشت حين اقتربت منه فتاة شابّة، ملامحها تشع حيوية، ونظرت مباشرة في عينيه قائلة بصدق: "إن عيناكِ جميلتان."

تجمد أرجوس في مكانه، واختفت الكلمات من حنجرته. تحول وجهه إلى حمرةٍ قانية، وبدأ يفرك يديه بتوتر مضحك وهو يتمتم بصعوبة: "ش.. شكراً.. لقد.. لقد ولدتُ بهما.. "

انفجرت الفتاة ضاحكة من رده العفوي، ومدت يدها قائلة: " اسمي روشا. ما اسمك؟"

ابتلع أرجوس ريقه بتوتر:" اسمي أرجوس."

تبسمت روشا برقة: " تشرفت بلقائك يا أرجوس. أخبرني، من أين أنت؟" وبدأ الاثنان في حديثٍ جانبي، بينما وقف أرجوس وكأنه ينسى كرهه للتجمعات لأول مرة في حياته.

أما جاسمين ، فتجمع الأطفال حولها. ليقولوا: " هل حقًا ترتحلين معهم ؟"

جاسمين بفخر: " طبعًا! أترونهم؟ جميعهم لا يستطيعون فعل أي شيء من دوني . " ليصرخ الأطفال بحماس: " مذهل. "

لوس كان يتفسح في المدينة، وأما إيرولد فتوجه إلى السيد لورن الذي كان يعمل على صنع القارب. كان يضرب المسأمير بشكل احترافي. ليقول إيرولد: " لقد كنتَ حارسًا والآن تعمل في صنع القوارب. هل هذه هواية؟"

ليرد لورن: " لا. وجدتُ نفسي بعد مدة في صنع القوارب، ولهذا تخلَّيت عن كوني حارسًا."

ثم يقول السيد لورن: " أخبرني يا فتى، لِمَ أنت مُتوجه لعالم الجان؟"

ليرد إيرولد بصوت جاد: " أسعى لفصل العوالم."

يترك السيد لورن مطرقته ويقول: " إذاً كيف تنوي فعل هذا؟"

يرفض إيرولد أن يجيب على لورن، لكن في أعماقه، هذه هي الخطة التي يجب أن يصل إليها: إن العالمين ليسا متداخلين بالصدفة، بل يتبادلان الطاقة عبر نقطة اتصال لفصلهما، يجب إعادة توزيع أو سحب الطاقة المشتركة ثم ختم تلك النقطة يتطلب هذا تضحية.

تأتي جاسمين إلى السيد لورن و إيرولد وتقول: " إذاً أنت صديق جلجامش منذ صغره، صحيح؟"

ليجيب لورن: " لم أكن صديقًا له، بل حارس في القصر، لكن كنا نتحدث كثيرًا ."

لتسأل جاسمين: " إذاً أنت تعرفه بما يكفي، صحيح ؟"

ليجيب لورن: " طبعًا، قد يخفي بعض الأشياء، لكني أعرفه جيدًا ."

لتتسلق جاسمين على ظهر إيرولد وتقول: "إذاً أخبرنا ما هي قصته ."

ليضجر إيرولد ويقول: " ألم تستسلمي يا جاسمين ؟"

لتصرخ جاسمين وتقول:" يجب أن أعرف طبعًا من يرافقنا ، ليس من دافع الفضول !"

ليرد إيرولد بسخرية: " طبعًا، طبعًا ."

ليتبسم السيد لورن ويقول: " اتبعوني إلى مقدمة الميناء ."

بينما كانوا يلحقون السيد لورن، قال إيرولد لجاسمين: " لا تتوقعي الكثير منه، يبدو أن قصته تتعلق بالحروب فقط ."

لتجيب جاسمين: " لا نستطيع أن نحكم الآن ."

يتوقف السيد لورن في مقدمة الميناء ويجلس. يلعب الموج بهدوء تحت قدميه ويقول: "لا أدري إذا كان سوف يغضب مني أم لا، لكن يجب عليكم معرفة هذا على الأقل بما أنكم متوجهون الى عالم الجان وربما لن تعودوا."

