الفصل الأول: اكره الشاحنات!
"اللعنة، كان يجب أن أحضر مظلة قابلة للطي معي..."
فكرت في هذا وأنا أركض بأقصى سرعة في شارع شبه مهجور. الوقت كان متأخراً جداً في الليل، والسوبر ماركت الذي قررت أن أشتري منه بعض الوجبات الخفيفة كان أبعد مما تخيلت. لم يكن هناك ما ينذر بالسوء عندما خرجت من المنزل، لكن فجأة، قررت السماء أن تفرغ حمولتها من الأمطار دفعة واحدة، وأنا لا أملك حتى سترة بقلنسوة تحميني.
كنت أركض وأنا أضم كيس المشتريات البلاستيكي إلى صدري. حذائي الرياضي يضرب برك الماء المتجمعة على الأسفلت، ويصدر أصواتاً مزعجة مع كل خطوة. عندما وصلت أخيراً إلى تقاطع طرق مألوف، وقفت ألهث أمام إشارة المرور المخصصة للمشاة. كانت حمراء، لذا انتظرت.
الشارع كان فارغاً تماماً. لا سيارات، لا بشر، فقط صوت المطر الغزير. انتظرت... وانتظرت... وانتظرت.
مسحت قطرات الماء التي تجمعت على رموشي ونظرت إلى الإشارة بشك. ماذا يحدث؟ هل هي معطلة أم ماذا؟
التفت يميناً ويساراً، وركزت سمعي لألتقط أي صوت لمحرك سيارة يقترب، لكن لم يكن هناك سوى سكون الليل وصوت قطرات المطر. وبما أنه لا توجد أي سيارة في الأفق، ولأن الوقوف تحت المطر البارد بدأ يجعل أطرافي ترتجف، قررت أن أتجاهل الإشارة الحمراء التي ترفض أن تتغير وأعبر الطريق.
خطوت خطوة واحدة فقط عن الرصيف. خطوة واحدة كانت كفيلة بتغيير كل شيء.
فجأة، وبدون أي مقدمات، شق صوت هدير محرك ضخم صمت الليل. لم يكن صوتاً عادياً، بل كان أشبه بزمجرة معدنية عنيفة. التفت بسرعة نحو مصدر الصوت، لتلسع عيناي أضواء أمامية شديدة السطوع، لدرجة أنني رفعت ذراعي لا إرادياً لأحمي وجهي.
كانت شاحنة ضخمة تتجه نحوي.
في تلك اللحظة المجمدة من الزمن، مر في عقلي خاطر ساخر: "اللعنة... تراك-كون!"
نعم، "تراك-كون"، تلك الشاحنة الشهيرة في قصص الأنمي، والتي تظهر من العدم لتدهس البطل وتنقله إلى عالم موازي. كنت أعرف هذا الأمر جيداً، كان الموقف واضحاً كالشمس.
لكن، مهلاً! حياتي ليست سيئة! أنا لا أتعرض للتنمر، ولا أعيش حياة بائسة، وليس لدي أي رغبة في إنقاذ أميرات أو محاربة وحوش. لذا، لا شكراً، لا أريد الانتقال لأي عالم آخر!
رغم سخافة الفكرة التي راودتني، إلا أن غريزة البقاء لدي كانت تعمل بشكل ممتاز. قفزت بكل ما أوتيت من قوة إلى الخلف، وتراجعت عدة أمتار حتى سقطت على الرصيف المبلل. كشطت راحة يدي، لكنني لم أهتم. جلست هناك، أراقب الشارع، بانتظار أن تمر الشاحنة المجنونة وتكمل طريقها.
لكنها لم تمر.
بدلاً من أن تبتعد، سمعت صوت صرير إطارات عنيف يحتك بالأسفلت. الشاحنة دارت حول نفسها بطريقة غير منطقية بالنسبة لحجمها وتوقفت. ثم، وبصوت محرك يصرخ وكأنه يجمع طاقته القصوى، ظهرت الشاحنة مجدداً لتغطي مجال رؤيتي بالكامل، وانطلقت بسرعة مرعبة... باتجاهي أنا!
اللعنة، هذا السائق يريد قتلي حقاً!
نهضت فوراً متجاهلاً الألم. لم أتردد لحظة واحدة، قفزت للجانب الآخر وتدحرجت على الأرض لتفادي الاصطدام المباشر. سمعت الرياح القوية التي خلفتها الشاحنة وهي تمر بجانبي بمسافة قريبة جداً.
بدون أن أنظر للخلف، بدأت أركض كالمجنون في الاتجاه المعاكس، بينما أسمع صوت المحرك يعلو مجدداً خلفي.
