كان الفتى يلوّح بسيفه الخشبي بين أشجار الغابة الكثيفة جسده النحيل مشدود وأنفاسه متلاحقة.
لم يكن يتجاوز الثانية عشرة من عمره ومع ذلك كان العرق يتصبّب من جبينه كأنه مقاتل خاض معركة حقيقية.
كل ضربة يوجهها للهواء كانت تحمل عنادًا أكبر من عمره وكأن السيف هو الشيء الوحيد الذي يفهمه في هذا العالم.
توقّف لحظة أسند السيف إلى الأرض ومسح العرق عن عينيه ثم عاد للهجوم من جديد.
لم يكن هناك مدرّب ولا شهود فقط الغابة وصوت أنفاسه وارتطام الخشب بالفراغ.
وفجأة
انكسر صمت الغابة بخطوات مدروسة.
استدار الفتى بغريزته قبل أن يسمع الصوت بوضوح.
وقف جندي بزيّ القصر الملكي بين الأشجار شدّ قامته وضرب قبضة يده على صدره باحترام.
«سموّ الأمير ألكساندر.»
تجمّد الفتى لثانية ثم أنزل سيفه لم يكن يتدرّب كأمير بل كطفل يهرب من شيء لا يعرف اسمه.
أكمل الجندي بصوت رسمي:
«جلالة الملك… يطلب حضورك.»
لم يسأل ألكساندر لماذا.
هزّ رأسه بهدوء وكأن هذا النداء كان متوقعًا منذ زمن.
عاد إلى القصر مع غروب الشمس.
اغتسل أزال عن جسده آثار الغابة والتعب وارتدى ملابسه بعناية أكبر من المعتاد.
كل حركة كانت هادئة لكن في داخله شيء مضطرب لا يهدأ.
وحين انتهى اتجه نحو القاعة الملكية.
هناك
كان ينتظره والده.
الملك أستاروس.
رجلٌ لا يحتاج إلى التاج ليبدو ملكًا.
وقف الأمير أمام العرش ظهره مستقيم ملامحه هادئة إلى حد البرود.
لم ينظر حوله ولم يبدُ عليه أي تردد.
قال بصوت رسمي ثابت:
«جلالتك.»
أجابه الملك أستاروس بنبرة أخفّ:
«لا حاجة للألقاب بيننا.»
لم يعلّق الأمير.
بقي واقفًا صامتًا كأن الكلمات لا تعنيه إلا بقدر ما يجب.
تنهد أستاروس ونظر إليه طويلًا قبل أن يقول:
«وصلني طلبك بالمشاركة أرى أن لا داعي لمشاركتك»
لم يتغير تعبير الأمير.
لا موافقة ولا رفض.
في تلك اللحظة تقدّمت مونيلا بخطوات واثقة وابتسامة محسوبة على شفتيها.
قالت بنبرة هادئة مصطنعة:
«لكنه اميرنا الأول ومن الطبيعي أن يشارك.»
ثم أضافت وكأنها تفكر بصوت عالٍ:
«غالبا بعض الممالك سترسل أبناءها المباشرين.»
توقفت لحظة، ثم تنهدت بأسفٍ متعمد:
«آه… لو أن أبنائي الأعزاء لم يكونوا دون العاشرة، لكنت أرسلتهم ليحملوا هذا الشرف.»
عندها…
رفع الأمير نظره نحوها.
لم تكن نظرة غضب، ولا تهديد.
كانت نظرة عميقة، باردة، كأنه يقرأ ما خلف الابتسامة بسهولة.
فهم نيتها كاملة… ولم يحتج إلى كلمة واحدة.
تقدم موراكان، مستشار الملك، صوته حازم:
«كلا ليس هناك أي قانون يُلزم هذا الأمر ولا داعي لتعريض أميرنا للخطر.»
ساد صمت ثقيل في القاعة.
ثم تكلم الأمير أخيرًا.
