{م.م: لَاحِبة: الطريق والمسار الواسع الواضح الممتد.}
لم تكن حال "تشو زو" البدنية على ما يرام، حتى بعد خروجه من كبسولة السبات العميق.
لقد استيقظ قبل الأوان المقدر له.
وثمة أمر قد حدث؛ فحينما سمع "سيدني" جلبة وهرع إلى الغرفة المظلمة، كان "تشو زو" قد فتح غطاء الكبسولة بالفعل، وهوى على الأرض يلهث تلاحقاً مكروباً.
وبعد أشهر خلت لم يفتح فيها عينيه، كان الضوء الخافت في تلك الغرفة المظلمة يؤذي ناظريه على نحو مزعج.
وتجشم "سيدني" العناء ليرفع الرجل ويجلسه في الكرسي المتحرك الذي أُعدّ له.
وسأل "تشو زو" وقد تصبّب عرقاً بارداً: "الوقت...".
عرف "سيدني" ما يرمي إليه "تشو زو"، فستر عينيه بكفه وقال: "أجل، إنه اليوم الموعود."
سؤال وجواب لم يلتقيا ظاهراً بين أب وابنه، بيد أنهما دحضا الغموض بتمام الفهم بينهما.
وبعد فترة من السكون لاستجماع قواه، طلب "تشو زو" من "سيدني" أن يتوارى عن الأعين، ودفعه نحو المقبرة ليلقي نظرة.
حذّره "سيدني" ممتثلاً لأمره: "ليس في المقبرة سوى تانغ تشي، والمطر ينهمر بغزارة يا أبي."
لم تتغير نبرة "تشو زو"، وكان صوته متحشرجاً أثراً من يقظته الحديثة: "إذن فاحمل معك مِظلة إضافية".
وانتهى المطاف بتلك المظلة الإضافية التي أحضرها "سيدني" بين يدي "تشو زو".
وظل ممسكاً بها وقتاً طويلاً.
ورأى "سيدني" ذراع الرجل المرتجفة وقد تصلبت من خَدَر أصابها.
وحينما وقعت عيناه على الجثة الملقاة على الأرض، اختفت أمارات الشفقة الدافئة من ناظريه في لمح البصر.
ولم ينقطع انهمار المطر.
حينها، بعث "سيدني" برسالة إلى "لعزار".
[لقد انقضت الانتخابات منذ أشهر، وما زال عامة الناس لا يذكرون من في البرلمان. فلمَ لا يُستبدلون؟]
أجابه "لعزار" على الفور: [ما الخطب؟]
[لقد هلك لوتشيانو إسبوزيتو. وهو الآن في المقبرة. وأنا في المقبرة كذلك.]
ولم يردّ "لعزار" بعدها، وما هي إلا برهة حتى انقشعت الغيوم.
ومع تَبَدُّدِ السُّحُب، أعان "سيدني" أباه "تشو زو" على طي المظلة، ودفع الكرسي المتحرك خارجاً ببطء.
ولأجل السلامة، جُرِّد الكرسي من أي معونة ميكانيكية.
وكان "سيدني" قد أقسم على رعاية أبيه.
ولم تمنحه أشهر التدريب تلك الهبات البدنية الفذة التي كان يملكها "تشو زو" سالفاً، لكنه غدا قادراً على دفع الكرسي الثقيل فوق الأرض الوعرة المبتلّة بماء المطر.
وترك الكرسي وراءه خطين غائرين، غابا عن العين بمجرد الوصول إلى طريق الأسفلت الممهد.
ومع ذلك، أخذت تلك الرحلة نصيبها من إجهاد جسد "تشو زو".
وباتت المصطلحات الطبية، التي كانت غريبة عن مَسامع الرجل يوماً، معروضة أمامه في سطور متراصة كثيفة.
فإن أعراض الرفض المناعي للجسد السايبورغي (المُهجّن آلياً) يمكن كبحها بالعقاقير والوسائل الشتى، لكن آثارها الجانبية كانت بادية: دُوار، وصُداع، ووَعْثاء كسل، واضطراب مَعِدة، وغَثيان، وخَفَقان، ودوران رأس، وقيء.
