انتشرت ضحكات مينا في أنحاء المنزل.
كانت تدور حول نفسها بسعادة، تعرض شعرها الجديد على الجميع.
"انظروا! أليس جميلًا؟"
ابتسم هارو وصفق لها، بينما خرجت تركض إلى غرفتها وهي تحتضن دميتها.
وقفت رين مكانها تحدق في شعرها بدهشة.
"مينا..."
ثم التفتت إلى إيكو.
"من قص شعرها؟"
أجاب بهدوء:
"أنا."
تغيرت ملامح رين فورًا.
"هل فقدت عقلك؟! لماذا تفعل شيئًا كهذا دون أن تسألني؟"
ظلت توبخه، بينما كان هو جالسًا بصمت.
لم ينظر إليها.
لم يدافع عن نفسه.
وكأن كلماتها تمر من خلاله.
وبعد صمت طويل...
همس بصوت بالكاد يُسمع:
"لو لم أفعل..."
ثم رفع رأسه قليلًا.
"...إريكا كانت ستؤذيكم."
ساد الصمت للحظة.
نظر كازو إليه باستغراب.
أما رين فلم تفهم ما قاله.
قالت بغضب وهي تستدير نحو الباب:
"أنت مجنون... كالعادة."
وأغلقت الباب خلفها.
ساد الصمت.
لم يرد إيكو.
ظل يحدق في الأرض ويتمتم:
"إريكا...
ستؤذيهم...
إنها الأقوى بينهم..."
لم يفهم كازو معنى تلك الكلمات.
لكنه شعر أن صديقه يغرق أكثر فأكثر في عالم لا يستطيع أحد الوصول إليه.
اقترب منه ووضع يده على كتفه.
"إيكو..."
رفع إيكو رأسه ببطء.
"هل أنت بخير؟"
ظل ينظر إليه لثوانٍ.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
"نعم."
نهض من مكانه.
واتجه نحو الباب.
أسرع كازو خلفه.
"إيكو، انتظر."
توقف دون أن يلتفت.
وقال بصوت هادئ:
"لا تتبعني."
ثم خرج.
---
كانت السماء ملبدة بالغيوم.
والمطر قد توقف، لكن الشوارع ما زالت مبتلة.
راح إيكو يمشي بلا وجهة.
غارقًا في أفكاره.
وفجأة...
عاد ذلك الشعور.
شعور بأن هناك من يراقبه.
أغمض عينيه للحظة.
"مجرد هلوسات..."
واصل السير.
لكن الإحساس ازداد قوة.
استدار بسرعة.
لم ير أحدًا.
ثم...
لمح ظلًا يختبئ خلف أحد الأزقة.
ركض نحوه دون تفكير.
وعندما وصل...
توقف في مكانه.
كانت هناك فتاة في مثل عمره تقريبًا.
شعرها الوردي مربوط على شكل كعكة أنيقة.
عيناها الزرقاوان ثابتتان عليه.
ترتدي نظارة، وتمسك دفترًا صغيرًا في يد، وقلمًا في الأخرى.
كانت تدون شيئًا بسرعة...
ثم رفعت رأسها.
تلاقت أعينهما.
أغلقت الدفتر ببطء.
ونظرت إليه ببرود.
ثم سألت...
"...هل أنت إيكو؟
"نعم... أنا إيكو."
قالها بهدوء وهو ينظر إلى الفتاة أمامه.
أغلقت دفترها الصغير ونظرت إليه بثبات.
"اسمي كاميليا آرثر."
تقدمت خطوة واحدة.
"وأنا محققة."
رفع إيكو حاجبه باستغراب.
أكملت بلهجة حازمة:
"جئت لألقي القبض عليك."
ساد الصمت.
"...لأنك متورط في قضية العالم الآخر."
اتسعت عينا إيكو.
"ماذا؟"
اقترب منها دون شعور.
"أنت... تعرفين العالم الآخر؟"
أجابت دون تردد:
"أعرف عنه أكثر مما تتخيل."
ثم فتحت دفترها.
"والآن... اعترف بكل شيء."
شد إيكو قبضته.
"لو كنت أعرف شيئًا لما كنت أبحث عن الإجابات بنفسي!"
ظلت تحدق فيه.
لم ترَ في عينيه سوى التعب...
لكنها لم تستطع الوثوق به.
قالت ببرود:
"لن أصدقك بهذه السهولة."
تنهد إيكو.
ثم استدار وغادر.
رفعت صوتها خلفه:
"توقف!"
لم يلتفت.
"إلى أين تظن أنك ذاهب؟"
واصل السير.
بقيت كاميليا واقفة مكانها.
ثم أخرجت قلمها.
وكتبت في دفترها:
> "المشتبه به رقم 17... يبدو مرتبكًا أكثر من كونه مجرمًا."
أغلقت الدفتر.
ونظرت إلى الطريق الذي اختفى فيه.
"سأراقبك يا إيكو..."
"وسأكتشف حقيقتك."
---
عاد إيكو إلى المنزل مع حلول المساء.
فتحت رين الباب.
نظرت إليه بخجل.
لكنه مر بجانبها دون أن ينطق بكلمة.
واتجه نحو غرفته.
ركضت خلفه.
وأمسكت بذراعه.
"إيكو... انتظر."
توقف.
أنزلت رأسها.
"أنا... آسفة."
ساد الصمت.
"لم يكن ينبغي أن أقول ما قلته."
ظل صامتًا للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة... لكنها كانت خالية من أي دفء.
وقال:
"لماذا تعتذرين؟"
رفعت رين رأسها.
أكمل بهدوء:
"أنتِ لم تقولي سوا الحقيقة."
ارتجفت عيناها.
"إيكو، أنت لست..."
لكنها لم تستطع إكمال الجملة.
سحب ذراعه برفق.
ودخل غرفته.
طَق.
أُغلق الباب.
---
جلس إيكو على الأرض، مستندًا إلى الباب من الداخل.
نظر إلى ربطة الشعر السوداء الملتفة حول معصمه.
أمسكها بيده بقوة.
وهمس:
"أمي..."
"أنا... متعب."
في الخارج...
كانت رين تقف أمام الباب.
رفعت يدها...
أرادت أن تطرق.
لكنها تراجعت.
جلست على الأرض، مستندة إلى الباب من الجهة الأخرى.
يفصل بينهما باب خشبي فقط...
لكن بدا وكأنه يفصل بين عالمين.
وفي مكان بعيد...
كانت كاميليا تقف على سطح أحد المباني، تنظر إلى منزل إيكو من بعيد.
وأغلقت دفترها قائلة:
"غدًا..."
"ستبدأ مراقبتك الحقيقية."