في غرفة مظلمة تفوح منها رائحة الرطوبة، كان الصمت أثقل من أن يُطاق.
جلس شاب في التاسعة عشرة من عمره، يُدعى "ليو"، على الأرضية الخشبية الباردة. كان يضم ركبتيه إلى صدره، وأصابعه المرتجفة تحفر بجنون في خشبة الأرضية. عيناه متسعتان بجمود مرعب، لا ترمشان، وكأنه ينظر إلى كيان خفي يقف في منتصف الغرفة. لم تكن هناك دموع في عينيه؛ فقد جفت منذ أسابيع، لكن صدره كان يعلو ويsequence بسرعة، يخرج أنفاسه بصعوبة وكأنه يحتضر.
داخل عقله، لم يكن هناك وجود للهدوء. كان هناك طنين مستمر، تشويش الحواس الذي يشبه احتكاك معدن صلب بجمجمته من الداخل.
وقف ليو ببطء، وخطواته الثقيلة تحمله نحو النافذة المفتوحة على ليل لندن البارد. كانت الرياح تعصف بالستائر البيضاء، فتتحرك كأشباح ترقص في الظلام. ارتقى حافة النافذة، ونظر إلى الشارع المظلم أسفله. لم يكن يرتجف من الخوف، بل كان وجيهه يطفح بإرهاق عميق... إرهاق أشد قسوة من الموت نفسه.
همس بصوت خافت جداً:
"إنه لا يرحل... الكيان لا يترك عقلك أبداً بعد أن تفتح له الباب."
وفي اللحظة التالية، خطى خطوته الأخيرة نحو الهواء. لم يصرخ وهو يسقط، بل هوى في الظلام كشجرة ميتة تسقط في قاع السكون.
بعد خمس سنوات ...
كان المطر يضرب زجاج نوافذ مستشفى "سانت جود" بضراوة شديدة، وكأن هناك أناملاً غير مرئية تحاول كسر الزجاج للداخل.
في الطابق التاسع، وتحديداً في "جناح العتبة"، كان الدكتور إيليس فانس يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، ممسكاً بكوب قهوة فقد دفأه منذ فترة طويلة. كان انعكاس وجهه على الزجاج المبلل يبدو شاحباً، حاد الملامح، وتستقر في عينيه حيرة باردة وإرهاق لا ينتهي.
لندن في هذه الليلة كانت عبارة عن ضباب أسود ومياه تدفق في الشوارع المظلمة. كره إيليس هذه الأجواء؛ فهي تذكره دائماً بالندوب التي يحاول علاجها كل يوم... الندوب التي لا تنزف دماً، بل تمزق الروح.
في أروقة هذا الجناح، لا يوجد مرضى عادية. هنا يرقد أولئك الذين حاولوا المقامرة بحياتهم، أولئك الذين دفعهم الهوس الشديد بـ "الأسترا" ليعرضوا أنفسهم للغرق، والاختناق، والحوادث المرعبة في أنفاق المدينة المهجورة، على أمل أن تستيقظ في أجسادهم تلك القوة الخارقة. لكنهم فشلوا. عادوا بأجساد سليمة وعقول مهشمة؛ يطلق عليهم الشارع مسمى "المستجيبين الفاشلين"، بينما تسجلهم الأوراق الطبية تحت اسم " العثرات " .
بالنسبة لإيليس، الأسترا لم تكن تطوراً بشرياً عظيماً كما تروج الصحف، بل كانت طاعوناً نفسياً يلتهم عقول البشرية. كان انتحار أخيه الصغير "ليو" قبل خمس سنوات هو السبب الذي جعل إيليس ينذر حياته لمحاربة هذا الهوس وعلاج ضحاياه.
انكسر هدوء أفكاره فجأة بصوت اندفاع الباب خلفه. دخلت زميلته د. إيفلين هاربر، أنفاسها متسارعة وقطرات المطر تتساقط من أطراف شعرها المبتل على معطفها الطبي الأبيض.
"إيليس!" قاطعت الصمت بصوت يملؤه الخوف: "إنه ديلان... لقد تسلل من قسم العناية وكسر قفل السطح! إنه يقف الآن على الحافة الخارجية في قلب هذه العاصفة!"
وضع إيليس الكوب الزجاجي على المكتب بهدوء ظاهري، لكن قلبه بدأ يدق بضربات متسارعة. ديلان كول، الفتى البالغ من العمر تسعة عشر عاماً، كان أحد أكثر الحالات تعقيداً في الجناح. حاول تفعيل الأسترا قبل شهرين عبر كتم أنفاسه تحت الماء حتى فقدان الوعي، ومنذ ذلك الحين وهو يعيش في هوس أن قوته لم تستيقظ لأنه "لم يقترب من الموت بالقدر الكافي".