{م.م: وَعْثاء كسل: ثقل البدن والخمول الشديد}.
وألم حاد.
وكان الأجدر بـ "تشو زو" ألا يطيق هذا الألم.
حتى إن الطبيب الذي نبش عنه "لعزار" من دائرة الرقابة والتحري -وهو الذي أجرى الجراحة لـ "تشو زو"- قال إن الألم الذي يكابده "تشو زو" الآن يشبه ما يعانيه رجل عادي يخضع لجراحة نقل العصَب بلا تخدير.
بيد أن "تشو زو" لم يُبْدِ حراكاً يُذكر.
إذ تجاوزت قدرته على تجرع الألم أوهام الجميع.
وما عجز معظم الناس عن تحصيله في تسع وعشرين سنة، حاذ حيازته في أشهر معدودات.
ولم يسمع "سيدني" بعدها تلك الأنفاس الواهنة المخنوقة التي سمعها أول مرة.
ولم تكن فترة النقاهة رتيبة مملة.
فقد كانت الدسائس والصراعات على السلطة بمثابة وبائل هجمت على خلوته دون رغبة منه.
وكان "تشو زو" يبكر في الاستيقاظ كل يوم، فاكتسب "سيدني" هذه الخِصلة منه.
وعلى الرغم من أن دار "داي شيان" قد غدت كالهُوَّة السحيقة التي تملؤها الأوحال، يرتادها خلق لا يُحصون كل يوم يحملون ملفات رقمية، فإن "سيدني" ظل ثابتاً يدفع أباه لطعام الغداء ثم يقربه من النافذة لينال حظه من ضياء الشمس.
قال "لعزار": "متى نُشيع نبأ موت لوتشيانو؟".
أجابته "داي شيان": "قريباً، قبل أن يسبقنا تانغ تشي إلى ذلك".
سأل "سيدني" أباه: "أتبتغي شيئاً من الحليب؟".
هز "تشو زو" رأسه رفضا: "أنت في مقتبل النماء. فاجرع كوبين".
فغضن "سيدني" حاجبيه قائلاً: "... لقد نموتُ كثيراً يا أبي".
"بل ثلاثة أكواب".
"أوه!".
قال "لعزار": "نحن بحاجة إلى مشهد سياسي يستعيد به السيد تشو زو مكانته على المسرح...".
فقاطعته "داي شيان": "إنه لا يزال في فترة نقاهة! انظر إليه؛ يمكن لأي أحد الآن أن يقذف به وبسيدني في محرقة!".
قال "سيدني" لـ "تشو زو": "لم تمطر السماء منذ أيام، وقد طُهّرت الضاحية بالكامل. أتريد أن نخرج للمشي بعد قليل؟".
هز "تشو زو" رأسه مجدداً: "إن كان في جسدك فضل قوة، فسأرقبك وأنت تركض. اركض خمسة أشواط".
"لقد أتممت ركض الصباح بالفعل".
"إذن فعشرة أشواط".
"ولِمَ هذا يا أبي!".
وبلغ الأمر بين "داي شيان" و"لعزار" طريقاً مسدوداً.
فبادر رجل قريب منهما، وقد استشف مآل الحديث، بطرح فكرة سريعاً.
"لا يحتاج السيد تشو زو إلى بذل أي جهد! ما رأيكم في تهيئة سايبورغ شبيه بلوتشيانو تَماماً، وأثناء بث مباشر يشرح إنقاذ السيد تشو زو، يتعرض هذا الشبيه لعيار ناري من قنّاص؟ حينها نقطع البث، ونذيع الأنباء، ونصدر مذكرة اعتقال بحق تانغ تشي".
وقبل أن تجيب "داي شيان" أو "لعزار"، نطق "تشو زو" بغتة، وهو الذي لم يكن مشاركاً في جدالهم.
"أنت أشبه بلوتشيانو من ذلك السايبورغ الآلي".
ولم يكن ثمة حاجة لإكمال الحديث.
فقد فقه السامع المغزى.
أنت أشبه بلوتشيانو من ذلك السايبورغ.
فلِمَ لا ترتدي أنت القناع الهولوغرامي وتتلقى رصاصة القناص بنفسك؟
فامتقع وجه المتحدث، وارتجفت شفتاه، وباتت يداه ورجلاه في اضطراب لا يدري ما يصنع بها.
