القسم الأول: المقدمة

​الفصل 0: أساطير العالم القديم

​[ الكون متعدد الأبعاد ]

في الفراغ الصامت، طفى جرمٌ عملاقٌ بشكلٍ يفوق التصور.

​إذا نظرت إلى هذا الجرم عن كثب، ستجد أن سطحه الخارجي عبارة عن غلافٍ مجهول اللون.

مهما حاولت فلا يمكنك إدراك شكله الحقيقي بسبب اتساعه الهائل.

على إحدى جوانب هذا الغلاف، التصق جرمٌ أصغر حجماً بكثير، بدا أشبه بذرة غبارٍ ملتصقة بكوكب.

وكانت قشرته الخارجية تُلتهم ببطءٍ من قبل الجرم العملاق.

​داخل هذا الجرم الأصغر، ستجد نجماً متوسط الحجم من نوع الأقزام الصفراء.

حول هذا النجم دارت مجموعة من الكواكب.

كان أحد هذه الكواكب مأهولاً.

لكن سكانه لم يدركوا بعد أن هنالك حدثاً سيغير مجرى حياتهم بالكامل على وشك الحصول.

____________

​[ العالم الجيبي: على كوكب النجم الأزرق ]

​كان وقت منتصف الليل على أحد جانبي الكوكب.

ارتفعت ناطحات السحاب الشاهقة في المدينة.

امتزجت أصوات المارة مع أبواق السيارات في ضجيج المدينة الدائم.

مرت الحشود بسرعةٍ على الطريق الواسع الأنيق.

بينما ألقت عليهم لافتات الإعلانات والمصابيح المختلفة بأضوائها، كانت كأنها تحاول إضافة سحرها الخاص إلى المشهد.

بعيدا عن زحمة الشوارع التجارية، كانت الضواحي نائمة في هذا الوقت.

أطفأ الجميع الأنوار وناموا في سلام.

سار كل شيءٍ كالمعتاد في حياتهم الرتيبة.

__________

توقف أحد المارة على الرصيف وبدأ ينادي: "تاكسي! تاكسي!"

توقفت السيارة وأخرج السائق رأسه من النافذة:

"اركب يا سيد، إلى أين تريد الذهاب."

"اذهب إلى حي هايكري، شارع فيسكاوند."

"حسناً، اربط الأحزمة. "

حكككك!

بعد قليل، توقفت السيارة بصوت احتكاكٍ حاد.

"لماذا توقفت؟!"

قال الراكب بغضبٍ، ثم نظر من النافذة إلى الخارج، تلك النظرة الواحدة جعلت بدنه يقشعر، لقد…

لقد كانت النجوم تنطفئ في السماء.

___________

​بدون أدنى مقدمات.

اهتزت الهواتف المحمولة، توقفت شاشات التلفاز عن البث في كل أنحاء العالم وارتفعت صافرات الإنذار في الشوارع.

في مراكز الرصد الفضائي، ساد جوٌ من الهستيريا؛ أظهرت الأقمار الصناعية موجات انكماش غير طبيعية في نسيج الفراغ حول الكوكب.

بدا في تلك اللحظة أن الفضاء نفسه يتمزق!

​قبل أن يستوعب العلماء ما كان يحدث... انطفأت الشمس فجأة!

​حل ظلام دامس وخانق على الكوكب بأكمله.

ساد الصمت لثوانٍ معدودة.

لكن السكون لم يدم طويلاً.

انطلقت الصرخات المرعوبة من كل أنحاء العالم.

لكن... قبل أن يتحول الذهول إلى فوضى عارمة.

انبثق من العدم ضوء فضي ناصع غريب غلف الكوكب بالكامل.

​في لمح البصر، تلاشى كل شيء.

___________

"آخ! رأسي يؤلمني."

"أبي أين أنت؟!"

"ما هذا المكان الغريب؟ أين أنا؟!"

"ما هذا؟ من اختطفني من مكتبي في وضح النهار؟!"

"أعدني إلى حيث كنت، سأدفع لك ما تريد!"

تلاشت الأصوات الخائفة دون أن يهتم بها أحد.

​سادت رائحة الرطوبة الثقيلة في الجو.

