في عمق السماء الزرقاء، وعلى أرض بعيدة، كانت إمبراطورية شينيا تزدهر بسلام تحت حكم إمبراطور نبيل. حكمت هذه الإمبراطورية أربع دوقيات قوية، كل واحدة منها تضيف رونقها وجوهرها إلى النسيج الفريد للإمبراطورية.
في الشمال، تربعت الدوقية الكبرى ريوجر، موطن الأبطال ومستخدمي قوى الماء الأسطوريين. تميزت ريوجر بجبالها الشاهقة، وبحيراتها الصافية. في الجنوب، سيطرت دوقية زيلاندرا بتلالها الخضراء وسهولها الخصبة. أما في الشرق، فحكمت دوقية أورليثيا بغاباتها الكثيفة وجبالها المهيبة. وأخيراً، في الغرب، كانت دوقية سيلفيا تزخر بسهولها المترامية الأطراف وبحرها العميق، وكانت معروفة بموانئها التجارية وصياديها المهرة.
وفي قلب هذه المملكة، كانت العائلة المالكة ألكسندرين تسكن في العاصمة. تميز أفراد العائلة المالكة بعيون قرمزية نادرة تُعرف باسم "عيون المراقب"، التي تمنحهم القدرة على رؤية هالة الأشخاص وكشف حقيقتهم، مما مكنهم من الحكم بحكمة وعدل.
وسط هذه الحكاية، وُلدت سيليسيا ريوجر، حفيدة إحدى أعظم مستخدمات قوى الماء التي عرفتها الدوقية الكبرى ريوجر. كانت هذه القوة النادرة تظهر مرة واحدة في كل جيل، وقد منحت لسيليسيا هذه المرة. لكن بدلاً من أن تكون نعمة، أصبحت عبئاً ثقيلاً على حياتها.
ففي يوم من الأيام بينما كانت سيليسيا البالغة من العمر ثلاث سنوات تلعب في حديقة القصر تحت إشراف والدتها الحنونة، كلارا...
"أمي، انظري! لقد تفتحت الأزهار هناك!" قالت سيليسيا بفرح وركضت بسرعة نحو الأزهار.
"سيلي، لا تركضي بسرعة، سوف تصابين!" قالت كلارا بقلق وهي تتابع ابنتها بنظرة حنونة.
لكن سيليسيا تعثرت وسقطت على الأرض. "آه، هذا مؤلم!" لمست ركبتها ورأت بقع الدم على يدها. شعرت بشيء غريب يسري في جسدها، وعندما وصلت والدتها، نادتها بقلق، "سيلي... سيليسيا، هل تسمعينني يا صغيرتي؟"
شردت سيليسيا للحظة وهي تنظر إلى يدها المغطاة بالدماء. "نعم!، أمي..." قالت بدهشة.
"يبدو أنك شردت للحظة. دعيني أعالج إصابتك"، قالت كلارا بحنان وهي تربت على رأسها بلطف.
بدأ بريق أصفر لامع ينساب ببطء على ركبة سيليسيا، التي كانت تحدق بحماس في البريق الشافي. "أحب مشاهدة قوة أمي العلاجية، إنها جميلة جداً"، فكرت في نفسها ببهجة.
الجرح التأم بسرعة، وتوقفت كلارا عن استخدام قوتها. وقفت وابتسمت لابنتها، "هيا دعينا نذهب لنتناول الكعك والشاي معاً، وننتظر عودة والدك."
ردت سيليسيا بابتسامة مشرقة، "نعم، لنفعل ذلك يا أمي. أحب قضاء الوقت معك دائماً."
مدت يدها لتلمس يد والدتها، وفجأة شعرت بشرارة غريبة تمر عبر جسدها. تجمدت في مكانها بينما تدفقت طاقة هائلة عبر عروق يديها.
"مؤلم... أشعر أن ذراعي ستنفجر!" فكرت سيليسيا في نفسها، وملامح الألم ترتسم على وجهها الصغير.
"سيلي، ما خطبك يا ابنتي؟" قالت كلارا بقلق، محاولة فهم ما يحدث.
"آآآه!" بدأت سيليسيا بالصراخ، "أمييي... الألم ينتشر في جميع أنحاء جسدي!"
جثت سيليسيا على ركبتيها، ضاغطة على قلبها، وبدأت تصرخ من الألم الذي كان يمزقها من الداخل.
حاولت كلارا تهدئتها، "لا تقلقي، صغيرتي، أمك بجانبك". نظرت إلى يديها المرتجفتين، محاولة التركيز.