وخلال المدة التي زعم فيها "تشو زو" الموت، جرى بين حاشية "إسبوزيتو" الداخلية مناقشات واختلافات شتى.
ولأجل إقناع "تشو زو" بولوج كبسولة السبات، نسجوا مع "داي شيان" حكاية لم تكن كذباً محضاً.
ولم يكن أحد يتوقع أن "تانغ تشي" سيقدِم على فعلته حقاً، فضاق عليهم الأمر وازدادت الحال تعقيداً، مما ألجأهم إلى بذل غاية وسعهم في مهب العاصفة.
كانوا هم المسؤولين عن موت لوتشيانو، بيد أن جُلّ اللوم يقع على عاتق تانغ تشي.
لكن المعضلة تكمن في: ماذا لو كان "تشو زو" لا يكترث لأي شيء في الحقيقة -لا لسيدني، ولا لداي شيان- وأصر على أن يكون كذئبٍ منفردٍ يبتغي الثأر بنفسه؟
حينما كان لوتشيانو حياً، كان "لعزار" يتشتت ذهنه كلما رآه، متخيلاً على الدوام كيف ستكون ردة فعل "تشو زو".
وظن معظمهم أن الرجل سيتحول إلى كائن أشد فتكاً ورعباً.
وما دام قادراً على تجرع الألم، متناسياً تداعي جسده، فإن "تشو زو" بنصفه الآلي سيكون المغتال الذي لا يملك العالم له حلاً.
ولكنه لم يكن لِيَقْدِرَ على قتل تانغ تشي.
فتانغ تشي يملك شفرة الباب الخلفي للسايبورغ، ومقارعته ستكون أمداً طويلاً.
غير أن الأمور لم تؤل إلى السوء الذي خشوه.
فقد هلك لوتشيانو، واستيقظ تشو زو.
والرجل، فور سماعه الأنباء، تلقاها بسكينة بالغة، على عكس ما توقعوا من طالبِ ثأرٍ يجر جسداً شارف على الموت ليقتفي أثر القاتل.
بل سأل "لعزار" بصوت رقيق: "من صَنع هذا؟".
فأجابته "داي شيان" قاطعة: "تانغ تشي".
فرفع "تشو زو" ذقنه، مشيراً لكونه قد علم.
وكانت الأمور أبعد عن التنبؤ مما ظنوا بكثير.
فقد أصبح "تشو زو"...
إن العلاقات والروابط التي كانت تُقاد يوماً بالمنطق والمكاسب، فقدت كل توازن بمجرد أن ينطق بكلمة.
لم يكن يتلذذ بالهيمنة، بل كان لا يرى أمامه سوى الامتثال والإنصات.
لم يكن بحاجة إلى البطش، بل كان يمقت فضول القول وضياع الجهد في الخصومة، فيسحق الحوار سحقاً تاماً.
والرجل الذي كان ينعم بضوء الشمس لم يظهر عليه شيء من ضراوته السالفة.
كحيوان نُزعت مخالبه وأنيابه، لم يبدُ كاسراً البتة، بل كان يغض طرفه في وداعة وسكون تحت الضياء.
مع ذلك، لم يكن أحد ليجرؤ على وصف حاله بالارتخاء، أو يربط بينه وبين ذلك الأب العادي الذي كان يحادث سيدني بأنس قبل ثوانٍ معدودات.
إن مسالك الحوار وجداوله التي كانت تموج بالصدى والالتواء، صارت أمامه غدير ركود تام.
وضغط ذلك الماء، عميقاً كان أو ضحلاً، كان يطفو على السطح، ليفكك أوصال كل من أُلجئ إلى مواجهته.
أجل، لم يكن "تشو زو" يبعث الآن رعباً من عنف لا حيلة معه، بل كان يولد ضغطاً عميقاً لا يمكن وصفه إلا بلغة جافة ورموز مصمتة.
وكان "تشو زو" أهلاً ومستحقاً لهذا كله.
فإن "سيدني" كان قادراً برسالة واحدة أن يستبدل برلماناً كاملاً يتحكم في جموع الشوارع عبر مطر اصطناعي.