تحسس الناس الملمس الطيني الدافئ على الأرض.

لم تكن هناك مبانٍ...

لا سيارات...

لا شوارع أسفلتية...

وجد الناجون أنفسهم متكئين على الأرض، محاطين بالأشجار الشاهقة في كل مكان.

كانت الغابة العملاقة تمتد بلا نهاية في الأفق.

تبدو أشجارها السميكة كأنها ناطحات سحاب.

حجبت الأوراق الكثيفة الضوء بشكلٍ شبه كامل.

​لم يكد الناجون يرفعون أبصارهم حتى بدأت المأساة.

​كانت البيئة قاسية بشكل مرعب؛

نباتات زرقاء غريبة الشكل، إذا اقتربت منها تنفث سموماً تذيب الجلد في دقائق.

ضبابٌ كثيفٌ يخنق الرئتين ويحمل أمراضاً مجهولة.

ومن بين الظلال، برزت أعينٌ حمراء متوهجة لمخلوقاتٍ ووحوش ضارية وحشراتٍ عملاقة لم يرَ البشر لها مثيلاً من قبل.

​في غضون ساعات، تحولت الغابة إلى مقبرة جماعية.

مات نصف سكان النجم الأزرق في الأيام الأولى؛ معظم من ماتوا كانوا من كبار السن، الأطفال، الحوامل، المرضى وأولئك الذين لم يتحملوا الصدمة.

تساقطت المليارات، وتغذت عليها تربة الغابة المظلمة في صمت رهيب.

بدا أن هذا العدد الهائل من الموتى لم يكن أكثر من قطرة في بحر الأشجار الممتد بلا نهاية.

هدأت موجة الموت الأولى كثيراً في الأيام التالية.

لكن النجاة لم تصبح أسهل.

استمر الناجون في الموت يومياً بمعدل ينذر بالخطر أثناء الفرار من فك إلى آخر.

كان الفناء التام يلوحُ كحقيقة مؤكدة.

____________

​ بعد شهر، لم ينجُ من تلك المحرقة سوى مئات الملايين من البشر فقط...

ملايين يقتصر وجودهم على الخوف، يقفون وسط الموت والدماء والوحوش بلا سلاحٍ أو غذاءٍ يذكر.

أصبحت أساسيات الحياة شيئاً من الماضي.

​حاول الناجون تنظيم أنفسهم بهدف الخروج من الغابة.

لم يكن هذا الصراع الأخير إلا محاولةً بائسةً لتأخير النهاية.

لكن... حين يصل الإنسان إلى أقصى درجات الهاوية، تتجلى غريزة البقاء في أبهى صورها.

___________

​في إحدى الليالي المظلمة...

كانت مجموعة من الناجين تجري بسرعةٍ في الغابة المظلمة.

في مقدمتهم كان نفس راكب التاكسي.

"أسرعوا. اختبئوا في هذا الكهف." همس القائد للناس من خلفه.

دخلت المجموعة الكهف وغطوا أفواههم.

بعد قليل، ظهر صوت خطواتٍ ضخمةٍ في الخارج.

كادت قلوبهم أن تخرج من مكانها.

لحسن الحظ، بدا أن المخلوق صاحب الخطوات لم يلاحظ مكانهم ومر بسرعةٍ من فوقهم.

تنفس الجميع الهواء بشدة في تلك اللحظة.

لقد نجوا مرةً أخرى.

لم تجرأ المجموعة على الخروج من الكهف، على الأرجح أن المخلوق سيعود حين لا يجد شيئاً في الأمام.

لقد أصبحوا محاصرين داخل الكهف.

حين رأى أنهم على وشك الهلع، وضع قائد المجموعة إصبعه على فمه و أشار إليهم بالصمت.

أومأ الجميع برؤوسهم قليلاً وهدأوا تنفسهم.

بعد ذلك أشار القائد بسبابته إلى فتحةٍ داخل الكهف.

نظرت المجموعة بعيونٍ متهربة، لم يجرؤ أحدٌ على التقدم.

تنهد القائد بيأسٍ وتقدم إلى الأمام.

كلما تقدمت المجموعة أكثر في الممر، شعروا بحرارة غريبة تسري في أجسادهم.