"علي تكريس طاقتي بأكملها"، فكرت كلارا بجدية. بدأت بتدفق طاقة ذهبية هائلة، انعكست عليها أشعة الشمس، وكانت ضوءاً ساطعاً رآه كل من بالجوار.
وبمجرد تلامس طاقة كلارا وجسد سيليسيا، حدث ما لم يكن في الحسبان. بدأت الأمطار تهطل بغزارة، وتجمعت برك الماء في أنحاء الحديقة.
"لا تخبرني بأنها مصابة بفوضى القوة!"، فكرت كلارا بذهول. "هذه الطاقة الهائلة قد تؤدي إلى هلاكها وتدمير القصر بأكمله."
"لا، يجب عليّ فعل ما بوسعي لتقليل الكارثة"، قررت كلارا. "سيلي، اتبعي كلماتي"، قالت بحزم.
"سأحاول، يا أمي"، ردت سيليسيا بتصميم، محاولة السيطرة على الطاقة المتدفقة من داخلها.
"فتاة جيدة"، ابتسمت كلارا بخفة. "حسناً، خذي نفساً عميقاً."
بدأت سيليسيا بالتنفس ببطء، محاولة تهدئة نفسها. "أحسنتِ. الآن، حاولي توجيه كل الماء نحو يديك"، قالت الأم بتوتر، محاولة مساعدة ابنتها على التحكم في قوتها.
بدأت سيليسيا بتحريك يديها، محاولة جمع كل الماء المتناثر حولها. أوقفت الأمطار وشكلت كرة مائية ضخمة تزداد حجماً تدريجياً حتى أصبحت بحجم القصر تقريباً.
"أحسنتِ، يا صغيرتي. الآن، قسمي هذه الكرة إلى أجزاء وضعي كل جزء في مكانه"، قالت كلارا بجدية، محاولة الحفاظ على هدوئها في هذا الموقف العصيب.
بدأت سيليسيا بتقسيم الكرة، جزءاً بعد جزء، وضعت كل جزء في مكانه حتى تبقى الجزء الأخير للنافورة.
"أنا فخورة بكِ يا ابنتي. بقي الجزء الأخير"، قالت كلارا بسعادة، محاولة تشجيع ابنتها.
شعرت سيليسيا بالطمأنينة، "أنا سعيدة لجعل امرأة عظيمة تشعر بالفخر"، فكرت في نفسها، وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها المتعب.
لكن فجأة، سمعت صوتاً غريباً في رأسها، "هل تظنين أن الأمر بهذه السهولة؟ يجب عليّ التخلص من تلك السيدة أولاً."
فقدت سيليسيا السيطرة تدريجياً. "أمي، ابتعدي بسرعة!" صرخت بقلق، محاولة تحذير والدتها.
لكن الطاقة خرجت عن السيطرة، وتحولت إلى دوامة مائية هائلة. في لحظة من الفوضى والعجز، انفجرت الطاقة، وأسفرت عن كارثة رهيبة. عندما هدأت العاصفة، اكتشفت سيليسيا أن والدتها تحتضر.
رأت والدتها مرمية على الأرض، مغطاة بدمائها. نظرت كلارا لابنتها نظرة حزن وألم، وقالت كلماتها الأخيرة بينما تلمس وجهها: "سامحيني يا صغيرتي، لكني لن أكون بجانبك بعد الآن. أرجوكِ لا تستسلمي وقاومي الصعاب".
سقطت يد كلارا على الأرض وأغمضت عينيها تدريجياً، انقطع تنفسها ونبضها وفارقت الحياة.
نظرت سيليسيا ليديها المغطتان بالدماء وهما ترتجفان. "إههه... إههه... لاااااا"، بدأت سيليسيا بالصراخ، منادية "أمي أمي، أرجوكِ لا تتركيني"، لكن الأوان كان قد فات.
بينما كانت سيليسيا تبكي بحرقة، سمعت خطوات أقدام تقترب. كان الأرشيدوق ليونهارد، مذهولاً ومرتبكاً من هول المشهد. اقترب ببطء وحمل جثة زوجته بين ذراعيه، والدموع تنهمر على خديه. قال بصوت مكسور، "أنا آسف. لقد جئت متأخراً."