مهلاً، هل يلاحقني؟ هل التفت وعاد لدهسي؟ أوي، هذا لم يعد مضحكاً على الإطلاق!
بعد ثوانٍ من الركض تحت المطر بملابس مبللة بالكامل، بدأت أشعر بتعب وببرد شديد. حركتي أصبحت أثقل، وسرعتي بدأت تقل بشكل ملحوظ. نظرت حولي بيأس، ولمحت زقاقاً ضيقاً بين مبنيين. كان ضيقاً جداً لدرجة يستحيل على أي سيارة دخوله.
اندفعت نحو الزقاق وارتميت داخله فوراً، مستنداً على الجدار البارد وأنا ألهث بشدة. التفت لأرى الشارع الرئيسي. مرت الشاحنة بسرعة خيالية متجاوزة الزقاق. هل هذه شاحنة حقاً؟ أليست سيارة سباق متنكرة؟ سرعتها والتفافاتها تتجاوز قوانين الفيزياء!
تنهدت بعمق، ومسحت الماء عن وجهي. حاولت تنظيم أنفاسي، ثم وقفت وبدأت أسير بحذر داخل الزقاق. قررت أن أسلك طريقاً بديلاً عبر الممرات الضيقة بين المنازل متجنباً الشوارع الرئيسية.
بعد مدة من المشي الحذر، وصلت أخيراً إلى الشارع الذي يقع فيه منزلي. توقفت عند زاوية الجدار، ونظرت حولي بحذر شديد. لا يوجد شيء. الشارع هادئ، ولا توجد أي علامة على الشاحنة. تنهدت بارتياح كبير، يبدو أنني نجوت.
ابتسمت بسخرية من الموقف، وبدأت أركض بسرعة نحو منزلي، وكأنني أخشى أن تظهر الشاحنة من العدم إذا مشيت ببطء.
ولكن... بمجرد أن خطوت الخطوة الأولى، سمعت ذلك الهدير المرعب مجدداً.
مباشرة، وبدون حتى أن أضيع جزءاً من الثانية في الالتفاف، ركلت الأرض بكل قوتي وانطلقت كالرصاصة باتجاه المنزل. عندما وصلت أمام الباب الأمامي ومددت يدي للمقبض، تجمد الدم في عروقي. تذكرت أنني أغلقت الباب الأمامي بالمفتاح من الداخل قبل خروجي!
غيرت مساري فوراً وركضت نحو الممر الجانبي الضيق الذي يؤدي إلى خلف المنزل؛ لأن الباب الخلفي للمطبخ كان مفتوحاً. قفزت من فوق السياج القصير بخفة، وهبطت في الفناء الخلفي. وصلت إلى الباب، سحبته بسرعة، دخلت، وأغلقته خلفي بقوة محكماً إقفاله.
انزلقت بظهري على الباب حتى جلست على الأرض. قواي خارت تماماً. كنت أركع على الأرض الباردة، أتنفس بصعوبة بالغة وكأنني انتهيت من ماراثون للتو.
ابتسمت بتعب وقلت لنفسي: "هل أنا الوحيد الذي استطاع هزيمة تراك-كون؟ هل يعتبر هذا إنجازاً؟"
بعد دقائق من التقاط أنفاسي، قررت أنه يجب علي التأكد أولاً مما إذا كان قائد هذه الشاحنة يستهدفني حقاً، وما إذا كان يملك الجرأة لكسر الباب واقتحام المنزل.
نهضت ببطء، وتوجهت نحو الصالة. اقتربت من النافذة المطلة على الشارع الأمامي، رفعت الستارة قليلاً ونظرت للخارج.
الشارع كان ساكناً. لم ألاحظ أي نشاط غريب، وحتى الشاحنة لم أستطع رؤية أي أثر لها. وكأن كل ما حدث كان مجرد وهم.
أرخيت الستارة وتنهدت. هل أذهب لتغيير ملابسي والنوم الآن؟ لقد فقدت شهيتي تماماً، وفكرة تحضير الطعام بعد كل هذا الرعب تبدو مستحيلة.
التفت وبدأت أسير على الدرج صعوداً إلى غرفتي في الطابق الثاني. كنت أصعد ببطء... ولكن، بمجرد أن وضعت قدمي على العتبة الأخيرة ووصلت إلى الطابق الثاني، تجمدت في مكاني.
جسمي توقف عن الانصياع لي تماماً.
