زأر التنين.

أو على الأقل، حاول الصبي الذي يرتدي زيّ التنين أن يزأر.

لكن ما خرج من فمه كان أقرب إلى السعال.

«هذه نهايتك أيها التنين الشرير!» صاح المحارب وهو يضرب صدر التنين بسيف خشبي.

ضجّ الفصل بالهمسات والضحكات المكتومة. انزلق التاج الورقي فوق جبين الأميرة، فسارعت إلى رفعه قبل أن تتذكر أنها يفترض أن تبدو خائفة.

ترنّح التنين إلى الخلف، ناشرًا جناحيه المصنوعين من الورق المقوّى. «ذلك السيف الأسطوري... كان بحوزتك منذ البداية!»

رسم المحارب رمزًا مرتجفًا في الهواء. «نعم! والآن سأستخدم تقنيتي القصوى لأختمك إلى الأبد يا روكزا!»

«لا!»

انهار التنين بكل ما استطاع جسد طفل صغير أن يحتمله من المبالغة الدرامية.

ضمّت الأميرة كفّيها. «شكرًا لك أيها المحارب الشجاع.»

تقدّم صبي آخر، مرتديًا لحية طويلة مزيفة كانت قد بدأت تنفصل عن ذقنه.

«وبهذا،» أعلن، «هُزم التنين الشرير روكزا على يد المحارب الشجاع، ونَعِم العالم بسنوات طويلة من السلام.»

انفجر الفصل بالتصفيق.

وصفّق ناش أيضًا.

كان جالسًا قرب مؤخرة الفصل، وعيناه الداكنتان ثابتتان على الأطفال في المقدمة. انسدل شعره الأسود بخصلات متموجة فوق جبينه، مخفيًا معظم عينه اليسرى كما كانت أمه تصرّ دائمًا. وكلما تحركت الخصلات من مكانها، أعادها ناش من دون تفكير.

لم يكن يعرف لماذا يهمها الأمر إلى هذا الحد.

كل ما كان يعرفه هو أن الأمر يهمها.

«كان عرضًا جميلًا،» قال المعلم مبتسمًا للممثلين. «كنت أود التحدث أكثر عن أدائكم، لكن الوقت يداهمنا. لم يتبقَّ على افتتاح معرض الكتاب سوى بضع ساعات.»

اختفت ابتسامة ناش.

وأدار وجهه نحو النافذة.

في الخارج، انسكب ضوء الشمس فوق أسطح بيوت القرية. وخلفها امتدت الغابة، واسعة وخضراء، وخلف الغابة، في مكان لم يره ناش بعينيه قط، كانت تنتظر المدينة الملكية.

كتب. شوارع. أبراج. سحرة. غرباء. العالم.

«لذلك عودوا إلى منازلكم واستعدوا،» تابع المعلم. «قابلوني بعد ساعة عند مخرج القرية. ستكون عربة بانتظارنا.»

هتف الأطفال فرحًا.

أما ناش، فلم يفعل.

توقفت عينا المعلم عليه لحظة أطول من اللازم بينما كان يعدّل نظارته.

كانت القرية تعجّ بالضجيج في طريق العودة إلى المنزل.

نادى التجار بأسعار الأسماك والفواكه والخضراوات. ودقّ الرجال ألواحًا جديدة في هيكل منزل نصف مبني. وصفقت قطع الغسيل في مهب الريح. ومرّت العربات فوق الطرق الترابية، بينما تجولت الخراف قرب حافة الغابة، تقضم أوراق الأغصان المنخفضة.

بالنسبة إلى ناش، بدا كل شيء مطابقًا للأمس.

ولليوم الذي سبقه.

ولكل يوم سبق ذلك.

«التنانين رائعة جدًا!» صاح ليف وهو يرفع قبضتيه في الهواء.

وأضاف: «وسنذهب إلى المدينة الملكية، حيث توجد رفوف كاملة من الكتب عن التنانين.»

«كياااه! أنا متحمس جدًا!» أمسك ليف أرفيد من كتفيه وراح يهزّه.

«ليف... أشعر بالدوار.» وضع أرفيد يدًا فوق فمه. «قد أتقيأ.»

أفلته ليف فورًا وقفز مبتعدًا. «هذه الملابس جديدة! اشتراها لي أبي من المدينة الملكية. إن تقيأت عليها فسأقتلك.»

