الفصل 1: صدى الخيانة وكأس السم
كانت السماء تمطر دماً. لم يكن تعبيراً مجازياً، بل دماً حقيقياً انهمر من جثث المائة ألف ممارس الذين ذبحهم "يوان مو" بيده العارية لفتح بوابة الصعود.
وقف "يوان مو"، الملقب بـ "الإمبراطور المظلم"، على قمة "جبل الجثث"، يلهث بصعوبة. جسده الذي كان منيعاً ضد السيوف والبرق، كان الآن مخترقاً برمح ذهبي ضخم يخرج من صدره.
لم يكن الرمح هو ما يؤلمه. ما كان يؤلمه هو اليد التي أمسكت بذلك الرمح.
نظر يوان مو إلى الخلف ببطء، والدماء تتساقط من فمه. كانت تقف خلفه امرأة بملابس بيضاء نقية، وجهها يحمل براءة الملائكة، وعيناها تفيضان بدموع التماسيح. "الجنية لينغ"... رفيقته الوحيدة، والشخص الوحيد الذي سمح له بالوقوف خلف ظهره طوال ثلاثمائة عام.
"لماذا؟" سأل يوان مو بصوت مبحوح، والظلام بدأ يزحف إلى أطراف رؤيته.
همست لينغ بصوت ناعم كالسم: "لأن 'الطوائف السماوية' وعدتني بالخلود الحقيقي إذا سلمتهم قلبك الشيطاني، يا يوان. أنت كنت مجرد جسر لأعبر عليه."
دفعته بقسوة.
هوى يوان مو من قمة الجبل. وبينما كان يسقط نحو الهاوية اللانهائية، ورؤيته تتلاشى، لم يشعر بالحزن. الحزن للأغبياء. شعر بشيء واحد فقط... غضب بارد ومشتعل. وعد قطعه لنفسه بينما روحه تتمزق.
لو كان هناك حياة أخرى... سأقتل الجميع. لن أثق، لن أحب، سأكون الكابوس الذي يخشاه الشياطين أنفسهم.
ثم، ابتلعه الظلام.
"....يا يوان؟ هل تسمعني؟"
فتح يوان مو عينيه فجأة. شهق بقوة كما لو أنه كان غارقاً تحت الماء لفترة طويلة.
لم يجد نفسه في الهاوية، ولا في الجحيم.
رأى سقفاً خشبياً متهالكاً، تتسرب منه أشعة شمس ضعيفة ومغبرة. رائحة العفن والرطوبة ملأت أنفه بدلاً من رائحة الدم والحرائق التي اعتاد عليها لقرون.
حاول النهوض، لكن جسده كان ثقيلاً... ثقيلاً جداً وضعيفاً بشكل مثير للشفقة. شعر وكأنه يحاول تحريك دمية من الرصاص.
نظر إلى يديه.
أين الندوب؟ أين الهالة السوداء التي كانت تحيط بجلده؟
هذه اليدان... كانتا ناعمتين، شاحبتين، ونحيفتين كأغصان جافة. يدان لشاب لم يمارس القتال الحقيقي قط.
جال ببصره في الغرفة الضيقة. أثاث خشبي رخيص، حصيرة نوم بالية، ورداء أزرق باهت معلق على الجدار يحمل شعار "سحابة رمادية".
طائفة الغيوم الرمادية...
عصف الألم برأسه فجأة. ذكريات قديمة مغطاة بالغبار بدأت تتدفق وتتداخل مع واقعه الحالي. هذا المكان... هذا الكوخ الحقير في الطرف الغربي من الطائفة... لقد عاش هنا قبل أربعمائة عام!
"أنت شارد الذهن اليوم يا أخي الأصغر."
الصوت جاء من الجانب الآخر للطاولة.
أدار يوان مو رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان تحاولان التكيف مع الضوء والواقع. جلس أمامه شاب بابتسامة صفراء وعينين ضيقتين.
حدق يوان مو في وجه الشاب. الذاكرة كانت مشوشة، كصورة ممزقة يحاول تجميعها. من هذا؟ هذا الوجه الماكر... وتلك الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر...
وفجأة، اتضحت الصورة.
إنه "تشاو فنغ".
تذكر يوان مو هذا اليوم. إنه اليوم الذي دُمر فيه مستقبله. في حياته السابقة، كان يعتبر تشاو فنغ صديقه الوحيد في الطائفة. وفي هذا اليوم بالتحديد، قدم له تشاو فنغ كوباً من الشاي "للاحتفال"، لكنه كان بداية النهاية لزراعته.
"لقد صنعت لك هذا الشاي خصيصاً،" قال تشاو فنغ وهو يدفع كوباً خزفياً مكسور الحافة نحو يوان مو. "إنه من أوراق 'الندى الروحي'. سيساعدك على تقوية جسدك قبل اختبار الغد. اشرب."
نظر يوان مو إلى الكوب. السائل الأخضر العكر كان يدور ببطء.
رغم مرور القرون، لم ينسَ يوان مو رائحة هذا السم. رائحة خفيفة تشبه اللوز الفاسد، تخفيها رائحة الشاي القوية. إنه سم "تآكل الجذور". سم خبيث لا يقتل، بل يذيب مسارات الطاقة (المريديان) ببطء، ليحول العبقري إلى شخص عاجز مدى الحياة.
ارتفعت زاوية فم يوان مو ببطء. لم تكن ابتسامة، بل تكشيرة ذئب وجد فريسة سهلة.
الخلود الحقيقي؟ الجنية لينغ؟ الطوائف السماوية؟... يبدو أن القدر قرر أن يعيدني إلى نقطة الصفر لأعيد كتابة اللعبة.