وسلطة "تشو زو" لن تكون إلا أعظم من ذلك، معجزة صاغها الجميع معاً.
وحينما أدرك "لعزار" هذا، بات ينتقي كلماته بحذر شديد.
ولم يكن ينجو من تلك الهيبة سوى "داي شيان" و"سيدني".
قالت "داي شيان" وهي تدلك صدغيها لتصرف الحاضرين: "اخرجوا".
وبعد توديعهم، جلست "داي شيان" عند حافة النافذة.
فقال "سيدني" بضيق: "إنكِ تحجبين ضياء الشمس".
"اذهب واركض أشواطك، وليكونوا عشرة، سأحسب بدلاً عن تشو زو".
فكشّر "سيدني" عن أنيابه بامتعاض.
قال "تشو زو" ملوحاً للصبي بالخروج: "سأحدث أنا داي شيان".
لم يكن يملك من القوة إلا النِزْر اليسير، لكن "سيدني" تباكى مبالغاً، وصرخ متوجعاً تظاهراً وهو يتعثر في خطاه خارجاً.
فتأففت "داي شيان" قائلة: "كفاك تمثيلاً."
"إن أباك يعلم طَوِيَّتِكَ وسَجِيَّتِك. اغرب عن وجهي."
فمضى "سيدني" لحاله.
وكان الغلام ذو الاثني عشر عاماً ينمو سريعاً، فامتدت أطرافه النحيفة وهو يجري حركات الإحماء فوق العشب الاصطناعي، ويسرق النظر تارة بعد تارة نحو النافذة.
وكان خيال "داي شيان" يحجب "تشو زو" بالكامل عن ناظريه.
فتمتم "سيدني" ببعض الكلمات، ثم شرع في الركض الهادئ.
قالت "داي شيان" صراحة دون مواربة: "لا أدري آنتَ تتظاهر بالكذب أم تُنَفِّسُ عن كَرَبٍ في صدرك. إن كنت ترى أنك ملزم بالوفاء للوتشيانو، فسأتجنب نقاش هذه الأمور معهم في حضورك المرة القادمة".
رفع "تشو زو" ذراعه.
ولأجل تجنب الإجهاد العصبي، نادراً ما كان يستخدم نصف جسده المعدل آلياً.
فاستقرت كفه المعدنية، بشيء من الخرق، فوق يد "داي شيان"، وأخذت أصابعه تشتد حولها ببطء.
{م.م: الخرق: عدم الإتقان أو التصلب في الحركة}.
وازداد تقطيب وجه "داي شيان"، ومدت يدها لتمس جبهته قائلة: "آنتَ بخير؟".
"سأجد موضعاً ليكون مكتباً. وكل من يبتغي جواباً فليقصدني أنا مباشرة. لا تقحم نفسك في هذا. الزم دارك والعب مع ابنك السخيف".
قال "تشو زو": "لا تحجبي عني الرؤية"، وتمكن أخيراً من ضبط قوته ليدفع "داي شيان" جانباً، ليرى "سيدني" وهو يزيد من سرعة ركضه لينقلب إلى وثبات جرو صغير يموج بالفرح والنشاط.
"داي شيان": "...".
ولم تطق هذا العناد منه، فنهضت بغتة وهمّت بالخروج.
"أَيَا داي شيان، لا أدري ممَ كل هذا التوتر المنبعث منك."
ولم تكن تتوقع أن يستوقفها "تشو زو".
فالتفتت لتجد ناظريه لا يزالان يرقبان ركض "سيدني"، وقزحيتاه تلمعان بحمرة صافية تحت ضياء الشمس.
"إن للمنطقة السفلى جَلَبَة، وللعليا مثلها. وكان لوتشيانو يقيم لتلك الجلبة وزناً عظيماً. بيد أنها لا تغني شيئاً".
"إن المنطقة السفلى قادرة على هتك الستار الحديدي في أي حين. وإن لم تُطَوِّع صياغة الأخبار في المنطقة العليا، فستأتيك السهام من كِلْتا الجبهتين. وكان لوتشيانو يشفق من هذا، فَجَعَلَ يدير الرأي العام في حلقات مفرغة".