«بلاااه.» أخرج أرفيد لسانه. «خدعتك.»

تمتم ليف: «يا لك من أحمق.»

قال ناش وهو يتقدم أمامهما: «الوقت يداهمنا. تحركا.»

واصل الثلاثة سيرهم على الطريق.

قال ليف وهو يقفز بخفة على كعبيه: «إذًا، هل تظنان أن التنانين حقيقية؟»

رفع أرفيد ذقنه كما لو كان عالمًا يستعد لمخاطبة مجلس ملكي. «بصراحة، أجد صعوبة في تصديق وجود مخلوقات كهذه.»

«أيها الأحمق. إن لم تكن التنانين موجودة، فمن أين جاءت كلمة تنين؟»

«ربما من خيال أحدهم.»

«تؤمن بحوريات البحر ولا تؤمن بالتنانين. هذا غير منطقي.»

قال أرفيد بحزم: «حوريات البحر منطقية. من الواضح أنها نتيجة زواج رجل من سمكة.»

توقف ناش وليف عن السير.

وللحظة، تخيل الصبيان رجلًا واقفًا أمام مذبح إلى جوار سمكة.

ثم عقد ناش حاجبيه.

«هذا أقل منطقية من التنانين.»

قال أرفيد مستاءً: «هذا علم.»

فردّ ليف: «بل غباء.»

أطلق ناش ضحكة قصيرة رغمًا عنه.

التفت إليه ليف. «وماذا عنك يا ناش؟ هل تؤمن بأن التنانين حقيقية؟»

لم يتردد ناش.

«التنانين حقيقية.»

رمش أرفيد. «تبدو واثقًا أكثر مما ينبغي.»

قال ناش: «السحر موجود. لذلك يمكن أن تكون التنانين موجودة أيضًا. هذا ما أؤمن به.»

لم يجبه أيٌّ من صديقيه للحظة.

ثم أشار أرفيد إلى الأمام. «انظرا.»

وقف رجل في فسحة إلى جانب الطريق، يلوّح بسيف في الهواء. ومع كل ضربة، كان قوس من الماء يتبع النصل، يلمع تحت ضوء الشمس قبل أن يتناثر قطرات.

همس ليف: «الساحر فيليوس.»

اختبأ الصبية الثلاثة فورًا خلف شجرة.

قال ليف بانبهار: «واو... انظرا إلى جسده. يبدو قويًا جدًا.»

همس أرفيد: «إنه قوي فعلًا. يقول الناس إنه هزم مجموعة كاملة من قطاع الطرق بمفرده.»

لمعت عينا ليف. «هذا رائع جدًا.»

راقب ناش فيليوس وهو يلوّح بسيفه من جديد.

انحنى الماء حول السيف كشريط حي.

ساحر القرية. رجل يعجب به الجميع. رجل يستطيع مقاتلة قطاع الطرق. رجل غادر القرية على الأرجح مرات أكثر مما يستطيع ناش عدّها.

قبض ناش يده.

السحر. التنانين. المدينة الملكية.

كان العالم هناك، قريبًا منه إلى هذا الحد.

ومع ذلك، كان هو الوحيد الممنوع من لمسه.

بعد وقت قصير، توقف ليف فجأة في منتصف الطريق.

«ماذا؟» صاح. «لن تأتي معنا؟»

حكّ ناش مؤخرة رأسه. «أنا...»

قال أرفيد: «لا تقل إنك تصاب بدوار السفر.»

«لا.» قال ناش: «أنا فقط لا أريد إهدار وقتي في معرض كتب ممل، بينما أستطيع البقاء هنا وجني ثروة.»

ردّد ليف وأرفيد معًا: «ثروة؟»

عقد ناش ذراعيه. «سأذهب لصيد السمك.»

حدق فيه ليف. «لكن أرفيد قال إنك لم تصطد سمكة واحدة طوال حياتك.»

أدار أرفيد وجهه فورًا وبدأ يصفّر.

رمقه ناش بنظرة غاضبة.

قال ناش: «كان ذلك في الماضي. لدي اليوم خطة.»

«خطة؟»

«خطة ستجعلني غنيًا، بينما تهدران وقتكما في قراءة الكتب المملة أيها الأحمقان.»