لتقول جاسمين بسخرية: " ما هذه المقدمة السخيفة !"

يبدأ السيد لورن بشرح لهم طفولة جلجامش الصعبة، بعدها ينتقل إلى أول مرة خرج فيها من القصر الملكي.

ركض جلجامش خارج القصر لأول مرة منذ سنوات، والهواء الحر يصفع وجهه الصغير. كانت شوارع أوروك تضج بالحياة؛ الباعة ينادون على بضائعهم، الأطفال يركضون ضاحكين، والموسيقى تنبعث من بعيد.

توقف لوهلة، أنفاسه متسارعة، وعيناه تتأملان المشهد بدهشة لم يعرفها من قبل. همس لنفسه: " أهذا هو العالم…؟"

جلس قرب نافورة حجرية يراقب الأطفال وهم يتراشقون بالماء ويضحكون. أراد أن يشاركهم، أن يركض مثلهم بلا هموم، لكنه تردد. اقترب بخطوات خجولة، فتوقف الأطفال فجأة حين رأوا ثياب الأمير الفاخرة رفع جلجامش يديه مبتسمًا وقال: " هل يمكنني اللعب معكم ؟”

ساد الصمت لحظة، ثم ضحك أحدهم قائلاً: " حتى الفتى الغني يريد اللعب؟ هيا ! "

ولأول مرة في حياته، لعب جلجامش بلا قيود. ركض، ضحك، وسقط في الماء. لم يهتم بالثياب التي تمزقت، ولم يهتم بجراح جسده، فقط استسلم للحظة الحرية.

لكن فجأة، صرخ أحد الآباء: " كيو! أين أنت؟ ”

ثم التفت إلى جلجامش وعيناه تتسعان: " سيدي الأمير…! من فعل بك هذا؟! "

انحنى الجميع أمامه، وارتبك جلجامش، لم يكن يريد أن يعرف أحد حقيقته. اقترب منه الرجل وقال بخوف :

" لا تقلق، أنا من حراس القصر . سأعيدك إلى القصر . "

اشتد التوتر على وجه جلجامش، وقرر الهرب. ركض بسرعة لا يمكن لأحد أن يجاريه. تمتم الحارس بدهشة: " إذن… هذه نتائج تدريب الجنرال . "

ركض جلجامش بأقصى سرعته حتى اصطدم بفتاة صغيرة، فسقطت على الأرض تمسك رأسها من شدة الألم. تمتمت وهي تئن: " لقد اصطدمت بجدار… أوووش . "

انزل جلجامش بصره إليها، فرأى فتاة بعمره تقريبًا، ذات شعر بني مجعد ووجه يضيء كالشمس. ذاة اعين مثل العنبر بقي مبهورًا من المشهد، فيما رفعت الفتاة رأسها ببطء، لتصرخ فجأة:" أيها الأحمق! ألا ترى أين تذهب؟! "

قبل أن يكمل جلجامش التفكير، سمع أصوات رجال يلاحقونها. ركضت الفتاة مسرعة، فيما بقي هو واقفًا في مكانه، متجمدًا. اقترب الحراس منه وسألوه: " يا فتى! هل رأيت فتاة مرت من هنا؟”

صرخ الآخر وضرب زميله : " يا غبي! إنه الأمير! "

ارتبك الحراس وانحنوا بسرعة: " اعذرنا سيدي الأمير ، لم نتعرف عليك. "

سألهم جلجامش ببرود: " ماذا فعلت تلك الفتاة؟”

رد أحدهم: " لقد سرقت جرعات من أحد المتاجر. "

ابتسم جلجامش وقال: " إذن… دعوها. سأدفع ثمن ما أخذت. "

اعترض أحد الحراس : " لكن يا سيدي”

قاطعه جلجامش بحدة: " لا يوجد لكن. نفّذ ما أمرتك به.”