مد يوان مو يده والتقط الكوب. لاحظ ارتعاشاً بسيطاً في أصابعه، ليس من الخوف، بل من ضعف هذا الجسد الشاب الذي يفتقر للطاقة.
قال يوان مو بصوت خشن وعميق، صوت لا يناسب جسد شاب في السادسة عشرة:
"تشاو فنغ... هل تعرف مما يُصنع سم 'تآكل الجذور'؟"
تجمدت الابتسامة على وجه تشاو فنغ. رمش بعينيه بتوتر واضح.
"ماذا؟ سم؟ عم تتحدث يا يوان؟ هل أنت مريض؟ هذا شاي فاخر!"
تجاهل يوان مو رده، وتابع وهو ينظر إلى السائل في الكوب:
"يُصنع من سم أفعى المستنقعات الممزوج بزهور الليل، ويحتاج لسبعة أيام ليختمر. التاجر 'ذو الندبة' في السوق السوداء يبيعه بخمسة أحجار روحية. هل بعت قلادة والدتك لتشتريه؟"
شحب وجه تشاو فنغ كالموتى. كيف عرف؟ كيف يمكن لهذا الأحمق الساذج أن يعرف اسم التاجر والسعر؟
انتفض تشاو فنغ واقفاً، محاولاً تغطية رعبه بالغضب المصطنع. وضع يده على مقبض سيفه الحديدي الرخيص.
"أنت... أنت تتهم أخاك الأكبر بمحاولة قتلك؟ يبدو أنك جننت وتحتاج لتأديب!"
في اللحظة التي بدأ فيها تشاو فنغ بسحب سيفه، تحرك يوان مو.
لم يستخدم القوة، فجسده الحالي في المستوى الثاني من "تجميع التشي"، بينما تشاو فنغ في المستوى الثالث. القوة الجسدية ليست في صالحه.
لكن "يوان مو" يملك شيئاً أقوى من العضلات: الخبرة.
رأى يوان مو حركة تشاو فنغ وكأنها بالتصوير البطيء. الثغرات في وقفته، تنفسه المضطرب، طريقة إمساكه بالسيف... كلها أخطاء قاتلة.
التقط يوان مو عود الأكل الخشبي (Chopstick) من على الطاولة. وبحركة خاطفة لم ترها عين تشاو فنغ، غرز العود بدقة في "نقطة خدر" دقيقة عند مفصل يد تشاو فنغ.
"آغغغ!"
صرخ تشاو فنغ وسقط السيف من يده المشلولة.
لم يتوقف يوان مو. نهض بسرعة، واستغل اختلال توازن خصمه. أمسك برأس تشاو فنغ وضربه بقوة سطح الطاولة الخشبية الصلبة.
بام!
تناثرت قطرات الدم من أنف تشاو فنغ، وترنح للخلف، وعيناه زائغتان من الصدمة والألم. لم يستطع استيعاب ما حدث. كيف تحول هذا الفتى الضعيف إلى مقاتل وحشي في رمشة عين؟
قبل أن يسقط تشاو فنغ، أمسك يوان مو بفكّه، ضاغطاً بإبهامه على عصب معين يجبر الفم على الانفتاح رغماً عنه. وباليد الأخرى، رفع كوب الشاي المسموم.
"لقد دفعت ثمناً غالياً لهذا الشاي، يا أخي،" همس يوان مو ببرود وهو ينظر مباشرة في عيني تشاو فنغ المرعوبتين. "سيكون من الوقاحة ألا تتذوقه بنفسك."
"لا! أرجوك... مممغغ!"
سكب يوان مو الشاي كاملاً في حلق تشاو فنغ، ثم أغلق فمه وأنفه بيده، مانعاً إياه من التنفس حتى ابتلع كل قطرة.
دفع يوان مو الجسد المرتجف بعيداً، ليسقط تشاو فنغ على الأرض، يمسك رقبته ويسعل بعنف، وجهه يحمر ثم يزرق. السم بدأ يعمل. الألم الحارق بدأ ينتشر في أحشائه.
وقف يوان مو فوقه، يعدل رداءه بهدوء تام، وكأنه لم يفعل شيئاً سوى ترتيب غرفته.
زحف تشاو فنغ، والدموع واللعاب يلطخان وجهه، ممسكاً بطرف رداء يوان مو.
"أنت... وحش... أنقذني... سأموت..."
ركل يوان مو يد تشاو فنغ بعيداً عنه بقرف.
"لن تموت. هذا السم لا يقتل فوراً. إنه فقط سيذيب مركز الطاقة لديك ويجعلك تعيش كشخص عاجز، تماماً كما خططت لفعله بي."
انحنى يوان مو قليلاً، وهمس في أذن تشاو فنغ الذي كان يتلوى من الألم:
"استمتع بهذا الألم يا تشاو. الألم هو المعلم الوحيد الذي ستفهمه أمثالك بصدق."
استدار يوان مو وخرج من الكوخ، تاركاً وراءه صوت أنين مكتوم.
في الخارج، استنشق يوان مو الهواء البارد. نظر إلى يديه مرة أخرى. لقد نجح في الاختبار الأول، لكن الطريق لا يزال طويلاً. هذا الجسد ضعيف، ومسارات الطاقة مسدودة بالشوائب.
"علي أن أصل لمستوى 'تأسيس الأساس' في غضون شهر،" تمتم يوان مو لنفسه وهو ينظر نحو الغابة المحرمة خلف الجبل. "هناك، في الكهف المخفي الذي لم يكتشفه أحد بعد، توجد نبتة 'اللوتس الدموية'. ستكون وجبتي الأولى."
ابتسم يوان مو، وعيناه تلمعان ببريق مظلم.
"لقد عاد الإمبراطور... وهذه المرة، السماء نفسها لن توقفني."