نادت امرأة من منزل قريب: «ليف! الغداء جاهز!»

قال ليف: «هذه أمي.» ثم أشار إلى ناش وهو يتراجع. «عندما أعود من المدينة الملكية، لن أحضر لك أي تذكار، لأنك أحمق متباهٍ.»

قال أرفيد وهو يخرج لسانه: «نعم. أحمق متباهٍ.»

ثم ركضا مبتعدين.

راقبهما ناش وهما يرحلان، ثم رفع وجهه نحو السماء وأخذ نفسًا عميقًا.

تمتم: «أحمقان.»

لكن عينيه كانتا قد اتجهتا بالفعل نحو الغابة.

توقف ناش أمام شجرة وُضعت عليها علامة بالطلاء الأحمر.

وفوقه، مخبأة بين الأغصان، كانت شبكة صيد معلّقة.

ابتسم بمكر.

قال وهو يسحب الشبكة إلى الأسفل: «اليوم، انتهى أمركن أيتها الأسماك.»

كانت البحيرة تنتظره خلف الأشجار، واسعة ومضيئة تحت شمس الظهيرة. وغرّدت الطيور فوق الظلال الباردة، بينما لمع سطح الماء كالزجاج.

ألقى ناش حقيبته قرب الضفة وخلع قميصه.

رمى أربع صخور في الماء، واحدًا تلو الآخر، ثم قفز حاملاً الشبكة.

ابتلعه البرد.

تفرقت الأسماك حول ساقيه بينما كان يغوص نحو القاع. قاوم ناش رغبته في الابتسام وعمل بسرعة، فبسط الشبكة فوق قاع البحيرة وثبّت كل زاوية بصخرة. وكان حبل يربط الزوايا الأربع معًا ويمتد صاعدًا نحو السطح.

عندما خرج من الماء، شهق لالتقاط أنفاسه ومسح الماء عن وجهه.

صعد إلى اليابسة، وأخرج خبزًا من حقيبته وقطّعه إلى قطع صغيرة. ثم أخذ يرميها واحدة تلو الأخرى فوق المكان الذي تنتظر فيه الشبكة.

بعد ذلك، تسلق غصنًا منخفضًا والحبل بين أسنانه.

تحته، بدأت الأسماك تتجمع حول الخبز.

جلس ناش ساكنًا تمامًا.

وللمرة الأولى، كان كل شيء يسير وفق الخطة.

تلألأت البحيرة. وهمست الأوراق. وفاحت في الهواء رائحة الماء وعشب الصيف.

ثقلت جفونه.

لامس صوت أذنه كنسمة خافتة.

«هل لديك أمنية...؟»

فتح ناش عينيه.

ونظر حوله.

لم يكن هناك أحد.

«هاه...؟ هل كنت أحلم؟»

ثم رأى الشمس.

كانت قد انخفضت كثيرًا عما كانت عليه.

«اللعنة. لقد نمت طويلًا.»

نظر إلى الأسفل.

كانت الأسماك تسبح فوق الشبكة في سرب لامع.

عادت ابتسامة ناش.

«وقعتنّ في الفخ.»

قفز من الغصن، وجذب الحبل بكلتا يديه.

ارتفعت الشبكة.

ولثانية مجيدة واحدة، راحت الأسماك تتخبط داخلها.

«نعم!» صاح ناش. «نجحت!»

ثم انزلقت الأسماك من الفتحات الواسعة وسقطت في البحيرة مع رذاذ الماء.

حدق ناش.

تدلت الشبكة فارغة.

«الشبكة التي اشتريتها...»

ارتعشت عينه.

«فتحاتها...»

وبعد لحظة، دوّى صراخه في أنحاء الغابة.

«اللعنة عليكن أيتها الأسماك!»

بحلول الوقت الذي عاد فيه ناش إلى القرية، كانت الشبكة قد تُركت في قاع البحيرة، وكان كبرياؤه قد غرق معها.

جلس هيرشل العجوز قرب الطريق، مستندًا إلى عصاه.

سأله: «لم تصطد شيئًا مجددًا، أليس كذلك؟»

أدار ناش وجهه. «كنت قريبًا.»

«بالطبع. في المرة القادمة يا فتى. في المرة القادمة.»