"هل أبلغت أمن المستشفى؟" سأل إيليس وهو يرتدي معطفه الثقيل بسرعة.
ردت إيفلين بنبرة متوترة: "إنهم في الطريق، لكن إن رأى أضواءهم أو حركتهم السريعة سيظن أنهم يحاولون منعه... وسيقفز يا إيليس! إنه يعتقد أن السقوط من هذا الارتفاع هو سبيله الوحيد للتفعيل!"
لم ينتظر إيليس كلمة أخرى. خرج من الغرفة بخطوات سريعة نحو سلالم الطوارئ المؤدية إلى السطح. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل درجة يرتقيها، وصوت الرياح والمطر في الأعلى يزداد وضوحاً وصخباً.
عندما دفع إيليس الباب الحديدي للسطح، صدمته الرياح الباردة والمطر الغزير الذي كان يتساقط كالإبر على وجهه.
كان السطح واسعاً ومظلماً، وفي أقصى الحافة، يقف الشاب ديلان فوق السور الخرساني المنخفض. كانت ملابسه الخفيفة مبللة بالكامل وتلتصق بجسده المرتجف، بينما تنظر عيناه المجهدتان إلى الشارع المظلم أسفل المستشفى.
"ديلان!" ناداه إيليس بصوت مرتفع ليخترق صوت العاصفة، مع الحرص على ألا يتقدم خطوة واحدة مفاجئة.
التفت ديلان ببطء. كان وجهه شاحباً كالموتى، وشعره المبتل يلتصق بجبينه. ابتسم ابتسامة مكسورة وقال بصوت يرتجف من البرد والخوف:
"دكتور إيليس... لا تحاول إقناعي بالعودة. أنت لا تفهم الأمر. لقد كنت قريباً جداً في المرة الماضية... شعرت بالحرارة في صدري، شعرت بأسترا تتحرك، لكنني استسلمت وأخرجت رأسي من الماء بجبن! هذه المرة لن أستسلم."
رفع إيليس يديه في الهواء ببطء ليريه أنه لا يحمل سلاحاً ولا ينوي مهاجمته، ثم بدأ يتقدم خطوة صغيرة وحذرة:
"ديلان، اسمعني جيداً. أنت تتألم، وأنا أعلم ذلك. عقلك يوهمك أن الحل في القوة، لكن القوة لن تشفي الصدمة التي تعيشها. ما تراه في المجلات والتلفاز عن الأسترا مجرد وهم. القوة لا تمنحك الحياة يا ديلان، القوة تأخذ منك إنسانيتك."
صرح ديلان بحدة، وخطى خطوة إضافية نحو الطرف الخارجي للحافة:
"بل أنت من لا يفهم! أنت مجرد طبيب تجلس في مكتبك وتصنفنا كمرضى مجانين! أنا لست عثرة! أنا لست فاشلاً! يجب أن أعرض جسدي للخوف الحقيقي... الخوف الذي يجعلك تلمس الموت بيدك!"
"لقد رأيت هذا الخوف من قبل يا ديلان!" صرخ إيليس بنبرة خرجت من أعمق نقطة في قلبه، نبرة تحمل ألم سنوات طويلة: "رأيته في عيني أخي الأصغر ليو قبل أن يقفز بنفس الطريقة! كان يعتقد مثلك تماماً أن هناك قوة تنتظره في الأسفل... لكن لم تكن هناك قوة يا ديلان! لم يكن هناك سوى جثة هامدة وعائلة محطمة!"
توقف ديلان لحظة. ظهرت في عينيه حيرة مفاجئة، واهتزت رؤيته لثوانٍ وهو ينظر إلى إيليس.
استغل إيليس تلك اللحظة وتقدم خطوات أسرع نحو الحافة، ممدوداً يده:
"انزل معي ديلان... دعنا نعد لأسفل، ونواجه هذا الخوف معاً. أعدك أنني لن أتركك."
مد ديلان يده المرتجفة ببطء نحو يد إيليس، وكأنه اقتنع بالعودة. لكن في تلك اللحظة بالذات، ضربت السطح موجة رياح قوية وشديدة، وانزلق حذاء ديلان المبتل فوق حافة السور الملساء!
اختل توازنه فجأة، وصنع صرخة ذعر حقيقية هذه المرة وهو يسقط إلى الخلف نحو الفراغ!
اندفع إيليس بكل ما أوتي من قوة وغريزة، ورمى بجسده على حافة السور، ممدوداً ذراعه إلى أقصى حد. نجحت أصابعه في الإمساك بمعصم ديلان المبتل قبل أن يهوي!