قال "تشو زو": "لست أبتغي الاستئثار بصياغة الأخبار،"
"بل كل ما أحتاجه هو صياغة الحدود والتعريف".
فارتجف جفنا "داي شيان" كأنهما قد فطنا لأمر عظيم.
وتحول تعبير وجهها بغير وضوح من الحيرة إلى الذهول المطبق.
قال الرجل بهدوء تحت نظراتها المدهوشة: "تماماً كاليوم الذي سميناه 'يوم تحرير البيانات'".
"لا يعرف كيف يَسُوسُ الخَوَارِجَ إلا الخوارج أنفسهم. ولا يقدر على كبح جماح أهل المنطقة السفلى إلا من نبت من طينتهم".
{م.م: يسوس: يقود ويُدِير.}
"أرأيتِ أولئك القابعين هناك في الأسفل، الذين يبذلون مهجهم وأموالهم لأجل حيازة شمس مستعملة؟".
{م.م: مهجهم: أنفسهم.}.
"إن أنا جعلت حدّهم كأهل المنطقة العليا، ومنحتهم سبيلاً للارتقاء وحقاً في حكم من دونهم، فماذا تظنينهم فاعلين؟".
وخيم على الغرفة صمت كصمت القبور.
وكان الرجل، مع انشغاله بحديثه، يحصي أشواط ركض "سيدني"، ويومئ بيده كلما اقترب الصبي منه.
وكان "سيدني"، كأنما يملك أعيناً في كل جانب من جسده، يهرع عبر العشب الاصطناعي نحوه، يمسح عرقه بلا مبالاة ويستند إلى حافة النافذة.
ولم يكن "سيدني" يأبه بما يمخرون فيه من حديث، فقال: "أبي، لقد أتممت عشرة أشواط".
"بل تسعة ونصف،" هكذا واجهه "تشو زو" بلا هوادة ليكشف تقاعس الصبي.
"اذهب فاغتسل، فسنخرج."
"عظيم!"، وثب "سيدني" فرحاً يبتغي المغتسل، وقد دلف نحو النافذة يخترقها ركضاً.
وانبعث في الأرجاء خرير الماء المنسكب.
شبّك "تشو زو" أصابع يديه، ثم ألقاهما على ركبتيه مسترخياً.
وكانت الغرفة غَاصَّةً بالملفات، والصحف مبعثرة في كل صوب.
بينما جهاز العرض يخبو وميضه ويشب تارة بعد تارة.
بدا كُلُّ التخطيط المُبرَم طيلة هذه الأشهر هباءً منثوراً.
رويداً رويداً، استردت "داي شيان" حبسة لسانها، فقالت:
"هم... سيقيمون لك نظاماً جديداً، نظاماً فجاً، رديئاً، وهيناً، لكنه سيفي بالغرض في المنطقة السفلى."
"وما لم تثر المنطقة السفلى أو تنتفض، فلن يُقَدِّم دعم المنطقة العليا أو رفضها ولن يُؤَخِّر. معك 'لعزار'، وهو جَهْبَذٌ فَذُّ في سياسة الرجال، كفيل بأن يكبح جماح كل شيء—وأنتَ معك مفتاح بنك الجينات، معك سيدني".
{م.م: جَهْبَذ: خبير.}
"لا تقحمي سيدني في هذا الأمر".
قال "تشو زو": "لديّ من الوقت والأناة ما يكفي، كما انتظرتُ من سن الثانية عشرة حتى التاسعة والعشرين، لديّ متسع من الدهر لأجعل المنطقة العليا تطوي هذا كله في سجل النسيان".
"لقد قلتُ لـ 'تانغ تشي' من قبل: إن العبيد لا يظنون أنفسهم عبيداً، بل يرون أنفسهم جلادين في سجن، لا يحبون أغلالهم، لكنهم يوقنون أن لا وجود لهم دونها. وليس أهل المنطقة العليا بمعزل عن هذا الوهم".
"ولن يستغرق هذا طويلاً... أسبوعاً؟ شهراً؟ أم نصف عام؟".
قالت "داي شيان" بجهد جهيد: "لن يتجاوز نصف عام".