«شكرًا يا هيرشل العجوز.»

مال هيرشل نحوه وخفض صوته. «مررت قرب منزل ناتاشا في وقت سابق. شممت رائحة شيء لذيذ. لا تنسَ أن تحضر لي بعضًا منه.»

ابتسم ناش ابتسامة خفيفة.

«لن أنسى.»

«فتى طيب.» تفحصه هيرشل لحظة. «بالمناسبة، لماذا لم تذهب مع أصدقائك؟ سمعت أن المعلم أخذ الأطفال إلى المدينة الملكية من أجل معرض الكتاب.»

أظلمت ملامح ناش.

«أمي لم تسمح لي بالذهاب.»

«فهمت.» تنهد هيرشل بهدوء. «قد يكون حدس الأم ثقيلًا أحيانًا. لا تغضب منها كثيرًا. سيعود أصدقاؤك بقصص، وربما ببعض الكتب لك.»

تمتم ناش: «أجل.»

لكن الكلمة تركت في فمه مذاقًا مرًّا.

داخل المنزل، كانت ناتاشا تدندن وهي تحرّك الحساء.

رفعت ملعقة، تذوقت منها، ثم ضحكت بخفة.

«مالح قليلًا. تمامًا كما يحبه ناش.»

رقّت ابتسامتها.

«ذلك الفتى... لماذا يحب الطعام المالح إلى هذا الحد؟»

انفتح الباب.

«أوه، ناش، لقد عدت. أنا—»

«لست جائعًا.»

توقفت ناتاشا.

انسدل شعرها الأسود الطويل فوق كتفها وهي تستدير. كانت تحمل عيني ناش الداكنتين، لكن عينيها كانتا ألطف وأدفأ، وفيهما مسحة من حنان مرهق لم يكن يلاحظه حين يغضب.

خمد الحماس في وجهها.

«ناش...»

مسحت ناتاشا يديها الرطبتين بمنشفة. «ما الأمر؟»

أدار ناش وجهه بعيدًا.

وللحظة، ومض الشعور بالذنب في صدره.

لقد أعدّت الطعام من أجله.

وربما جعلت الحساء مالحًا خصيصًا من أجله.

وهذا أغضبه أكثر.

لأن ذلك جعل من الصعب عليه أن يكرهها.

قال: «لماذا لا تسمحين لي، ولو لمرة واحدة، بمغادرة هذه القرية؟»

اشتدت قبضة ناتاشا حول المنشفة.

«لن نفتح هذا الموضوع مجددًا.»

«ولماذا لا؟» استدار ناش نحوها بعنف. «الجميع يستطيع المغادرة. ليف يستطيع الذهاب. أرفيد يستطيع الذهاب. حتى المعلم يستطيع الذهاب. أما أنا؟ يُطلب مني دائمًا البقاء هنا، كأنني سجين.»

«أنت لست سجينًا.»

«إذًا ماذا أكون؟»

«أنت ابني!» أمسكت ناتاشا بكتفيه، وعيناها ترتجفان بخوف أم. «كل ما أفعله هو إبقاؤك آمنًا، كما وعدت والدك.»

لمس ناش الشعر الذي يغطي عينه اليسرى.

«أهذا بسبب هذه العين؟»

انزلقت يدا ناتاشا ببطء عن كتفيه.

وللحظة، بدت كأنها تريد أن تكذب.

ثم هبط كتفاها.

«نعم.»

انحبس نفس ناش.

«إذًا أخبريني ممن تحمينني.» اقترب خطوة. «أخبريني ماذا يريدون. أخبريني بأي شيء.»

تنهدت ناتاشا.

«اسمعني يا ناش. ما زلت طفلًا. عش حياتك كطفل، ودع أمك تقلق بشأن كل شيء آخر.»

ها هو الجواب نفسه.

من جديد.

التوت ملامح ناش.

«طفل. صغير. ضعيف جدًا. يافع جدًا. غبي جدًا. هذا هو جوابك دائمًا.»

«ناش—»

صفّر البخار من الغلاية فوق الموقد.

وبدا المنزل فجأة أضيق مما ينبغي.

الجدران. القرية المغلقة. الغابة. يدا أمه فوق كتفيه.

أطبق كل ذلك حوله.

أطلق ناش ضحكة مريرة بالقوة.

