تحت شمسٍ لا ترحم، كانت الرافعات الضخمة في موقع البناء تتأرجح ببطء كأنها هياكل عظمية لعمالقة منسيين، تخدش زرقة السماء بصلابتها الصماء.
كان غبار الأسمنت يغلف كل شيء، يلتصق بالجلد، يتسلل إلى الرئتين برائحته الخانقة والترابية التي لا تفارق الحناجر، بينما كان صوت تكسير الصخور وصرير المعادن يمتزج بصراخ المسؤولين الذين لا يعرفون سوى لغة الأوامر الصارمة التي تشبه نباح الكلاب الحارسة.
في هذا الجحيم المترب، كان "أهيم" يتحرك كآلة مبرمجة، يرتدي سترة العمل الباهتة التي لم تعد تستر بؤس حالته؛ كانت ملامحه الوسيمة غارقة تحت طبقة كثيفة من الأوساخ والتعرق، وعيناه - اللتان تشعان ذكاءً حاداً - لا تريان شيئاً سوى تفاصيل العمل بدقة جراحية لا تخطئ، وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون في زوايا البناء.
"يا أهيم! تحرك، لا تكن بطيئاً كالسلحفاة!" صرخ المسؤول بوجهٍ أحمر من الغضب، بينما كان يشير بيديه المتسختين نحو كومة من الحديد تتطلب نقلاً فورياً.
لم يرد أهيم، اكتفى بإيماءة صامتة، فكأن صوته كان ثمناً غالياً لا يود إنفاقه في هذا المكان الذي يضج بالضجيج والضياع.
بجانبه، كان زميله "جون" يتذمر بصوت عالٍ عن رداءة الراتب، وضيق العيش، وغلاء الإيجار، بينما أهيم يستمع بإنصات غريب، يحلل نبرة صوته المتوترة، يحلل حركة جسده المضطرب، ويركز بكل ذرة من طاقته على ربط حديد التسليح بدقة تجعل الهيكل صلباً كالجبل.
فجأة، وبدون مقدمات، حدث ما كان أهيم يخشاه؛ انزلقت رافعة كانت تحمل حمولة ثقيلة من الألواح المعدنية.
ساد صمت مرعب لثانية واحدة، تلاشت فيه كل الأصوات، قبل أن تندفع الألواح نحو العمال كأنها مقصلة عملاقة تهدد بإنهاء كل شيء.
في تلك اللحظة، لم يتردد أهيم؛ بلمحة بصر وبسرعة بديهة تفوق المنطق، دفع بجون بعيداً، وأمسك برافعة يدوية ليحول مسار السقوط بضربة دقيقة في مركز الثقل، منهياً الكارثة قبل وقوعها في جزء من الثانية.
"أنت... كيف فعلت ذلك؟"
سأل جون بذهولٍ تام وهو ينفض الغبار عن ملابسه.
لكن أهيم عاد لعمله بصمت، حزيناً على حقيقة أنه يملك عقلاً عبقرياً ينقذ أرواحاً في ثوانٍ، لكنه عاجز عن إنقاذ نفسه من بؤس هذه الحياة التي تفتقر للحلول.
عاد أهيم إلى شقته الصغيرة التي كانت تفوح برائحة الرطوبة والعزلة، حيث تتكدس الكتب القديمة في زوايا الغرفة لتشهد على عقلٍ لا يجد مكاناً له في هذا الواقع المبتذل.
كانت جدرانها الضيقة تعكس فراغه النفسي وتخنقه كلما زاد الليل طولاً. جلس على أريكته المهترئة، يراقب الغبار العالق في ضوء المصباح الخافت الذي يرمش وكأنه يعاني من تعبٍ مماثل لتعبه.
لم يكن هناك ما يفعله سوى الغوص في "الأثير الأزلي"، اللعبة التي اجتاحت العالم كحمى مجهولة المصدر، وهي الملاذ الوحيد الذي يشعره بوجوده.
فتح جهازه القديم، ونطق اسم اللعبة، ليشعر بوعيه وهو ينسل من جسده المنهك إلى ذلك العالم الموعود، حيث القصور تلامس السحاب والأعراق تتصارع على المجد. هناك، كان أهيم يختار شخصية المحارب أو الرامي، ممارساً طقوساً من الهروب، لا بحثاً عن التسلية، بل بحثاً عن نسيان اسمه الذي يعني الظمأ الأبدي.