"مسكتك!" صرخ إيليس وهو يضغط بأسنانه على شفته، ويحاول سحب الفتى إلى الأعلى.
لكن الأرضية تحت إيليس كانت مبللة جداً بفعل المطر، وحافة السور لم تكن تتسع لثبات جسده. وزنهما معاً، مع المطر المنسكب وقوة السحب الناتجة عن السقوط، جعلت إيليس يفقد توازنه بالكامل.
انزلق جسد إيليس فوق الحافة السليقة... وفي ثانية واحدة، انقلب العالم رأساً على عقب.
سقط كلاهما معاً من الارتفاع الشاهق للطابق التاسع!
كانت اللحظات التالية تعبر في ذهن إيليس بسرعة مرعبة وبطيئة في آن واحد.
سمع صوت الرياح وهي تصفير في أذنيه، ورأى أضواء مستشفى سانت جود ولندن ترتفع إلى الأعلى بسرعة خيالية. اختفى الخوف فجأة من عقله، واستبدل بشعور غريب بالهدوء والبرودة المطلقة. رأى شريط حياته يمر أمام عينيه: وجه أخي ليو، ابتسامته القديمة، غرفة جناح العتبة، والمطر الذي لا يتوقف.
ثم... حدث الاصطدام.
صوت تهشم حاد، يليه مظلم سحيق.
ارتطم جسد ديلان بالأرض وفارق الحياة في نفس اللحظة. أما إيليس، فقد ارتطم بدراجة معدنية كبيرة وحاوية قمامة ضخمة امتصت جزءاً من صدمة السقوط قبل أن يرتطم بالبلاط.
في تلك اللحظة، توقف قلب الدكتور إيليس فانس عن النبض تماماً.
دخل في حالة موت سريري كاملة.
طفا عقله في فراغ أسود خالٍ من الزمان والمكان. لم يكن هناك ألم، ولا صوت للمطر، ولا أثر للجسد. كان يطوف في ظلام مطلق، حتى سمع صوتاً غريباً... صوت همس خافت وغير بشري، ينبعث من مكان قريب جداً وأليم، وكأنه يتحدث داخل أذنه اليسرى مباشرة:
"أهلاً بك في الجانب الآخر يا إيليس... لقد صنعت الانكسار المطلوب. اترك النسيج يكتمل الآن."
بعد 40 ثانية من الموت السريري ...
"لدينا نبض! القلب يستجيب! استخدم الجهاز مجدداً... فوراً!"
شهق إيليس شهقة حادة ومفاجئة، وكأن أحدهم يسحب الهواء إلى رئتيه بالقوة!
فتح عينيه بسرعة، ليجد أضواء غرفة العناية المركزة البيضاء الساطعة تصدم بصره. كان مسطحاً على سرير متحرك، حوله فريق من الأطباء والممرضين يصرخون بتعليمات متسارعة، وأنابيب الأوكسجين مغروسة في أنفه.
كانت د. إيفلين هاربر تقف فوقه مباشرة، وتبكي بانهيار بينما تمسك بيده:
"إيليس! هل تسمعني؟! إيليس! أنت حي... لقد عاد قلبك للعمل بعد توقف كامل! يا إلهي، إنه يدعو لمعجزة!"
حاول إيليس الكلام، لكن حنجرته كانت جافة تماماً. تحركت عيناه ببطء ليركز على وجه إيفلين... وفي تلك اللحظة، حدث الشئ المرعب.
تغيرت رؤيته فجأة. اختفت الألوان العادية من حوله لتتحول إلى درجات من الرمادي والأبيض، وظهر فوق رأس إيفلين مباشرة عدّاد رمادي طاقي يتكون من أرقام مضيئة تتناقص ببطء!
ومع كل ثانية تتناقص في العدّاد، كان إيليس يستمع داخل جمجمته إلى صدى رنين معدني ناعم وشديد الدقة... كصوت ساعة رملية تنشطر من الداخل!
نظر إيليس بذهول ورعب إلى الأرقام المضيئة فوق رأس صديقته، ثم نظر إلى الممرض المجاور لها ليرى عداداً آخر يلمض فوق رأسه أيضاً بأرقام مختلفة!
استوعب إيليس الحقيقة المظلمة في ثانية واحدة، واهتز صدره بنوبة هلع مكتومة.
هو لم ينجُ من السقوط فقط...
بل أثناء تلك الـ 40 ثانية التي توقف فيها قلبه عن النبض، استيقظت في عروقه قوة الأسترا التي طالما كرهها وحاربها؛ استيقظ على قدرة " الانشقاق المفهومي " ... وأصبح يرى الساعات والدقائق المتبقية في حياة كل إنسان يقف أمامه.