في زقاق ضيق معتم، كانت الفتاة تختبئ، تتنفس بصعوبة وهي تضحك : " هيهي… لقد أفلتّ منهم. "

أخرجت الجرعات من جيبها، تتأملها: " جرعتان شفاء… وجرعة حقيقة. هذه تكفي… ولو قليلاً. لن أحتاج الثالثة، سأعيدها بخلسة . "

شربت جرعة الشفاء الأولى، وحين رفعت الثانية إلى فمها، سمعت صوتًا ساخرًا خلفها: " إذن… أنتِ لصّة . "

ارتعبت، فسقطت الجرعة من يدها. التفتت لتجد جلجامش جالسًا فوق صندوق خشبي. صرخت غاضبة:

“ أيها اللعين! لقد جعلتني أسقطها… يا إلهي، من أين سأجلب غيرها؟! "

قفز جلجامش من فوق الصندوق وقال: " لماذا تسرقين الجرعات؟”

رمقته بنظرة حادة وأجابت: " وما دخلك أنت؟! "

ابتسم وقال بهدوء: " قد أستطيع مساعدتك. "

نظرت إليه باستغراب، عيناها تنتقلان بين ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي: " ساعد نفسك أولاً… تبدو كمتشرد. "

ضحك جلجامش: " فقط أخبريني. "

تنهدت ثم قالة : " أنا مريضة. أحتاج لجرعتين كل شهر حتى تستقر حالتي. "

اقترب منها أكثر وسألها : " أي مرض هذا؟”

هزت رأسها بأسى: " لا أعلم… هكذا قال لي والدي. "

“جلجامش و هوا يتفحص وجهها بعينيه: " وأين والدك الآن؟”

خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بصوت مكسور: " مات . "

صمت جلجامش قليلًا، ثم قال بحزم: " ابقِ هنا. سأعود . "

قالت بصوت قلق: " إلى أين؟ هل ستشي بي...؟"

لكن قبل أن تكمل، اختفى من أمامها. بحثت عنه بعينيها، ثم تنهدت وهي تتمتم : " أين ذهب هذا الشقي…؟”

نظرت إلى الجرعة المسكوبة على الأرض بحزن: " كم من أسبوع ستكفيني الجرعة التي تناولتها ؟”

وفجأة سمعت صوته من خلفها : " أنا هنا. "

قفز قلبها من مكانه وهي تصرخ : " توقف عن فعل هذا! "

ضحك وهو يمد يده لها بجرعة جديدة: " تفضلي… اشربيها . "

تراجعت متفاجئة: " لماذا تساعدني؟”

رفع يده إلى رأسه مترددًا وقال: " لا أعلم… لكني أريد ذلك. "

سألته بتعجب : " ما اسمك؟”

ارتبك لحظة ثم أجاب: " اسمي… جامش. "

ابتسمت بخفة: " جامش؟ هاه… اسم لطيف. اسمي إيليا. "

انعكس نور الشمس من خلفها على ملامحها البريئة، فتوقف الزمن لوهلة بالنسبة لجلجامش. أحس وكأن الأمل الذي افتقده في جحيم القصر قد وُلد من جديد.

صرخ جلجامش وهو يركض في الزقاق: " تبا… الشمس تغيب! يجب أن أعود. "

التفت نحو إيليا، التي ما زالت تمسك الجرعة في يدها. قال وهو يلهث: " هل… هل سأراك غدًا؟”

ابتسمت الفتاة بخفة وردّت: " بالطبع، هنا… إذا أردت. "

صرخ جلجامش بحماس طفولي: " اتفقنا! "

تقاطع جاسمين متأثرة: واه! يا لها من قصة رومانسية الأمير و اللصه ! من المستحيل لمن يراه الآن أن يعتقد أن هذه طبيعته منذ ولادته . "

ليرد السيد لورن: " لا لقد حدث شيء له مما جعله يتغير في طفولته كان يكره الخمر يمقت اي شخص يشرب الخمر. " لتقول جاسمين : " و الان هوا سكير ! " ليرد السيد لورن: " سوف اخبركي لماذا يسكر بعد انتهائي من القصة يا صغيره . "

ليكمل السيد لورن

انطلق جلجامش يجري بسرعة مذهلة، واختفى بين الأزقة، حتى وصل إلى أسوار القصر.

