بما أن القصر يعود لإليزابيث، فقد توقعت أن يكون مبالغًا في فخامته، مليئًا بالذهب من كل جانب حتى يكاد يعمي الأبصار.
هذا ما ظننته على الأقل.
"واو... يبدو وكأنه خرج مباشرة من إحدى القصص الخيالية."
جدران خارجية بيضاء تعلوها أسوار سوداء ذات رؤوس حادة، وحديقة غنّاء تزدهر فيها شتى أنواع الأزهار. وما إن فتحت نافذة العربة حتى كان عبير الزهور وحده كافيًا ليهدئ أعصابي.
وفي منتصف الحديقة نافورة رائعة، تتدفق مياهها من تمثال يصور تنينًا يلهو مع روحٍ صغيرة.
وخلفها ظهر قصر شُيّد من حجارة كريمية اللون، بينما انعكس ضوء الشمس على نوافذه الزجاجية الملوّنة التي رسمت هيئة فتاة سماوية، فتألقت ببريق آسر.
"أحقًا تعيشين هنا؟"
"أليس ذلك بديهيًا؟"
"...يبدو أن مفهوم الأثرياء للحياة الطبيعية يختلف تمامًا عن مفهومنا."
حين تذكرت شقتي الصغيرة ذات الغرفة الواحدة، كدت أبكي.
أما أنا، فكنت أعتبر وجود حمامٍ منفصل عن المرحاض رفاهية تستحق الاحتفال.
"حسنًا، لقد وصلنا."
"مرحبًا بك في مسكني."
ما إن توقفت العربة حتى بدأ الباب الحديدي الأسود الضخم يُفتح ببطء مصدرًا صوتًا ثقيلًا.
وخلفه مباشرة، كانت صفوف من الخادمات مصطفة بانتظام.
"مرحبًا بعودتكِ!!!"
تعالت أصواتهن في آنٍ واحد، موجّهة إلى العربة.
وبنظرة سريعة، بدا أن عددهن لا يقل عن ثلاثين خادمة.
وعلى الجانبين، وقف الخدم وكبار الخدم في صفوف متناسقة.
تقدمت العربة بينهما حتى وصلت إلى مدخل القصر، ثم دارت حول النافورة وتوقفت أمام الباب الرئيسي.
"مرحبًا بعودتكِ، سيدتي."
"نعم، لقد عدت."
وما إن نزلت إليزابيث من العربة حتى تقدم رجل مسن ذو هيبة، بدا أنه كبير الخدم.
"سيدتي، الأحذية التي اشتريتها سابقًا قد وصلت."
"سأتفقدها لاحقًا."
"ضعها في المخزن مؤقتًا."
"كما تأمرين."
"هل أصبح الطعام جاهزًا؟"
"نعم، سيدتي."
وبعد أن تجاوزته إليزابيث، التفت إليّ بينما كنت أنزل من العربة.
"آه، صحيح."
"هذا هو الضيف الذي أخبرتك عنه."
"أحسن استقباله."
"كما تأمرين."
انحنى كبير الخدم نحوي بكل احترام، ثم أمسك بالمقبض الذهبي وفتح البابين الكبيرين.
وفي اللحظة التي انفتحا فيها...
حبست أنفاسي.
"...هل يوجد مكان كهذا حقًا في الواقع؟"
سلالم مفروشة بسجاد أحمر تتفرع إلى الجانبين.
وفي المنتصف، منحوتة زجاجية ضخمة ترتفع نحو السقف.
وعندما رفعت رأسي، رأيت ثريا هائلة تنثر الضوء كأنه غبار من الذهب.
لوحات لراقصات بدت واقعية لدرجة أنك تكاد تسمع أنفاسهن.
ودرعًا فضيًا نُحت بأدق التفاصيل.
ومزهريات زاهية الألوان تزيد جمال الأزهار التي تحتضنها.
وحتى سيفًا بدا واضحًا أنه صُنع ليكون تحفة فنية، لا سلاحًا للقتال.