ثم التفت إلى سيليسيا، ورمقها بنظرة غضب لم تشهدها من قبل. شعرت سيليسيا بالذعر، فلم يسبق لها أن رأت والدها بهذه النظرة المرعبة. حاولت أن تشرح ما حدث، لكنها لم تستطع. فكرت، "لا بد أنه رأى ما حدث، من الأفضل أن أبقى صامتة."
وقف الأرشيدوق، حاملاً زوجته، واتجه نحو القصر قائلاً بصوت قاسٍ، "اقبضوا عليها فوراً". لم تحاول سيليسيا المقاومة، وتبعت الحراس بعيون دامعة وقلب منكسر، وهي تستمع للضحكات الشريرة التي تتردد في رأسها: "لقد كان عرضاً رائعاً، لقد مزقتها بوحشية."
قادها الحراس إلى قلعة ضخمة منعزلة في غابة جبلية كثيفة، معروفة بأنها ملجأ للأسرى والخارجين عن القانون. كانت القلعة مظلمة وباردة، تحمل في جنباتها رائحة الموت واليأس. أدخلوها إلى زنزانة مظلمة باردة، وأغلقوا الباب الحديدي خلفها بصوت معدني ثقيل.
"ستبقين هنا حتى يصدر الحكم"، قال أحد الحراس بحدة، وتركها وحيدة في الظلام.
جلست سيليسيا على الأرض الباردة، وظهرها مستند إلى الجدار الحجري. "ماذا ينتظرني؟" تساءلت بحزن، لكنها تذكرت وصية والدتها: "لا يجب أن أستسلم. يجب أن أقاوم."
انتشرت الأخبار كالنار في الهشيم، وتجمع الناس في الساحات والشوارع يتحدثون عن الفاجعة. طالب الشعب الإمبراطور بإعدام سيليسيا، ظنًا منهم أنها خطر على سلامة المملكة. عُقد اجتماع للنبلاء في القصر الإمبراطوري لتحديد مصيرها. جلس الإمبراطور على عرشه، محاطًا بأهم النبلاء والمستشارين، وبدأ النقاش.
"لا بد أنها مصابة بفوضى القوة"، قال أحد النبلاء بنبرة جادة. "لقد أدى هذا المرض إلى قتل العديد من مستخدمي سيرا الماء في السابق، ولا يوجد علاج له. يجب إعدامها فورًا للحفاظ على سلامة الإمبراطورية."
صمت النبلاء قليلاً، ثم قال الماركيز إيفير جارد، "ولكنها فتاة صغيرة، ولا أظن أنها ستستطيع القيام بهذا. يجب أن نمنحها فرصة لإثبات نفسها."
نظر الإمبراطور إلى النبلاء وقال، "لماذا كل هذا التعجل في الحكم؟ ألم تلاحظوا أنها الوحيدة التي لم تمت فورًا بسبب انفجار قوتها؟ هذا يجعلها مختلفة عن أسلافها."
صمت الجميع لوهلة، وأخذوا يتبادلون النظرات. قال الأرشيدوق ليونهارد فجأة، "لا، إنها خطة جيدة. لقد رأيت مدى قوة مهاراتها، لذا فهي مناسبة لمثل هذه المهمة."
ابتسم الإمبراطور بخفة، وقال، "ربما هذه المهمة ستساعدها في ترويض قوتها. كما أنها ستكون ذات منفعة لنا جميعًا."
وافق النبلاء على قرار الإمبراطور، وتم حبس سيليسيا في ملحق بعيد عن الأنظار لمدة سبع سنوات، حيث قاتلت الوحوش والمخلوقات الشريرة لتتعلم التحكم في قوتها. أصبحت باردة ومتحجرة المشاعر، متعلمة مواجهة التحديات بمفردها. وعندما بلغت العاشرة، طلب الإمبراطور إحضارها إلى القصر الإمبراطوري.
تفاجأ الأرشيدوق بالقرار، ولكنه لم يستطع الرفض. أمرت الخدم بتجهيز سيليسيا، وتجمعت العربة الملكية أمام القلعة لنقلها إلى العاصمة. جلست سيليسيا في العربة، تحمل في قلبها مشاعر مختلطة من الخوف والحيرة، مترقبة ما ينتظرها في المستقبل.
"ما خطب الإمبراطور فجأة؟" تساءلت سيليسيا في نفسها، وعيناها تحدقان في الأفق البعيد. كان قلبها يملأه القلق والتوتر، لكن في مكان ما بداخله، شعرت ببصيص من الأمل. "ربما تكون هذه فرصتي لإثبات نفسي وإظهار أنني لست وحشًا."
.
.
.
.
يتبع