«بدأت أظن أنك أنت القفص يا أمي، لا هذه القرية.»

دوّت الصفعة في الغرفة.

تجمّد ناش.

واحترق خده.

حدقت ناتاشا في يدها كما لو أنها تخص شخصًا آخر.

همست: «كيف تجرؤ؟» ثم انكسر صوتها. «كيف تجرؤ على قول ذلك لأمك؟»

غشت الدموع عيني ناش.

ولثانية واحدة، كاد يعتذر.

لكنه استدار وركض بدلًا من ذلك.

«ناش!»

دفع الباب بقوة وانطلق عابرًا الطريق.

نهض هيرشل من مكانه. «ناش؟ ماذا حدث؟»

صاح ناش من دون أن يتوقف: «كل ما أردته هو مغادرة هذه القرية المملة!»

«كل ما أردته هو رؤية العالم الخارجي!»

تصدّع صوته.

«من تكون هي حتى تحتجزني هنا رغمًا عني؟»

وركض نحو الغابة.

وخلفه، واصلت القرية تنفسها وكأن شيئًا لم يتغير.

توقفت العربة فجأة حتى صهلت الخيول فزعًا.

شهق السائق: «ما الذي—؟»

كان رجل يقف وسط الطريق.

شعر محمر مربوط في ذيل حصان أنيق. درع أسود. جناحان أسودان يرتفعان من ظهره.

للحظة، عجز حتى المعلم عن الكلام.

ثم انسحب اللون من وجهه.

نزل من العربة وجثا على ركبة واحدة.

قال المعلم: «نائب قائد نقابة الشهاب المتّقد، أثيلسون ويردراك. إنه لشرف لي.»

داخل العربة، ألصق ليف وجهه بالنافذة.

همس أرفيد: «ليف، توقف. قال لنا المعلم ألا ننظر.»

«اصمت. أريد أن أعرف لماذا توقفنا.»

نادى السائق بعصبية: «سيدي؟ إلى أين أنت ذاهب؟»

لم ينظر أثيلسون إليه.

استقرت عيناه الحمراوان، اللتان تشقهما حدقتان صفراوان عموديتان، على المعلم الجاثي.

«هل أحضرته؟»

خفض المعلم رأسه أكثر.

«لا. رفض المجيء.»

أخرج ورقة مطوية من معطفه وقدمها بكلتا يديه.

فتحها أثيلسون.

كانت رسمًا لامرأة.

وصبي.

قال المعلم: «هذا هو. وهذه أمه.»

تفحص أثيلسون وجه الصبي.

وللحظة، ترققت ابتسامته.

ثم عادت سهلة ولا مبالية، وكأنه لم يشعر بشيء قط.

«جيد.»

رمى كيسًا من النقود فوق الطريق.

انتفض المعلم عند صوت ارتطامه.

مرّ أثيلسون بجانبه، ثم توقف.

قال: «بالمناسبة، هل ستحتاجون إلى العربة؟»

رفع المعلم رأسه ببطء.

توهجت عينا أثيلسون بضوء أحمر حاد.

«أم أحرقها مع البقية؟»

هبط أثيلسون في وسط القرية.

توقف الأطفال عن اللعب. وخفض التجار سلالهم. وترك الرجال أدواتهم. وتجمدت النساء قرب حبال الغسيل، والأقمشة المبللة متدلية من أيديهن.

انطبق جناحاه الأسودان خلف ظهره.

ضغط حضوره فوق القرية كسحابة عاصفة.

همس أحدهم: «من هذا؟»

«هذان الجناحان...»

رفع أثيلسون الرسم.

قال: «أبحث عن هذين الشخصين. ناتاشا. وناش.»

ضرب الاسمان هيرشل كحد نصل.

فتقدم قبل أن يمهله عقله فرصة للتراجع.

قال هيرشل وهو يقبض على عصاه: «لا يوجد أحد بهذين الاسمين هنا. وحتى لو وُجدا...»

تقدم خطوة أخرى.

«فلن نسلّمهما لوحش!»

للمرة الأولى، اختفت ابتسامة أثيلسون.

تردد صوت آخر في ذاكرته.

أثيلسون، حتى لو كان كاي هنا، فلن نسلّمه لك أبدًا. لذا افعل ما عليك فعله.

