مرّ الوقت بسرعة، وصادف أن تلك الليلة كانت ليلة ميلاده. بينما كان عائدًا من محل السيدة العجوز، كان يمشي في الظلام تحت أضواء الطريق. كان الجو باردًا لدرجة أن أنفاسه أصبحت بيضاء بسبب انخفاض الحرارة. وبينما كان يمر بجوار زقاق مظلم، سمع صوتًا خشنًا كزمجرة كلب، لكنه كان أكثر خشونة، بدا كصوت كائن غريب. لكنه تجاهله ظنًا منه أنها الرياح أو ربما القطط أسقطت شيئًا ما. لكن الصوت أصبح أكثر وضوحًا واقترابًا كلما تقدم بخطوة إلى الأمام، فبدأ يخفف من سرعة خطواته تدريجيًا حتى توقف.ومن الغريب أن الصوت الغريب توقف أيضًا.صار وجهه شاحبًا وامتلأ بالعرق البارد، فخطا خطوة أخرى ببطء وحذر، وفي اللحظة التي قام فيها بتلك الخطوة، سمع الصوت مرة أخرى، لكن المشكلة أن هذه المرة كان الصوت قادمًا من خلفه. تجمّد هاكاي في مكانه، إذ لم يستطع القيام بأي حركة من شدة الرعب. بقي على حاله لخمس دقائق دون أن يتحرك، وخلال تلك الأثناء اكتشف شيئًا غريبًا آخر؛ وهو أن المكان حوله كان هادئًا بشكل مخيف. مع أن هاكاي شخص يحب الهدوء، إلا أن هذا الهدوء كان غريبًا لدرجة جعلته يرتعب.مرّت دقيقة أخرى، فارتخت عضلاته قليلًا، فقرر أن يستجمع شجاعته وينظر إلى الخلف. أخذ نفسًا عميقًا وهو يضع يده على صدره، وبدأ يستدير ببطء.وعندما نظر إلى الخلف، لم يجد أي شيء، فشعر ببعض الراحة، وظن أنه ربما كان يهلوس. فقرر الإسراع في وتيرته والذهاب إلى المنزل، لكن في تلك اللحظة، وعندما أعاد نظره إلى الأمام، اكتشف بعض الدماء على الأرض، بينما كانت أنفاس ساخنة تعبث بشعره من الأعلى.فلمح ظلًا بجانب ظله، كان ظلًا عملاقًا ومشوّهًا قليلًا، يبلغ طوله مترًا ونصف تقريبًا.خارت قوى قدميه وسقط على الأرض من شدة الخوف، فرأى كائنًا غريبًا يشبه كلبًا أطول منه بقليل، يحدق فيه بينما أنيابه بارزة من فمه، ولعابه الممزوج بالدم يقطر على قدميه.حاول الصراخ، لكن دون جدوى، إذ أبى صوته الخروج بسبب هلعه. لم يعرف ما الذي يحدث. هل هذا الكائن حقيقي؟ أم هلوسة؟ أم مجرد خيال؟لكن جميع ادعاءاته تحطمت بسبب الرائحة النفاذة التي أعادت إليه ذكرياته القديمة.توقف هاكاي فجأة عن الحركة، وانقبضت معدته. لم يكن بحاجة إلى المزيد من التفكير ليعرف ما حدث؛ فقد تسللت إلى أنفه تلك الرائحة المعدنية الحادة… إنها رائحة الدماء."إنها دماء حقيقية..." قالها في داخله وهو ينظر إلى اللعاب الأحمر الذي ينهمر على قدميه.وفي لحظة، حدث تمزق في الفضاء، لكن من ناحية هاكاي بدا الأمر وكأن العالم يتحطم. وفي تلك اللحظة اختفى هاكاي بجانب ذلك الكائن.قد يبدو الأمر غريبًا، وجود كائنات كهذه في هذا العالم، لكنه شيء طبيعي، إذ إن هاكاي كان يعيش في مكان منبوذ لا تصله أي أخبار خارج الحي الذي يقطنه. حتى التلفاز باعه ليدفع بثمنه فاتورة الكهرباء.
ذلك لأن هذا العالم يعج بهذه الوحوش… وهاكاي قابل أضعفها فقط.