اتضح أن العشاء كان أفخم حتى من الغداء.

حساءٌ عشبي دافئ مصنوع من عشبة اللهب، وكارباتشيو من سمكة الملك التي تشبه سمكة الأرايما، وشواء لحمٍ مأخوذ من وحش يُدعى تمساح الجحيم. طبقٌ تلو الآخر، وكل واحدٍ منها أكثر إبهارًا من سابقه.

"سمعت أنك أحدثت ضجة كبيرة في المكتبة. ما الذي كنت تفعله بالضبط؟"

"مغف!"

كدت أختنق بالحساء الذي ابتلعته للتو، لكنني حبست السعال بصعوبة وأجبرت نفسي على ابتلاعه.

"...مـ... من أين عرفتِ ذلك!؟"

"كم خادمًا تعتقد يعمل في هذا القصر؟ من الأفضل أن تفترض أن كل ما تفعله أو تقوله يراه أو يسمعه أحدهم. أما المكتبة... فيبدو أن تلك الخادمة هناك سمعت كل شيء."

أشارت إليزابيث إلى خادمة قصيرة القامة كانت تقف غير بعيد، لكنها كانت تغفو وهي واقفة، ورأسها يتمايل صعودًا وهبوطًا حتى بدا وكأن عصابة رأسها ستسقط في أي لحظة.

"إذًا؟ ماذا كنت تفعل؟ هل وجدت كتابًا مثيرًا للاهتمام؟"

"أجل... اندمجت في القراءة أكثر مما ينبغي. سأكون أكثر حذرًا في المرة القادمة."

لم أكن أكذب تمامًا.

حوّلت مجرى الحديث بينما رفعت لقمة أخرى إلى فمي.

وبعد أن أنهيت كأس النبيذ الذي قُدِّم بعد الطعام، وقفت من مقعدي.

"كانت وجبة رائعة. بالمناسبة يا إليزابيث."

"ماذا؟"

صحيح أنني تحدثت إليها وهي تمضغ الطعام، لكنني شعرت أنها تستطيع تناول الطعام بقدر أكبر من الرقي.

وكنت على وشك قول ذلك، إلا أنني لاحظت بقعة من الصلصة على ربطة عنقها، فمسحتها بهدوء حتى لا أسمع منها ردًا لاذعًا، وابتلعت ملاحظتي بدلًا من ذلك.

"حسنًا... أريد أن أستعير المكتبة مرة أخرى، هل هذا مقبول؟"

"طالما أنك لا توسخها، فلا بأس."

"حـ... حسنًا، شكرًا."

بصراحة، لم أعد أفهم نصف ما كانت تقوله وهي تأكل، لكن بما أنها لم تبدُ رافضة، شكرتها على أي حال.

ذهبت إلى غرفتي، أخذت الحقيبة التي تركتها هناك، ثم عدت إلى المكتبة.

"حسنًا... هذه المرة لن أضيع وقتي. ركّز... ركّز!"

بحسب إليزابيث، لم يكن بإمكاني البقاء إلا حتى صباح الغد.

أي أن هذه الليلة كانت فرصتي الأخيرة.

هذه المرة أردت أن أجد شيئًا حقيقيًا... شيئًا يشرح لي ماهية هذا العالم.

وأكثر ما أردت معرفته الآن هو التاريخ.

حتى لو كان مجرد حكاية خرافية.

فإن كان هناك أي خيط يربط هذا العالم بعالمي، فقد تكون هناك أيضًا طريقة للعودة إلى الوطن.

"...قد أجد شيئًا هنا."

تقدمت نحو عمق المكتبة.

كلما توغلت أكثر، بدا واضحًا أن أحدًا لم ينظف المكان منذ مدة، وكان الغبار يملأ الهواء.

وبينما كنت أتصفح الرفوف، لفت انتباهي قسمٌ مليء بالكتب الملونة.

سحبت كتابًا عشوائيًا وفتحته.

"الخط كبير جدًا... هل هذا كتاب للأطفال؟"

بل كان أقرب إلى كتاب مصور منه إلى رواية.

يحكي عن فتاة ترتدي عصابة رأس بيضاء، تاهت في غابة ساحرة، ثم ساعدها تنين صغير على الهرب.

"هل هذا الرف كله كتب مصورة؟"

بمجرد نظرة سريعة، بدا أن هناك ما لا يقل عن ألف كتاب.

ولو قرأتهم جميعًا، فلن تكفيني حتى أسبوع كامل.

فاكتفيت باختيار خمسة كتب تبدو أكثر سماكة.

...وأثناء ذلك، وقعت عيناي على كتاب قديم مكتوب بخط اليد بعنوان «مغامرة إليزابيث»، فقررت أن أتظاهر بأنني لم أره أصلًا.

بعد ثلاثين دقيقة...

كنت قد تصفحت الكتب كلها، لكنني لم أجد شيئًا مفيدًا.

"كلها تبدو متشابهة بطريقة ما..."

تمتمت وأنا أعيد كتب الأطفال إلى أماكنها.

أما الرفوف الأبعد، فكانت مليئة بدواوين شعر غامضة، وخطب البلاط الملكي، وكتب الفلسفة، والنصوص الدينية... النوع الذي يضمن لك النوم في دقائق.

ولم تكن لدي أي رغبة في الاقتراب منها.