ضاقت عيناه.

«هه.» أمال أثيلسون رأسه. «قل لي أيها العجوز... ماذا تعرف عن الوحوش؟»

انتشر الخوف بين الحشد.

ضحك رجل بتوتر. «ناش وناتاشا؟ إن كان هذا ما تريده، فأستطيع—»

زمجر هيرشل: «اخرس!»

هوى الصمت فوق المكان.

انخفضت عينا أثيلسون لجزء من نفس.

كلمات قديمة. وجوه قديمة. قرية أخرى. وأمر آخر لم يجرؤ على عصيانه.

تمتم: «اللعنة.»

ثم عادت السخرية إلى فمه كقناع.

«أحسنت القول يا هيرشل العجوز.»

خرج فيليوس من بين الحشد، ممسكًا بسيف في يده اليمنى، بينما تكوّنت كرة من الماء في يده اليسرى، ترتجف في الهواء.

قال فيليوس: «النساء والأطفال والمسنون، اهربوا.» كان صوته يرتجف، لكنه أجبره على الثبات. «سأتولى أمره.»

همس أحدهم: «فيليوس.»

«إنه الساحر فيليوس.»

«لقد نجونا...»

نظر إليه أثيلسون.

ثم ضحك بهدوء.

انتشر جناحاه الأسودان.

ارتفع جسده إلى السماء، يتمدد ويلتوي ويتضخم. تحوّل الدرع إلى حراشف. وتحولت اليدان إلى مخالب. وابتلع ظله ساحة القرية.

هبط فوقهم تنين أسود هائل.

شحب وجه فيليوس.

همس هيرشل: «يا إلهي... ما هذا؟»

صاح فيليوس: «تدفّق الماء!»

دفع يده إلى الأمام.

ضرب اندفاع من الماء صدر التنين.

لكنه تناثر كالمطر فوق صخرة.

نظر أثيلسون إلى الأسفل.

«هل من شخص آخر؟»

سقط فيليوس على ركبتيه.

كان ناش جالسًا على الغصن فوق البحيرة، قابضًا في يده على حصاة.

همس: «إن كانت هذه العين هي ما يمنعني من رؤية العالم الخارجي، فسوف...»

توقف.

لسبب ما، خيّم الصمت فوق الغابة.

لا طيور.

لا حشرات.

ولا حتى الريح.

أدار ناش رأسه نحو القرية.

عاليًا فوقها، كان أثيلسون يمسح المنازل بعيني تنينه، قارئًا حرارة كل جسد حي.

ثم تحركت أذناه.

صوت صبي.

خافت، لكنه قريب بما يكفي.

ضاقت عيناه.

عاد الأمر إلى ذهنه واضحًا.

دمّر كل شيء. لا بد أن يبقى الصبي ذو العين القرمزية وحده حيًا.

تمتم أثيلسون: «اللعنة.»

فتح فكيه.

وانسكب اللهب نحو فيليوس.

ظهر حاجز أبيض بينهما.

اصطدمت النيران به وانقسمت، تزأر حول حوافه.

حدّت عينا أثيلسون.

وقفت امرأة تحت الحاجز، رافعة قبضتيها.

قالت ناتاشا: «أثيلسون التنين.»

كان صوتها ثابتًا.

لكن أفكارها كانت تصرخ في داخلها.

وجوده هنا... هل يعني أن الملك كين لم يدفع لهم؟

تفحص أثيلسون وجهها.

«المرأة التي في الرسم.»

همس هيرشل: «ناتاشا... أنت...»

لم تلتفت ناتاشا إلى الخلف.

قالت: «هؤلاء الناس استقبلوا ابني واستقبلوني حين لم يكن لدينا مكان نذهب إليه. ولهذا لن أسمح لك بإيذائهم.»

استدارت بما يكفي لتري القرويين ابتسامة.

«اهربوا. سأوقفه.»

لم يتحرك أحد.

صرخت: «اذهبوا! الآن!»

التوى فم التنين.

قال للرجال في الأسفل: «ينبغي أن تخجلوا من أنفسكم. تتركون امرأة تدافع عنكم.»

قالت ناتاشا: «لا تستمعوا إلى هذه السحلية الطائرة. لا يعرف سوى افتراس الضعفاء.»