قال داميان بصوت منخفض، لكنه اخترق المكان كالسيف:
«ساشارك»
التفتت العيون كلها نحوه.
أكمل، بنفس البرود:
«ان اذن جلالتك لي هذه رغبتي»
ساد الصمت في القاعة بعد كلمات الأمير، صمتٌ ثقيل كأن الهواء نفسه توقّف.
تحركت العيون نحو العرش بانتظار ردّ الملك.
رفع أستاروس يده بهدوء، فقط إشارة واحدة كانت كافية لإسكات القاعة.
نظر إلى ابنه طويلًا لا كملك هذه المرة بل كأب يعرف عناد من أمامه.
ثم قال بصوت ثابت:
«لن أمنعك.»
توقّف لحظة، ثم أكمل:
«لك حرية الذهاب… لكن كن حذرًا.»
لم يبدُ على الأمير أي رد فعل.
أومأ إيماءة خفيفة رسمية وكأن القرار كان محسومًا منذ البداية.
«احي جلالتك»
«ايسام.... كلفتك بمراقبة وتدريب الكساندر اخبرني ما هو مستواه برايك»
صمت ايسام قليلا واجاب
«جلالتك سمو الامير عبقري بكل ما تعنيه الكلمة علمته كل ما اعرف عن القتال وهو اكتسب كل معرفتي في سنتين»
ابتسم ايسام
«وطبقها علي»
«ماذا تعني»
«سموه استطاع توجيه ضربة لي منذ بعض ايام اثناء التدريب»
«هو الان يبني طريقه بنفسه لا احد من جيله يستطيع هزيمته»
صمت استاروس وغرق في افكاره
بعد يومين
خارج القصر كانت مسيرة الاستعداد قد تشكّلت بالفعل.
يتقدم الصف نائب قائد القصر الملكي، إيسام بملامح صارمة وهيبة واضحة، ينظر حوله بخبرة ليتأكد من انضباط الجنود.
وراءه ثلاثمائة من نخبة جنود المملكة يرتدون الدروع اللامعة أسلحتهم منظمة بعناية كل خطوة منهم تصدر بإيقاع واحد.
إلى جانب ألكساندر، كان أربعة مشاركين آخرين يمثلون مملكة آزوران كل واحد منهم شاب قوي متدرّب لكن واضح أنهم أصغر من الأمير في خبرته وهيبته.
كانت الشمس تتسلل بين الغيوم تلقي بظلال باردة على المسيرة بينما الحراس يسيرون بإيقاع منظم وكأن الأرض نفسها تترقّب ما سيحدث.
المسابقة التي تستعدّ لها ممالك القارة ليست مجرد اختبار للقوة بل حدث عالمي يُقام كل عشر سنوات.
تتناوب الممالك على استضافة الحدث وفي كل دورة تُرسل كل مملكة خمس مشاركين على الأقل غالبًا من أمرائها وأقوى مقاتليها لتتنافس على الشرف والمجد وأحيانًا على التحالفات والمكاسب السياسية.
القواعد بسيطة لكنها صارمة:
المشاركون يجب أن يكونوا بين سن العاشرة والخامسة عشرة.
كل مشاركة فردية لكن السمعة التي يحملها الأمير أو المشارك تعكس قوة المملكة بأكملها.
اليوم كان ألكساندر واحدًا من هؤلاء القلائل الذين سيحملون اسم المملكة
تقدم مع نخبة حرس الملك وإيسام نائب القائد في مسيرة قد تغيّر مصيره إلى الأبد.
كانت المسيرة تتحرك بثبات على الطريق الترابي بين الغابات الكثيفة.
ألكساندر جلس في عربة ملكية خاصة، مستقيم الظهر، صامت، يراقب كل حركة على الطريق.