لم تكن حرارة حمى، بل نبضاً دافئاً يتخلل الخلايا والأنسجة.

"يا رفاق، أشعر بدفءٍ مريحٍ يتخلل جسدي." همس أحدهم بهدوء

أومأ البقية أيضاً، ويبدو أن الجميع قد شعروا بذلك.

ومع أن الشعور كان مريحاً، فقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلوبهم شيئاً فشيئاً.

لقد رأوا مصير الأشخاص الذين يصابون بأعراضٍ غريبةٍ في هذه الغابة.

البعض لا يشعر بأي أعراض في البداية، بل إن آخرين يشعرون بالنشاط والحيوية، لكنهم يشتركون جميعاً في النهاية السيئة.

"لا أنا لست مريضاً، لا أريد أن أموت هنا؟!"

بدأ أحدهم بالبكاء، لكن سرعان ما تم تغطية فمه.

نظر إليه القائد بعيونٍ قاتلةٍ وقال بصوتٍ مكتوم: "مما تخاف أيها الجبان، حياتنا أسوأ من الموت بالفعل."

ساد الصمت فجأة في الجو...

أجل بالفعل...

مما نخاف...

ربما يكون الموت خلاصاً بشكلٍ أو بآخر...

​تقدمت المجموعة بخطى حثيثةٍ إلى الأمام، وكلما تقدموا أكثر، زاد شعور الدفء في أجسادهم.

رفع القائد يده اليمنى فجأة.

توقفت المجموعة خلفه على الفور في توجس.

همس ببعض القلق: "هناك ضوءٌ في الأمام."

نظر إليه الجميع بعيونٍ قلقةٍ ومستفسرة.

صمت القائد في تفكير عميق.

في النهاية قال بصوتٍ حازم: "لنتقدم."

خطوة واحدة...

خطوتان...

ثلاث خطوات...

كلما تقدموا أكثر زاد سطوعُ الضوء الملون...

عندما وصلوا إلى نهاية الطريق.

نظر الجميع إلى الأمام بذهول.

فتحت أفواههم على مصراعيها وفقدت القدرة على النطق.

كان المشهد ساحراً وغريباً.

بدأ البعض بقرص أنفسهم للتأكد من أنهم لا يحلمون.

"هل...هل متنا وذهبنا إلى البرزخ." قال أحدهم بتردد

هز القائد رأسه وتجمعت بعض الدموع على عينيه.

____________

بعد ذلك الاكتشاف في الكهف.

انتشر خبر ظهور القوة الخارقة بين التجمعات البشرية.

كانوا أسرع...

أقوى...

وسرعان ما تداول الناس الشائعات.

ويبدو أن ذلك الاكتشاف قد كان المحرك المفقود، بدأت البشرية خطوةً بخطوةٍ في الاختبار والتجربة.

بعد آلاف المحاولات الفاشلة والإخفاقات المؤلمة، نجح الناجون في استنباط نمط محدد:

هناك طاقة غير مرئية في هذا العالم.

يجب ​جذب هذه الطاقة المنسابة في الهواء، وامتصاصها عبر الشرايين.

ثم بعد ذلك توجيهها ليتم تداولها مع الدورة الدموية حتى تستقر في القلب، قبل أن يُعاد ضخها مجدداً مع الدم إلى كل خلية في الجسم.

​مع كل دورة كاملة، كانت الشوائب تخرج من أجسام الممارسين، كانت جلودهم تصبح أصلب وأكثر كثافة، وكانت عظامهم تزداد صلابة.

عضلاتهم اكتسبت قوة وسرعة انفجارية خارقة، وأعضاءهم الداخلية تتقوى وتعمل بكفاءة أكبر.

زادت سرعة رد الفعل العصبي لتصبح أعلى، بينما يعمل الدماغ بسرعة أكبر وتتعزز حواسهم الخمس.

​وهكذا ولد ما يُعرف بـ [تقنية صقل الجسد].

___________

​مع هلاك الضعفاء في الأيام الأولى.

أصبح المجتمع البشري الناشئ، يتكون من أصلب العناصر وأكثرها قدرة على التحمل.