اشتعلت عينا التنين.

«ماذا قلتِ؟»

أطلق أثيلسون نفَسًا آخر.

هوى اللهب كبحر ساقط من السماء.

رسمت ناتاشا رمزًا في الهواء.

«التحكم بالمانا—الحاجز اللانهائي!»

اتسع الحاجز.

واهتزت القرية تحت قوة النيران.

ضاقت حدقتا أثيلسون.

«التحكم بالمانا؟»

أطبقت ناتاشا أسنانها. أحرقت الحرارة أكمامها، وارتجفت ذراعاها.

«إييه... لهبه شديد أكثر مما ينبغي.»

غيّرت وقفتها ورسمت رمزًا آخر.

«التحكم بالمانا—تحوير التدفق!»

التوى سيل اللهب.

وانحنى إلى الأعلى، ثم ارتطم بظهر أثيلسون.

زأر التنين.

«أيتها المرأة اللعينة!»

وأخيرًا، بدأ القرويون بالفرار.

صاح رجل: «إلى العربات!»

ركض الآباء وهم يحملون أطفالًا باكين بين أذرعهم. وتعثّر المسنون في الشارع، يسندهم شبان ظلوا يلتفتون إلى التنين خلفهم.

نظر هيرشل إلى الوراء مرة واحدة، وعيناه دامعتان، قبل أن يجبر نفسه على مواصلة الهرب.

رأتهم ناتاشا يفرّون.

جيد.

كان ذلك كافيًا.

ربما كان يجب أن يكون كافيًا.

جمع أثيلسون نفَسًا آخر.

رفعت ناتاشا يدها اليسرى، ورسمت باليمنى.

همست: «لا أعرف إن كان هذا سينجح، لكن لا خيار آخر لدي.»

ضربت النيران حاجزها من جديد.

صرخت من بين أسنان مطبقة وأكملت الرمز.

«التحكم بالمانا—سيف المانا!»

ظهر سيف أبيض صغير فوق التنين.

ثم تمدد بسرعة، يكبر أكثر فأكثر حتى خيّم فوق جسد أثيلسون الهائل.

أمسكت ناتاشا الحاجز بيد، والسيف بالأخرى.

وكادت ركبتاها تنهاران.

«الآن!»

هوى السيف.

لكن التنين اختفى.

اتسعت عينا ناتاشا.

«أين—»

سقط ظل خلفها.

بعد فوات الأوان.

غرس أثيلسون، وقد عاد إلى هيئته البشرية، مخالبه في صدرها.

انقطع نفس ناتاشا.

تشقّق السيف، وتحطم، ثم تلاشى.

وسال الدم من فمها.

اقترب أثيلسون منها.

قال: «رأيت حافة حاجز المانا الخاص بك. لذلك عرفت بالضبط أين أضرب.»

سعلت ناتاشا.

«لقد... خسرت...»

اندفعت العربات مبتعدة عن القرية، مكتظة بعائلات ترتجف خوفًا. ضم الآباء أطفالهم إليهم، وتشبث المسنون بالجوانب، ووجوههم شاحبة بينما كانت القرية تصغر خلفهم.

كان فيليوس جالسًا قرب مؤخرة إحدى العربات، فنظر فوق كتفه.

همس: «التنين... لقد اختفى التنين.»

استدار هيرشل نحوه بسرعة. «ماذا؟»

في القرية، أجبرت ناتاشا نفسها على الابتسام رغم الدم.

«الناس... هربوا.»

توقف أثيلسون.

وللحظة، مرّ في عينيه شيء يستحيل قراءته.

ثم اختفى.

قال بهدوء: «لا. لم يهربوا.»

انهارت ملامح ناتاشا.

«لا. أبقهم خارج هذا. أرجوك.»

لم يجب أثيلسون. ارتعشت أصابعه مرة عند جانبه. بدت الابتسامة على وجهه زائفة—مرسومة بالقوة، ومجبرة على اتخاذ شكلها.

ثم سحب مخالبه.

انهارت ناتاشا على ركبتيها.

وارتفع إلى السماء من دون أن ينظر خلفه.

على الطريق، صهلت الخيول.

وعبر ظل فوق العربات.

صاح فيليوس: «يجب أن نعود! ربما انتصرت ناتاشا!»