بل وحتى السجاد تحت قدمي...
أشعرني وكأنني شخص لا ينتمي إلى هذا المكان، وكأن القصر نفسه يرفض وجودي.
"ما الأمر؟"
"تتلفت حولك كثيرًا."
"هل لفت انتباهك شيء؟"
"بل كل شيء."
"كل ما أراه هنا لم يسبق لي أن رأيت مثله."
"حتى إنني لا أعرف إلى أين أنظر أولًا."
"حقًا؟"
"إذن خذ وقتك في التأمل!"
"هوهوهوهوهوهوهوهو!"
كما يُقال...
الأثرياء يعشقون التباهي.
ويبدو أن إليزابيث ليست استثناءً.
لكن عندما دققت النظر، لاحظت أن المعروضات تتبع نمطًا معينًا.
"هناك الكثير من الدروع والأسلحة."
"هل هي هواية والدك مثلًا؟"
ما إن قلت ذلك حتى شحب وجه إليزابيث.
"لا... لا تخبرني..."
"أنك طلبت مساعدتي وأنت لا تعرف حتى من أكون!؟"
من طريقة حديثها، بدا أنها شخصية مشهورة جدًا.
لكن حتى لو كانت بشهرة بيل غيتس...
فكيف لي أن أعرفها وأنا لا أعرف شيئًا عن هذا العالم؟
وقبل أن تستمر في التذمر، تدخل كبير الخدم موضحًا.
"الآنسة إليزابيث تنتمي إلى واحدة من أعرق العائلات الفروسية في هذه المملكة."
"ولا يوجد سوى عدد قليل جدًا من الأشخاص القادرين على هزيمتها في القتال."
...صُدمت فعلًا.
يا له من حظ غريب.
النبيلة التي صادف أن استنجدت بها...
اتضح أنها من نخبة أقوى المقاتلين.
"انتظري..."
"هل هذا يعني أنكِ فارسة؟"
"يمكنك قول ذلك."
"لكن بسبب عمري وجنسي..."
"لا يُنظر إليّ على أنني مناسبة للقتال في الخطوط الأمامية."
"لذلك، وبقرار من المملكة، أتولى الأعمال الخلفية."
"كالأعمال الإدارية، وتنظيم الشؤون، وتأمين الإمدادات... وما شابه."
"...رغم أنك قوية؟"
"القوة ليست المشكلة."
"حتى لو امتلكت القوة والنفوذ..."
"ففي النهاية، أنا امرأة."
"ووضع امرأة في موقع القيادة يجلب كثيرًا من التعقيدات."
بدت طريقة التفكير تلك شبيهة جدًا بالمجتمعات الإقطاعية القديمة.
ولم أفهم يومًا فكرة تفضيل الرجال على النساء.
"لا بد أن الأمر صعب عليكِ أيضًا..."
"...مهلًا."
"ألا توجد رائحة شهية جدًا؟"
أمسك كبير الخدم بالباب الكبير أمامنا.
وكانت عليه لوحة كتب عليها:
قاعة الطعام
"تفضلوا."
فتح الباب.
واندفعت أشعة الشمس إلى الداخل.
أغمضت عيني للحظة من شدة الضوء.
وعندما فتحتهما...
توقفت في مكاني.
قاعة واسعة وفسيحة.
وفي وسطها طاولة طويلة يغطيها مفرش أبيض ناصع.
أما الأطباق الموضوعة عليها...
فبدت كأنها أعمال فنية أكثر من كونها طعامًا.
روبيان كامل قُدم بأناقة.
وأطباق كارباتشيو زاهية الألوان.
وخضراوات طازجة لماعة موضوعة بين شرائح خبز ساخن تفوح منه رائحة الزبدة.
وفي المنتصف...
قطعة ستيك كبيرة يتصاعد منها البخار برفق.