استبدلت البشرية الكثرة العددية بالتكوين النخبوي الصلب،

وهو ما سيعرف لدى الأجيال اللاحقة بـ[الجيل الأول].

تمكن الجيل الأول من الخروج من عمق الغابة الخطير، إلى أطرافها الأكثر أماناً نسبياً.

​و على الرغم من أن قوانين الفيزياء والمواد في هذا العالم الجديد، جعلت المعرفة التكنولوجية السابقة بلا فائدة.

استغل البشر معارفهم التقليدية كالبناء، الزراعة، الطب، التعدين، الحدادة، تربية الحيوانات وصيد المفصليات والوحوش.

​تمكن الجيل الأول من طرد مجموعة من الوحوش الضارية، وسيطروا على منطقة غنية بالموارد الطبيعية حول الكهف.

بعد ذلك قاموا بتشييد مستوطنة كبيرة نسبياً في مركز تلك المنطقة، وأحاطوها بأسوار خشبية منيعة.

لكن سرعان ما اكتشفوا أن هناك ضريبة على اكتساب القوة في هذا العالم.

فكلما أصبح الشخص أقوى وارتفع مستوى حياته، أصبح من الصعب عليه الإنجاب.

لهذا لم يزد عدد سكان المستوطنة على المليون نسمة.

واستمرت حياتهم بنظام صارم وحذر، مترقبين ما ستحمله لهم الأيام في المستقبل.

وهكذا ​مرت أكثر من مئة عام في ثباتٍ وهدوءٍ مسكونٍ بالحذر...

استكشافٌ لبيئة العالم الجديد...

صراعات مع السكان المحليين على مناطق النفوذ...

إقامة علاقاتٍ مع القبائل القريبة...

وسرعان ما ثبتت القبيلة الناشئة أقدامها في هذا العالم...

____________

​في السنة 108 من تقويم العالم الجديد:

[مستوطنة سبارك]

في ليلة خريفيةٍ مطيرةٍ ومشبعةٍ بالرطوبة.

​ قرعت قطرات المطر على السقف الخشبي لفناءٍ يبدو كبيراً بين بقية المنازل المنخفضة، كان فناءً مشيدًا بالحجارة الرمادية الفاتحة، وتناثرت على جدرانه آثار الرطوبة.

في داخل الفناء...

شق صمت الليل بكاءٌ ضعيفٌ لطفل حديث الولادة، معلناً بذلك قدومه للوجود.

​فتح الرضيع عينيه الزرقاوين ببطء.

بدا طفلاً عادياً كآلاف الأطفال الذين ولدوا في المستوطنة ذلك العام.

أمسك كالي ابنه المولود حديثاً بحبٍ وقال بهدوء: "سأسميه مارا، ما رأيك؟"

تغير وجه يوكا المستلقية على السرير قليلاً، لكنها تنهدت في النهاية واومأت برأسها.

عانقها كالي بلطفٍ وقال بحنانٍ في أذنها: "إنه والدي في النهاية."

قالت يوكا أخيراً بصوتٍ ضعيفٍ: "لا بأس يا عزيزي، أنا أفهم."

ابتسم كالي وقبل جبينها بحب.

تفحص الطفل الملتف في حضن كالي الأشياء حوله بفضولٍ، فيما راقبه الزوجان بحب.

​لم يخطر في بالهما حينها، أن هذا الطفل لن يكون مجرد ناجٍ آخر في هذه الغابة المظلمة.

___________

في اللحظة التي فتح فيها الطفل عينيه.

في مساحةٍ بيضاء وضبابية.

ظهرت من العدم كرة بلاتينية سائلة.

خرج من الكرةِ صوتٌ متقدمٌ في السن وقال بنبرةٍ سعيدة: "أخيراً وارثٌ آخر، أتمنى أن ينجح هذه المرة."

اختفت الكرة البلاتينية بسرعةٍ كما ظهرت.

من الآن فصاعداً، تشابكت خيوط القدر، دقت أجراس المصير، وآذن فجر عصرٍ جديدٍ على هذا العالم.

2026/08/31 · 8 مشاهدة · 1608 كلمة
TR270270
نادي الروايات - 2026