وفي الحقيقة، كان التمايز الطبقي وركوده في المنطقة العليا أشد وخامة منه في السفلى.
فمع دقة التقسيمات المجتمعية والطفرات التقنية، اتسعت الفجوة بين الصناعات حتى صارت كالخندق.
إذا أخفقت في عملك الموكل إليك، فلست بشيء مذكور.
تستيقظ من حلمك، فتجد هوة سحيقة تفصلك عن الحياة.
وقد عجلت الرأسمالية بهذا الركود الطبقي.
لم يكن أهل المنطقة العليا سوى تروس في آلة عملاقة، بليت حتى جف زيتها وعلاها الصدأ.
لكن الآلة وحدها كانت تهدر ليل نهار، تعتصر كل قطرة من قيمتهم لصالح سيدها.
ومع ذلك، لم يكن أهل المنطقة العليا يرون في ذلك غَضَاضَةً.
{م.م: غَضَاضَة: عَيْب، نُقْص، مَهَانَة.}
منذ قرون خلت، توقعت الرأسمالية بكل شيء.
لماذا أبقوا على المنطقة السفلى وسيروا القطارات إليها، بدل أن يستأصلوا شَأْفَة ما يسمونه "مصادر التلوث"؟
لأنهم كانوا بحاجة إلى أن يرى أهل المنطقة العليا: انظروا، ثمة بائسون هم أشد منكم شقاءً بأضعاف.
أنتم بالفعل سعداء.
وإذ كنتم سعداء جدّاً، فَعَلَامَ النضال؟
وحتى لو كنتم غير راضين، وتشعرون بالانتهاك والاستغلال... فسلّوا أنفسكم وانسوا.
لقد وفرنا لكم من الملاهي والمؤنسات، والمخدرات النفسية ما لا يحصى.
اِنسَوا النَّكَد.
"لذلك لم أكن يوماً أبتغي الاستئثار بصياغة الأخبار؛ فهذا أمر يثير السخرية".
تكلم "تشو زو" كثيراً حتى بدا عليه الإعياء، فأغمض عينيه إغماضة خفيفة، وقال بشرود: "ليست السلطة المقيدة هي الغاية المثلى، ولكن متى حُزْتُها، صارت طوع بناني، يكون خفقان قلبي هو خفقانها، ونَفَسِي هو نَفَسَها".
وعندما فتح عينيه رويداً، بدا كأنه يصحو من سبات عميق، أو ينفض عن كاهله سمة العنف.
كانت الغرفة تحد من مدى نظره، وتعيق حركة جسده وكرسيه المتحرك.
لم يعد بمقدوره أن يجوب الآفاق حراً كما صنع طيلة تسع وعشرين عاماً، لكن كان بإمكانه أن يغمر العالم بحمرة قزحيتاه.
ثم طرح "تشو زو" السؤال نفسه الذي وجهه إلى سيدني:
"الرجل الذي راهنتِ عليه يبدو كوحش. أخائفة أنتِ يا داي شيان؟".
لقد كانت "داي شيان" خائفةً للغاية.
ولكن ليس من "تشو زو"— بل من نفسها.
في حضرة "تشو زو"، كانت غالباً ما تشعر بقشعريرة تسري في جسدها، عاجزة عن تنبؤ أفعاله أو سبر أغوار فكره.
ينبعث الخوف من مواجهة المجهول.
ولم تكن تدرك عظم ما يقف ممثولاً أمامها إلا حينما يتنازل هو ويكشف عن مكنون نفسه.
بيد أن "داي شيان" لم تشعر لحظتها بأي برد.
بل على النقيض من ذلك، فار الدم في عروقها، وتفصّدت أطراف أناملها عرقاً.
لقد أدركت أنها جزءٌ من تحوّلِ كائنٍ خرافي عملاق.
وأمام هذا الكيان، لم يكن البشر سوى شاء داجنة.
وسوف ترقب تلك العينان الحمراوتان مولد الشاء، ونماءها، وعويلها، وحتفها، وصراعها.
ولسوف تسقي الدماء تربة المدينة، لتكون مجرد قيد آخر لتوهج أنوار النيون.
لم تكن "داي شيان" تذكر كيف آل بها المطاف إلى هذا الحال.