انقطعت كل وسائل الاتصال بين عقلي وعضلاتي. وفي اللحظة التالية، بدأ جسدي يتحرك من تلقاء نفسه! تراجعت قدمي للخلف، وبدأت أمشي للوراء، وأنا أهبط الدرج الذي صعدته للتو بطريقة انسيابية مرعبة، وكأنني أؤدي رقصة مايكل جاكسون!
"ماذا يحدث؟" صرخت في عقلي.
نزل جسدي من الدرج بالكامل، بينما كنت أحاول بكل قوتي أن أمنعه وأتحرك بحرية. حاولت التمسك بأي شيء، لكن ذراعي بقيت ملتصقة بجانبي. حاولت حتى أن أغمض عيني لألا أرى هذا الكابوس، لكن حتى عيناي رفضتا الانصياع لي، وبقيتا مفتوحتين.
بدأ مجال رؤيتي يتشوش ويغطيه ضباب رمادي. كنت أسير ببطء، بخطوات آلية، متجهاً نحو باب منزلي. الباب الأمامي؟ اللعنة، هذا سيء جداً!
ماذا يحدث هنا؟ لماذا لا أستطيع فعل أي شيء؟ هل هذا كابوس؟ لا، أنا متأكد أنه كابوس غبي. هل نمت بينما أشاهد أنمي عن عوالم موازية مجدداً؟
ركزت كل طاقتي لمحاولة تحريك أي عضلة في جسدي، ولكن فشلت فشلاً ذريعاً.
أوه لحظة... تمكنت من رفع حاجبي!
مهلاً! هذا ليس مفيداً على الإطلاق! ماذا سأفعل بحاجب مرفوع الآن؟
بسرعة، يجب أن أتوقف... اللعنة!
بمجرد أن فتح جسدي الباب وتجاوزت العتبة لأقف في منتصف الشارع، سمعت ذلك الصوت للمرة الثالثة هذه الليلة.
شعرت بخوف حقيقي، رعب نقي جمد الدماء في عروقي لدرجة أنني كدت أبلل نفسي لولا أن جسدي متصلب.
وبعيون باهتة مغطاة بالضباب، بجسم يرتجف داخلياً من البرد، وبتعبير وجه ميت تماماً يتخلله حاجب مرفوع، وقفت في منتصف الطريق أنظر للأمام مباشرة.
أمام عيوني، كنت أرى أضواء الشاحنة من بعيد تقترب بسرعة كبيرة. ما هذه السرعة الجنونية؟ هل "تراك-كون" يمتلك قدرة "ذا فلاش"؟ إنه أسرع من قطارات المترو!
حاولت التحرك، القفز، الصراخ، البكاء... لم أستطع فعل أي شيء. كل ما استطعت فعله هو النظر للشاحنة وهي تكبر في مجال رؤيتي ثانية بعد ثانية.
حاولت بشدة إغماض عيناي ولكني لم أستطع، واستطعت رؤية موتي بوضوح تام.
ثم حدث الاصطدام.
هذا يؤلم. جسدي يُسحق. الهواء غادر رئتي دفعة واحدة. عظامي تتفتت تحت ثقل مرعب. جمجمتي تحطمت، وألم النزيف الداخلي الحاد يمزق أحشائي.
كل هذا كان فقط بسبب الصدمة الأولى من مقدمة الشاحنة. ولكن، بعد ثوانٍ بدت كالجحيم، تم إنهاء ألمي نهائياً من قبل الشاحنة التي استمرت في طريقها وسحقت بقية جسدي ودماغي.
وهكذا مت.
مت في ألم فظيع، وبطريقة عبثية ومستفزة. لم يخبرني أحد من قبل أن شاحنات النقل تمتلك قدرات خارقة للطبيعة وتستطيع التحكم بأجساد ضحاياها! هل وقعت تحت وهم بصري كعين الشارينغان أم ماذا؟!
اللعنة على حياتي! إذا لم أحصل على فرصة للانتقال إلى عالم آخر مثل أبطال الأنمي الحمقى، فأين سأذهب الآن؟ أنا سوف... أنا سـ...
مهلاً، ماذا سأفعل بعد أن أموت فعلياً؟ هل سأذهب للجحيم؟ اللعنة... هذا مرعب حقاً! جسدي الذي تحول إلى أشلاء كان يرتجف، أو لعلها روحي التي ترتجف الآن من الخوف الحقيقي أمام المجهول!
آخر فكرة صدى صوتها في ما تبقى من وعيي: "تباً للشاحنات... وتباً لتراك-كون!"
---
اذا وجدت اخطاء في الفصل فاخبرني بها من فضلك.
واذا كان لدي افكار حول روايتي فساكون سعيدا بان تخبرني بها.