كان الجنرال ماندول واقفًا في الأعلى يراقبه، عيناه تلمعان بخبث. تمتم بصوت خافت: " منذ ولادتك، وأنا أعلم أنك ستصبح الأقوى… لكنك تحتاج إلى محفّز، يا فتى . "

أدار وجهه نحو أحد الحراس وأمره بصوت صارم: " أخرج أربعين مرتزقًا. اجعلوهم يتجهون إلى ذلك الزقاق في وقت راحة الأمير. ليتظاهروا أنهم يريدون أذية تلك الفتاة بعد أسبوع من الان . "

انحنى الحارس سريعًا وقال: " حاضر، أيها الجنرال . "

ابتسم ماندول ابتسامة باردة وهو يهمس: " لنرى… كيف سيتصرف جلجامش عندما يختبر قلبه لأول مرة . "

وصل جلجامش إلى أبواب القصر، يتصبب عرقًا وثيابه ممزقة من اللعب والجري. فوجئ برؤية الحكيم هيرالد واقفًا عند المدخل. قفز جلجامش نحوه واحتضنه بقوة قائلاً: " شكرًا لك، يا هيرالد ! "

ابتسم الحكيم وهو يربت على كتف الفتى : " هل استمتعت بوقتك، يا صغير ؟”

أجاب جلجامش بحماس: " نعم… جدًا ! "

رمقه هيرالد بنظرة متفحصة، تأمل ملابسه الممزقة وشعره الفوضوي، ثم قال مبتسمًا: " بالطبع فعلت. هيا، أسرع للاستحمام، فالاجتماع سيبدأ قريبًا. لا تجعل الملك ينتظرك . "

ضحك جلجامش ورد بحماس: " حاضر ! "

ثم اختفى بخطوات سريعة كأن الريح حملته، فتجمد هيرالد للحظة مذهولًا من سرعته. تمتم لنفسه: " انه بهذه القوة… لم يكن يظهرها من قبل. لقد أخبرتك يا لوغال، بطريقتك تلك ستطفئ شعلة الفتى .” تنهد الحكيم وتوجه إلى الداخل.

بعد أن استحم وغيّر ملابسه، دخل جلجامش قاعة الاجتماعات. كان هيرالد في انتظاره وهمس له: " لقد وصلت في الوقت المناسب، يا فتى. هيا، لنبدأ . "

جلس جلجامش إلى جواره، والوزراء يطرحون القضايا أمام الملك. تقدم أحدهم واشتكى: " يا جلالة الملك، قطاع الطرق يهاجمون القوافل المتجهة إلى المملكة… ثم يختفي آثارهم . "

رفع جلجامش يده على غير عادته، فعمّ الصمت في القاعة. أمال الملك رأسه قليلًا علامة السماح له بالكلام.

قال جلجامش بثبات : " يمكننا إرسال ثلاثة رجال بدلًا من الجنود. لو بعثنا جيشًا سيعرف قطاع الطرق أننا نتجه إليهم. أما لو أرسلنا ثلاثة فقط، يحملون بضائع رخيصة فلن يثيروا الشك. عندها يمكننا كشف مكانهم ومخططاتهم. أقترح أن أذهب أنا والجنرال… ومعنا أحد الحراس. ستكون هذه المهمة أيضًا تدريبًا بالنسبة لي . "

ساد الصمت لحظة، ثم بدأ هيرالد بالتصفيق له، تبعه الوزراء واحدًا تلو الآخر. حتى أن الملك نفسه ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة نادرة، ثم قال بنبرة هادئة: " حسنًا… بعد تسع أيام من الآن ستتحركون. لكن لا تتوقع أن أخبرك أن ترتاح خلال هذا الأسبوع… ستكمل روتينك المعتاد . "

وقف جلجامش، انحنى احترامًا، وقال: " شكرًا، يا جلالتك. "

2026/05/30 · 4 مشاهدة · 2372 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026