في بادئ الأمر، كانت تبتغي المغنم، ثم البقاء، ثم انتهى بها الأمر إلى مقامرة يائسة.
لقد كان "تشو زو" طاغية باطشاً بالفعل، لا لأنه يستسلم لغرائزه ويتطور بلا كابح فحسب، بل لأنه كان "يفسد" من حوله أيضاً.
حتى إن "داي شيان" باتت تشم نتن "الطموح" ينبعث من أنفاسها.
"بالفعل... أنا خائفة."
قالت "داي شيان": "أنت محاط بتقنيات آل 'تانغ'، ويقبض 'تانغ تشي' على الشفرة التي فيها حياتك وموتك، وإن هو قسا قلبه، فإني أخشى أن تقضي نحبك في سكون دون أن يعلم بك أحد".
"كلا،" قال "تشو زو".
"هو آخر من يود أن يكون نظيراً لـ 'لوتشيانو'. فقتلي باستخدام الشفرة... ما الفرق بينه وبين استخدام 'لوتشيانو' لـ 'ميتولي' لإفقادي السيطرة؟".
قالت "داي شيان": "ولكن 'تانغ تشي' سيقتل كل من تصطفيه من المنطقة السفلى".
"وسيصير القتل وسيلة للترهيب، حتى لا يجرؤ أحد في النهاية أن يكون 'مديرك في المنطقة السفلى'".
"تشو زو": "وعندما يتحرك ضد المنطقة السفلى، سينفضّون من حوله وينبذونه. أتراهنين بأن أيقضي عليهم أولاً أم ينبذونه هم أولاً؟".
هزت "داي شيان" رأسها: "إني لسعيدة إذ اِخترتُكَ يومئذ، فإن عداوتك أمضّ ألماً من زهوق روحي".
وفيما هي تتكلم، خرج "سيدني" مهرولاً من المغتسل يرتدي قميصاً، دون أن يجفف شعره، وجعل ينفض رأسه فيتساقط الماء مبللاً الطنفسة.
ودفع كرسي "تشو زو" المتحرك ليمر بجوار "داي شيان"، فسألته: "إلى أين مقصدكم؟ فما زال 'تانغ تشي' في المنطقة العليا. إن كنتم خارجين، فاصطحبوا معكم غيركم".
قال "تشو زو": "إلى مشتل 'نياندر' للزهور".
"داي شيان": "إن كنت تبتغي زهوراً، فمُر بها تُحمل إليك".
قال "سيدني" مستعجباً: "أنحن ذاهبون لشراء الورود؟".
أسند "تشو زو" ظهره إلى الكرسي: "ألم تكن تشتهي زراعة المانجو؟ ما الذي تبتغيه لذلك؟".
جعل "سيدني" يعدّ على أصابعه: "البذور، والتربة... وما شاكل ذلك".
قال "تشو زو" بصوت خافت: "وتحتاج أيضاً إلى معلم".
أعاد "سيدني" النظر في الأمر ثم هز رأسه موافقاً: "أبي يقدر على تعليمي!".
"تشو زو": "لست بكل شيء عليماً".
أخذ "سيدني" يفكر وهو يدفع الكرسي إلى الأمام.
"ولكن 'داي شيان' قالت إنك ذو علم غزير منذ أن كنت في الثانية عشرة".
"هي متحيزة تجاهي."
"أجل، وأنا أرى ذلك أيضاً. فهي متحيزة تجاهي أيضاً."
"إذن فلا تعبث معهاً."
"حاضر، حاضر."
"وكن مهذّباً حينما تلتقي بالمعلم."
"... ألم أكن دوماً مهذّباً، فقط مثل أبي؟!"
لاحظ النظام وهو يراقب في صمت: [هذا الغلام لا رجاء فيه].
وبعد برهة من التدبّر، أردف قائلاً: [و'داي شيان' كذلك لا رجاء فيها].
تشو زو: [آخ، إنما الذنب ذنبي إذ كنت فظاً غليظاً، وحقيراً حقّاً، ولكن لا ضير؛ فقد أوشكت حبكتي على الانتهاء قبل أن تؤتي السياسة أُكُلَها تماماً، ولن أُلحق الأذى بأحد].