صباح اليوم التالي، استيقظ أهيم على صوت إنذار هاتفه الذي يبدو كصرخة استغاثة لا تنتهي في أذنيه. تمدد في سريره، ناظراً إلى سقف غرفته المتشقق، يصارع أفكاره:
"هل أذهب للعمل أم أترك كل شيء خلفي وأختفي؟"
"هل العالم خارج هذه الغرفة يستحق العناء؟"
. غادر المنزل متردداً، يجر أقدامه في الشارع كمن يسير إلى حتفه. وفي الطريق، مرت سيارة فارهة تقودها امرأة بجمالٍ أخاذ، ذكّرته فوراً بكل ما يفتقده من عاطفة واستقرار ومكانة في هذا المجتمع المادي.
رأى شاباً يمسك يد فتاة ويضحكان ببهجة لا يعرفها، وأماً تطارد طفلها الصغير بضحكات صافية تملأ الشارع حياة، وشعر أهيم بغصة في حلقه؛ كان يراقب كل هذا، يشعر بالغربة، يشعر بمدى قسوة الوجود الذي يطحنه بصمت، وكأنه شاهدٌ على عالمٍ لا ينتمي إليه.
فجأة، توقف الزمن. لم تكن مجرد سحابة حجبت الشمس، بل كانت السماء الزرقاء التي لم تعد سماءً، بل أصبحت شاشة عملاقة انثقبت فيها الحقيقة وتغير لونها إلى البنفسجي الغريب. إشعار أزرق متوهج، ترافقه نبضات ضوئية خافتة تتغلغل في أرصفة الشوارع وتلتف حول الأعمدة، ظهر أمام الجميع. لم يكن مجرد صورة؛ أهيم، بعينه التحليلية، رأى شيفرات برمجية دقيقة، تنساب كالماء من خلال الهواء، تتفاعل مع الأجساد والمباني.
[مرحباً بالمستخدمين... التحديث قد بدأ].
ساد هرج ومرج؛ كبار السن في الشارع سقطوا على ركبهم يصرخون بكلمات دينية معتقدين أنها نهاية العالم، بينما كان الشباب ينظرون بهلع تقني، يصورون الشاشات بهواتفهم المرتجفة.
"ما هذا؟ هل أنتم ترون ما أراه؟"
صرخ جون -زميل أهيم- الذي تصادف مروره في الطريق، متمسكاً بقميص أهيم بذعر. أهيم لم يجب، كان يشعر بنبضٍ غريب وغامض، كأن شيئاً يوقظ في أعماق عظام جسده، "نواة حيوية" تكاد تنبض بالحياة لأول مرة.
في لحظة لا يمكن وصفها، خفتت أصوات المدينة، وتلاشت ضوضاء البشر، وفقد العالم بأسره الوعي، وكأن العالم قد أُعيد تشغيله من جديد في محاكاة كونية كبرى.
استيقظ أهيم في قاعة واسعة مبنية من ضياء ومرآيا تعكس نجوماً غريبة في سماءٍ لا وجود لها في خرائط الفلك. كان محاطاً بملايين البشر الذين كانوا يمارسون روتينهم قبل لحظات. تردد صوتٌ مهيب في أرجاء المكان، لا يحمل هوية ولا عاطفة، بل سلطة مطلقة:
"أيها البشر، لقد استُدعيتم. عالمكم القديم كان مجرد رقعة شطرنج لم تحركوا فيها سوى بيادقكم".
توقف الصوت، ثم عاد ليهمس ببرود قاتل:
"القاعدة هنا واحدة، والنهج لا يتغير. هل تبحث عن السلطة؟ هل يطمح قلبك للثروة؟ هل تبتغي نفوذاً يزلزل الأرض؟ كل ما تريده لا يُنال بالدعاء ولا بالصبر. هنا، القوة هي العملة الوحيدة. اختر طريقك، أثبت وجودك، أو اندثر في غياهب هذا العالم".
نظر أهيم إلى يديه، لم تكن تلك اليدين النحيلتين اللتين حملتا أدوات البناء، بل بدت وكأنها أُعيد صياغتها لتكون سلاحاً. ولأول مرة منذ زمن، لم يكن الظمأ في قلبه هروباً، بل كان رغبةً عارمةً في امتلاك هذا العالم الجديد.
يمكن اعتبار الفصل مقدمة سريعة ~