"إلى متى ستظل واقفًا تحدق؟"
انتبهت متأخرًا إلى أن إليزابيث كانت قد جلست بالفعل على الجانب الآخر من الطاولة، وهي تشير إلى المقعد المقابل لها.
"سيبرد الطعام."
"مكانك هناك."
"أ... أجل."
"اعذريني."
جلست بتوتر.
وبعد أن فعلت، انحنى كبير الخدم وغادر القاعة بهدوء.
ولو بقي يراقبنا أثناء الطعام لكان الأمر محرجًا.
ولعل خروجه كان تصرفًا مقصودًا منه.
"هوهو..."
"سنناقش أمرًا مهمًا."
"ولن يكون من الجيد أن يمنعك وجود شخص غريب من التحدث بحرية."
"...صحيح."
"...معك حق."
لكن جوعي كان قد بلغ أقصاه.
ولم أعد قادرًا على مقاومته.
أعتذر...
لكن الحديث يمكنه الانتظار قليلًا.
"حسنًا."
"...فلنبدأ بالطعام."
"ن... نعم."
"شهية طيبة."
في الظروف العادية، كان ينبغي أن أبدأ بالسلطة.
لكن رائحة شريحة اللحم السميكة في وسط الطاولة كانت لا تُقاوم.
فسقطت أمام الإغراء.
غرست السكين فيها.
وانزلقت بسهولة مذهلة، دون أدنى مقاومة.
كان الإحساس أشبه بتقطيع شريحة هامبرغر طرية.
لكن المقطع الداخلي أكد أنها شريحة لحم حقيقية، غنية بالعصارة.
أما لونها الوردي الخفيف في المنتصف...
فجعل يدي تتحرك نحو فمي دون تفكير.
...
لذيذ.
بل...
رائع بصورة لا تُصدق!
ما هذا اللحم أصلًا؟!
بمجرد أن لامس لساني، انفجرت العصارة الغنية داخل فمي.
ولم يكن يذوب...
بل كان يتفكك وحده برقة.
وتركت حلاوته القوية أثرًا طويلًا حتى بعد أن ابتلعته.
"...هل كان بهذه اللذة فعلًا؟"
...آه.
يا ترى...
أي تعبير كان على وجهي الآن؟
لا بد أنني فتحت فمي بطريقة حمقاء.
لكن لا يمكن لومِي.
فمن دون أدنى شك...
كان هذا ألذ شيء تناولته في حياتي.
...والآن بعدما انتبهت...
وجدت إليزابيث نفسها تأكل اللحم بحماسٍ لا يقل عني.
ويبدو أن آداب المائدة لا وجود لها في هذا القصر.
"لم أذق لحمًا كهذا من قبل."
"أي نوع من اللحم هذا؟"
"لحم تنين."
...
لقد أكلت للتو شيئًا لا يُصدق.
ومن كان يتخيل أصلًا...
أن التنانين صالحة للأكل؟
"حسنًا."
"يمكنك مواصلة تناول الطعام بينما نتحدث."
"فلنبدأ."
تغيرت نظرة إليزابيث فجأة.
اختفت تمامًا ملامح الاسترخاء التي كانت ترتسم على وجهها قبل لحظات.
ولم تعد تنظر إليّ كرفيق قاتل إلى جانبها.
بل كمن يقيّم احتمال أن أكون...
عدوًا.
"...المعلومات، إذن؟"
"نعم."
أي إجابة خاطئة هنا...
قد تكلفني حياتي.
وقد حدث ذلك بالفعل مرة من قبل عندما التقينا لأول مرة.
لكنني كنت مستعدًا لهذا منذ اللحظة التي طلبت فيها مساعدتها.
طالما بقيت هادئًا...
فلا داعي للقلق.
"...ما الذي تريدين معرفته؟"
لقراءة فصول هذا عمل بأسرع وقت واعلى جودة فقط على مواقعنا التالي
https://genzmanhw.vercel.app/series/Eternally-Regressing-in-Another-World