النظام: [...]
في هذه المرة، لم يستطع حتى أن يقول مداهناً: [لست بمثل هذا السوء].
لقد كان فظاً باطشاً حقاً، بل بَذَّ في جشعه آل 'لوتشيانو' من أصحاب الرأسمالية خُلَّص النسب.
ومنذ أن هرول المضيف في طريق أهل المطامع الذين لا ترد لهم شفقة، جعلت مخاوف النظام تتفاقم.
لقد كان يعلم أن المضيف لا يقيم للهلاك وزناً.
وما دام فيه عِرق ينبض، فسيستغل كل ما من شأنه أن يمزق أشلاءه.
وإن 'تشو زو' الحالي هو دون ريب السيد الأعظم لـ 'التاج النيونيّ'.
ولم يكن فيهم من هو أشد منه بطشاً، أما الأذكياء فلم يكونوا بمثل بلادة شعوره، بل هو أشدهم قسوة.
أجل، لم يكن له نظير.
لذلك بات النظام الآن مشفقاً.
النظام: [كيف لنا أن نُهزم الآن... فكلما ألقيت بصري، لا أرى سوى لحظات النصر المظلمة. لا أرى لَاحِبَةً تُفضي إلى الهزيمةِ قطّ... حتى لأظن أنك و'تانغ تشي' لن تلتقيا، فإن 'داي شيان' و'لعزار' و'سيدني' كفيلون بإدارة كل شيء لصالحك].
تشو زو: [لا تبتئس، فإن لـ 'تانغ تشي' بعض الحيل].
ألحّ النظام في السؤال: [أي سلاح سري لا يُقهر يملكه هو؟].
ركّز تشو زو طرفه: [إنه يملك بالفعل].
النظام: [ما هو؟ وما عساه أن يكون؟].
تشو زو: [إنَّهُ متحدِّثٌ ومُحاوِرٌ جيّد.]
النظام: [؟]
تشو زو: [لأكون أكثر دقة، إنَّهُ مُتحَدِّثٌ ومُحاوِرٌ ظنّ، بعد أن قضى على لوشيانو وأدرك أني لم أهلك؛ أَنَّ ثمة صفقة أُبرمت بيني وبين لوشيانو، وأن أمانيه الواهية قد بددت مستقبلي، فانقلبتُ أنا إلى نسخة مطورة من لوتشيانو].
النظام: [...]
تشو زو: [كيف ترى ذلك؟ كل العناصر قد اكتملت. عندما كنت لا أزال تائهاً، كان يطيل الوعظ، محاولاً جذبي إلى صراط مستقيم. والآن إذ صرتُ أكثر ظلمة، يشعر هو بالمسؤولية. ماذا تظن أن 'تانغ تشي' صانع؟].
قال النظام بصوت خافت: [لن يعجل إلى قتلك، ولكن عندما تسوء الأمور... سيأتي ليحاورك].
أومأ تشو زو برأسه رضاً: [وفيما هو يفيض في الكلام، سأنطق أنا بخطوط الحبكة الرئيسية، وأضمن تقييم المهمة، ثم نطوي هذه الصفحة ونُتم هذا العمل].
النظام: [أوه، أوه، أوه، أجل، خطوط الحبكة الرئيسية...].
ومتمتماً، لمح النظام ثغرة.
النظام: [ولكنك لن تميل مع هواه، أليس كذلك؟ أم أنك تعتزم إثارة حفيظة 'تانغ تشي' بشدة، لتجعله يعقد العزم على قتلك؟ وإلا فمع هذا الوضع الحالي، لا أزال لا أرى كيف لك أن تُهزم...].
تشو زو: [ليس في قاموس المقامر مصطلح ’الخسارة‘].
تبسّم تشو زو ضاحكاً: [لقد كان لمعلم (الأرض/Earth) مفهوم طريف، إذ قال إني و'تانغ تشي' وجهان لعملة واحدة. وما لم تسقط على الأرض، فمن ذا الذي يدري أي الوجهين سيعلو؟]
ثم قال: [ماذا لو منحنا القُرّاء خاتمة غير متوقعة، لكنها نهايةٌ لا تتجاوز الحدود؟]