بعد أن كان كل شيء مظلمًا للحظات، بدأت الصورة تتضح أمام هاكاي، ليجد نفسه في غابة كثيفة، أشجارها أطول من الأشجار العادية بعشر مرات على الأقل. وعندما حاول الاتكاء على يديه، سقط على جانبه الأيسر، إذ لم يعد يشعر بيده اليسرى وهي تدعمه. وبمجرد سقوطه، وجد نفسه في بركة من الدماء، بينما كان جسده متصلبًا بعض الشيء. حاول رفع يديه، فحينها اكتشف اختفاء يده اليسرى. وعندما استوعب ذلك، هاجمته موجة ألم شديدة، إذ إن دماغه لم يكن قد أدرك فقدانها بعد، وهذا ما تسبب في تأخر ردّة فعله. بدأ هاكاي يتلوى من الألم، يتدحرج على الأرض وهو يصرخ، مغرزًا أظافر يده اليمنى في التراب حتى تحطمت جميعها، لتتحول يده إلى كتلة دامية، لكنه لم يعد قادرًا على الاهتمام بذلك. فالألم القادم من ذراعه اليسرى كان أشد بكثير من أي شيء آخر. استمر في الصراخ قرابة عشرين دقيقة، حتى بدأت أنفاسه تتقطع، وبدأ وجهه يبهت شحوبًا بسبب فقدانه كمية كبيرة من الدماء. زحف بصعوبة نحو شجرة قريبة، وأسند ظهره إليها، ثم مزق قميصه وحاول ربط ذراعه اليسرى لإيقاف النزيف. وبينما كان يحاول التقاط أنفاسه، بدأ ينظر حوله بحثًا عن ذلك الوحش، لكنه لم يجده، فشعر ببعض الراحة. لم يكن يريد أن يفقد بقية أطرافه؛ ففقدانه لذراع واحدة كان ألمًا يفوق الجحيم بالنسبة له. ثم نظر إلى بركة الدماء، ليلاحظ أن لونها بدأ يتحول إلى الأسود الداكن، وكأنها تتعفن بسرعة غير طبيعية. فأدرك حينها أن كل ما حدث لم يكن وهماً، خاصة بعد الألم الذي شعر به. رفع رأسه نحو السماء، لكن الأشجار الكثيفة حجبت الضوء تمامًا، ولم يكن يصل سوى القليل جدًا منه. بدأ يحدّث نفسه: "كم من الوقت مر؟ وما هذا المكان؟" ثم أضاف في داخله: "يبدو أن لعاب ذلك الوحش… لا، ليس وحشًا… لا أستطيع حتى وصفه… لكنه بالتأكيد سام، ولهذا تعفنت الدماء بسرعة." تنهد بخفة وهو يخفض رأسه، مدركًا أنه ربما تم تسميمه هو الآخر. وفجأة، شعر بأن الشجرة التي يستند إليها بدأت تتحرك. تعثر فورًا، وعندما رفع نظره، اتسعت عيناه. لم تكن شجرة… بل وحش ضخم على شكل ثعبان، حجمه لا يمكن تمييزه بالكامل داخل الغابة، إذ يندمج جسده مع الأشجار. كان الشيء الوحيد الذي استطاع تقدير حجمه هو رأسه، الذي كان بحجم عمارة مكوّنة من خمسة طوابق تقريبًا. وقبل أن يستوعب ما يحدث، ابتلعه الوحش. لكن الغريب أنه لم يُسحق داخل فمه، بل بقي محتجزًا داخله، وكأن الوحش لم يبتلعه ليقتله، بل لينقله إلى مكان ما. قد يبدو غريبًا أن هاكاي لم يفقد وعيه من شدة الرعب، لكن الحقيقة أنه كان قد تجاوز تلك المرحلة بالفعل. فهو يعرف جيدًا أنه… لم يعد لديه أي فرصة للنجاة.

2026/05/13 · 1 مشاهدة · 410 كلمة
Genzo
نادي الروايات - 2026