"...ما هذا الكتاب؟"

لفت انتباهي كتاب بني اللون، بلا عنوان على كعبه.

وكان مختلفًا عن بقية الكتب.

غلافه متآكل، وكأنه يحمل آثار سنوات طويلة.

كان موضوعًا في أعلى رف، لكنني تمكنت من الوصول إليه بصعوبة.

"...«عيون الشكل السداسي»... ما هذا أصلًا؟"

ألقيت عليه نظرة سريعة.

لم يكن أشبه برواية، بل بنصوص دينية.

حديثٌ عن إله فعل هذا...

وإله قال تلك الكلمات...

واستمر هذا النوع من النصوص لأكثر من خمسمائة صفحة.

إلهٌ ملكٌ للمحاربين...

وساحرة تُدعى إلفيرا...

وملك شياطين النهاية...

لم أكن بارعًا في قراءة هذا النوع من الكتب.

فأعدته بهدوء إلى مكانه.

"لا فائدة... لن أجد شيئًا بهذه الطريقة."

لو كانت الكتب مصنفة كما في المكتبات الحقيقية، لكان الأمر أسهل بكثير.

لكنها في النهاية مجرد مكتبة خاصة.

وليس فيها أي نظام واضح.

كتاب بعنوان «الفرق بين الوحوش والحشرات» وُضع بجانب كتب الطبخ.

وبجوار «آداب السيدة الراقية» وجدت كتابًا بعنوان «كيف تختارين ملابس داخلية فاتنة».

من الخارج بدت المكتبة مرتبة، لكن الحقيقة أن أقل من نصف الرفوف فقط كان منظمًا.

بدأ اليأس يتسلل إليّ.

وعندها وقعت عيناي على كتاب بعنوان:

«السحر الذي يستطيع حتى الغوبلن فهمه.»

"...سألقي نظرة سريعة فقط.

عشر دقائق، ثم أعود للبحث."

مهما بلغ الإنسان من العمر، يبقى للسحر بريق لا يُقاوم.

مجرد احتمال أن أتمكن من استخدامه جعل فضولي يشتعل.

حتى الرجل البالغ لا يستطيع مقاومة فكرة إطلاق النار من يديه أو استدعاء سلاح من العدم.

"لنرَ...

لكل شخص توافق مع عنصر معين...

مممم...

النار، الماء، الخشب، البرق، الروح...

خمسة عناصر.

أها...

العنصر المقابل لعنصرك الأقوى يصبح أضعف عناصرِك.

...إذن حادثة براعم الفجل كانت لأن عنصري الأساسي هو النار، ولذلك كان سحر الخشب ضعيفًا لدي!

لهذا فشل الأمر!؟"

حسنًا...

فلنجرب.

لكن لو خرجت كرة نارية فور نطقي بالتعويذة فستكون كارثة.

إذا فتحت النافذة ووجهت التعويذة نحو السماء، فلا بأس.

فتحت النافذة، ورسمت دائرة سحرية على ورقة كما فعلت سابقًا مع سحر الخشب.

ثم قبضت يدي، ودفعت السحر إليها.

وأخيرًا...

أنشدت التعويذة.

"استجيبوا لاسمي...

واجتمعوا في السماء المشتعلة التي تنير الأرض...

فيرنوفيلد إنفيرنو!!"

توهج أحمر خافت انبعث من ذراعي اليمنى.

"آاااغه...

أووووووووووووواه!!"

"هيا...

هيا...

هيا...

هيـــــا!!

آآآآآآآآه!!"

"هوووب...

هوووب...

سوووووويااااااا!!"

"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ!!"

لم يخرج شيء!!!

سحر النار لا يعمل إطلاقًا!!!

بعد ثلاثين دقيقة من المحاولات...

كل ما استطعت إخراجه كان خيطًا رقيقًا من الدخان من طرف إصبعي.

"أنا أسوأ من رجل الكهوف...

أيها الأحمق!!"

صرخت رغم أنني ظننت أنه لا يوجد أحد.

...لكن في الواقع كان هناك شخص.

كانت إحدى الخادمات تحدق بي من النافذة.

إنها صاحبة عصابة الرأس التي كانت تغفو أثناء العشاء.

كانت تحدق بي بصمت تام.

احمر وجهي بشدة، فأغلقت النافذة بسرعة.

وفي النهاية...

كان وجهي أكثر اشتعالًا من سحر النار نفسه.

"...سأحاول قليلًا بعد."

وفي النهاية، جربت أبسط تعويذة لكل عنصر.

وكانت النتائج كالتالي:

النار: قليل من الدخان يخرج من طرف إصبعي.

الماء: قطرات عرق على كفي توشك أن تتساقط لكنها لا تفعل.

الخشب: ينبت برعم فجل.

البرق: وخزة خفيفة في طرف إصبعي.

الروح: أصبحت المنطقة تحت أظافري أنظف قليلًا.

وبوجهٍ لا يمكن وصف تعبيره...

عدت إلى غرفتي، واختبأت تحت الغطاء.

أما الخادمة التي رأتني في طريقي، فقد وصفت وجهي لاحقًا بأنه يشبه وجه رجلٍ تلقى ضربةً ساحقة في بطنه بينما يمضغ حشرة مُرّة.

2026/08/03 · 7 مشاهدة · 1027 كلمة
ᵃʸⁿ
نادي الروايات - 2026