صرخ السائق: «مستحيل!»

انشقت الغيوم حين ظهر أثيلسون أمام العربات، مواجهًا إياها.

شدّ السائقون لجم الخيول وأوقفوها، وقد تجمدوا من الرعب.

تجمع ضوء أحمر في حلقه.

صرخ الأطفال في الأسفل.

تردّد فكّا التنين.

للحظة واحدة فقط.

ثم أطلق كل شيء.

ابتلع الانفجار العربات أولًا، ثم مزّق الطريق واندفع عائدًا نحو القرية.

سمع ناش الانفجار قبل أن يرى الدخان.

انزلقت الحصاة من يده.

«ما هذا بحق الجحيم...؟»

ركض.

صفعت الأغصان وجهه. وعلقت قدماه بالجذور. تعثّر، ودفع نفسه إلى النهوض، ثم واصل الركض. مع كل خطوة، كان الدخان يزداد سوادًا. ومع كل نفس، كان طعم الرماد يزداد وضوحًا.

لا.

لا، لا، لا.

اندفع خارجًا من بين الأشجار.

ثم رأى أمه.

كانت ملقاة على الأرض، غارقة في دمائها.

وتوقف جسد ناش عن الحركة.

وللحظة مستحيلة، رفض عقله أن يفهم ما رأته عيناه.

أدارت ناتاشا رأسها.

والتقت عيناهما.

ارتجفت شفتاها.

لامست ابتسامة رقيقة وجهها—لا لأنها كانت سعيدة، بل لأنه كان هناك.

لأنها استطاعت رؤيته للمرة الأخيرة.

ومضت الذكريات في ذهنها المتلاشي.

ناش والدقيق يغطي وجنتيه، وقد أفسد كعكة عيد ميلاد وضحك رغم ذلك.

ناش يحمل أول صنارة صيد له كما لو كانت كنزًا ملكيًا.

ناش يغفو قرب البحيرة بعدما أصرّ أنه غير متعب.

يد ناش الصغيرة تقبض على يدها حين كان الرعد يهز النوافذ.

يا صغيري الحبيب...

كنت خلاصي في هذا العالم.

ارتفعت يدها مرتجفة.

«سامحني يا ناش.»

«أمي!»

ركض.

أعمته الدموع، وامتدت يده نحو يدها.

لكن قبل أن يصل إليها، اندفع اللهب بينهما.

ابتلعها.

والتهم التراب، والجدران المحطمة، والطريق، وآخر هيئة للمنزل.

تراجع ناش وسقط بفعل الحرارة.

عندما خمدت النيران، لم يبقَ شيء أمامه.

سوى الرماد.

ظلت يده ممدودة نحو الأنقاض البعيدة.

فارغة.

وقف متجمدًا عند حافة الغابة، على بعد أمتار فقط من بداية الأرض المحروقة.

عاليًا فوق القرية، انتشر جناحان أسودان أمام سماء أظلمها الدخان.

فرك أثيلسون حلقه، وخرج صوته خشنًا من أثر الرماد. «وضعت قوة أكبر مما ينبغي في تلك الشعلة الأخيرة.»

استقرت عيناه الحمراوان على ناش.

رفع الصبي نظره ببطء، شفتاه جافتان، ووجهه خالٍ من أي شيء سوى الصدمة.

ظهرت على وجه أثيلسون ابتسامة باردة جوفاء.

«من حسن حظك أنك كنت خارج مداها.»

وانفتح العالم الذي تمنى ناش رؤيته أمامه—

كقبر.

ملاحظة المؤلف

شكرًا جزيلًا لكم على قراءة الفصل الأول من «فجر السحر». آمل حقًا أن يكون قد نال إعجابكم.

أنا متحمس للغاية لأنني أشارككم هذا العالم أخيرًا، لذا استعدوا—فالرحلة لم تبدأ سوى الآن.

بسبب ديق الوقت، لن أتمكن من ترجمة الفصول بسرعة لذا إن أمكن يمكنكم قراءة الفصول القادمة من فجر السحر عبر الموقع التالي بالإنجليزية:

https://www.royalroad.com/fiction/173828/dawn-of-magic-character-driven-dark-epic-fantasy

2026/06/18 · 2 مشاهدة · 3212 كلمة
نادي الروايات - 2026