على حصانه بجانبه كان إيسام نائب قائد القصر الملكي يراقب الغابة بعين ثاقبة
ألكساندر اكتفى بالنظر أمامه صامت عيناه تتفحصان الغابة
فجأة خرج قطاع الطرق من الغابة حوالي سبعمائة رجل يحيطون بهم من الغابة
إيسام لم يظهر أي توتر، صوته هادئ وحازم:
«اتخذوا التشكيل! حول العربة! حافظوا على الصفوف!»
الحرس تجاوبوا على الفور شكلوا مثلثًا حول العربة بثلاث صفوف
بدأ قطاع الطرق بالهجوم على الصف الأول مباشرة لكن الصف الأول بقي ثابتًا صامدًا في مكانه دون أي تراجع او تقدم.
بعد بضع دقائق هاجم قطاع الطرق بكامل رجالهم رفع إيسام يده وصرخ:
«الصف الأول… تقدّموا!»
تقدم الصف الأول تدريجيًا بخط واحد دافعينهم للخلف
بعدها صرخ إيسام:
«تراجعوا الصف الأول!»
تراجع الصف الأول بانتظام للخلف ليظهر الصف الثالث وهم فرسان مدججين بلدروع مع احصنتهم وبداو بلفتك بقطاع الطرق
صرخ ايسام مجددا
«الصف الثاني امطروهم بلسهام»
تقدم الصف الثاني وبدا باطلاق الأسهم لدعمهم من الخلف، والصف الاول تقدم مجددا بعد تقدم الفرسان لمركز قطاع الطرق مشكلين حلقة حولهم
استمرت المعركة حوالي عشرين دقيقة، سقط خلالها نحو مئتي رجل من قطاع الطرق، ثم انسحبوا بعد هزيمتهم دون أن يلاحقهم أحد.
ألكساندر ظل صامتًا، عيناه تراقبان الطريق والجنود، هدوءه البارد يزداد هيبة بعد هذه المواجهة، وكل حركة كانت محل دراسة دقيقة.
وصلت المسيرة إلى مملكة لورانس المملكة المستضيفة للبطولة.
كانت المدينة تعج بالاحتفالات والبهجة الشوارع مزينة بالألوان وصدحت الموسيقى من كل زاوية.
مهرجانات ومسابقات صغيرة أقيمت قبل البطولة الرئيسية الناس يمرحون الأطفال يركضون والباعة يعرضون بضائعهم على الأرصفة.
تم تجهيز مكان الإقامة لألكساندر وقواته وبدأ التحضير للمنافسة الكبرى لكن الأمير لم يهتم بأي شيء من هذا كله.
حاول الخروج للتجول لكن إيسام لم يتركه وحيدًا.
خلال الأيام الثلاثة التالية رافقه إيسام لكل مكان: إلى الأسواق إلى ساحات المهرجانات حتى إلى صالات التدريب حيث عرضت مسابقات مهارية صغيرة.
لكنه لم يفهم ألكساندر أبدًا؛
الأمير لم يكن طبيعيًا منذ الصغر،
فقد فقد والدته نتيجة مرض لا علاج له ولم يكن بجانبه أحد ليخفف عنه حينها.
قضى حزنه لوحده وحين حاول إصلاح الأمور أدرك أن قلبه تغير.
عندما شهد ألكساندر أول معركة بعينه لم يبدِ أي تعبير.
وقف يراقب يحلل يقيم بلا ابتسامة أو خوف أو غضب.
تنهد إيسام وهو ينظر إلى فتيان في عمر ألكساندر وهم يمرحون يتسلون مع الفتيات ويقضون أوقاتهم ببساطة بينما الأمير قضى وقته في التدريب على السيف أو التجول هنا وهناك بمفرده.
لكن كان هناك شيء واحد يعرفه إيسام بلا شك: سموه عبقري في السيف لا مثيل له.
ابتسم إيسام بخفة وكأن هذا الهدوء والقدرة وحدها تكفي لتفسير برودة الأمير وغموضه.
هكذا انتهت الأيام الثلاثة بدون ضحك بدون تسلية إلا للتدريب والمراقبة.