يبدو أن إليزابيث تفضل وجبات الإفطار الخفيفة، ولذلك جاءت وجبتي أنا أيضًا خفيفة بطبيعة الحال.
وليس وكأنني كنت في موضع يسمح لي بالتذمر أصلًا، فمجرد إطعامي كان أمرًا أستحق أن أكون ممتنًا له.
ومع أنها كانت "خفيفة"، إلا أنها كانت وليمةً فاتنة بكل المقاييس.
أنهيت إفطاري شاكرًا، ثم بدأت أستعد للمغادرة.
ولم يكن لدي الكثير لأجهزه، فكل ما أملكه هو حقيبتي.
لذلك لم يبقَ سوى تنظيف الغرفة التي استخدمتها.
مسحت الغبار عن الأثاث، ونظفت الأرضية حتى أصبحت تلمع.
وبينما كنت أشعر برضا كبير عن النتيجة، دوى طرق مفاجئ على الباب.
"اعذرني."
كان ذلك صوت تيندر.
أذنت له بالدخول، فدخل بعد انحناءة خفيفة.
"لقد أصبح كل شيء جاهزًا لتوديعك. هل انتهيت من استعداداتك؟"
"توديع؟ حقًا؟ لا أظن أنني شخص مهم إلى هذه الدرجة حتى يُقام لي توديع."
"على العكس تمامًا. أنت ضيف دعتك الليدي إليزابيث بنفسها، ومن الطبيعي أن نودعك كما يليق."
مضحك...
خصوصًا بعد كل السخرية التي تعرضت لها داخل هذا القصر.
ومع ذلك...
عندما فكرت في الأمر، كانت إقامة ممتعة بالفعل.
ألقيت نظرة أخيرة لأتأكد أنني لم أنسَ شيئًا، ثم خرجت من الغرفة.
كان سيلفا، كبير الخدم العجوز، يقف إلى جانب تيندر.
"فلننطلق إذًا."
سار سيلفا وتيندر أمامي جنبًا إلى جنب.
وبرؤيتهما معًا، برزت هيبة سيلفا الوقورة أكثر فأكثر، حتى كدت أنسى أن تيندر أعلى منه رتبة.
وحين وصلنا إلى المدخل، كانت إليزابيث تنتظرنا هناك بالفعل.
"ها قد وصلت."
"أجل... شكرًا على كل شيء."
"لا داعي للشكر. لقد منحتني الكثير من الضحك."
"أجل أجل... يسعدني أنني استطعت المساعدة."
خرجت عبر الباب المفتوح أصلًا.
"تعال لزيارتنا مجددًا إن أردت."
"ربما... إن راق لي ذلك."
أجبتها وأنا ألوح بيدي دون أن ألتفت.
وبينما كنت أمشي متأملًا النافورة الكبيرة أمام المدخل، اندفع نحوي شاب بأقصى سرعة.
لكن لأن انتباهي كان منصبًا على النافورة، تأخرت ردة فعلي كثيرًا.
"وااه!"
"آااه!"
لم أتمكن من تفاديه، فاصطدمنا وجهاً لوجه.
كنت آمل أن تكون مغادرتي أنيقة ومهيبة...
لكنني أفسدتها تمامًا في اللحظة الأخيرة.
نظرت إلى الشاب بانزعاج.
"آه... آه!! أنا آسف جدًا! آسف!!"
"هاه؟ آه... لا بأس."
حين اعتذر بذلك القدر من الخجل والذعر، اختفى غضبي تمامًا.
كان معظم وجه الشاب مختبئًا تحت قلنسوة خضراء مشدودة على رأسه.
كما أن ملابسه كلها كانت بسيطة وذات لون أخضر.
وكان انطباعي الأول عنه أنه شخص خجول للغاية.
يبدو أن هذا العالم يضم أناسًا جبناء أيضًا.
"أ... أنا آسف حقًا! آسف جدًا جدًا! على أي حال، سأذهب الآن!"
...سيذهب إلى أين؟
فهو كان يركض مباشرة نحو قصر إليزابيث.
...لحظة.
هل كان يقصد إليزابيث نفسها؟
لسبب ما، كانت إليزابيث تكتم ضحكتها.
وفجأة صاح الشاب بأعلى صوته:
"إليزابيث، يا حبيبتي!!
أنا أحبك!!!"
اعتراف حب جريء للغاية...
وفي وسط النهار...
وأمام الجميع.
لم أتوقع أن أشاهد دراما رومانسية كهذه.
وجدت نفسي أراقب الموقف باهتمام، وقد احمر وجهي قليلًا.
"لا."
رفضٌ فوري.
قاطع.
دون حتى ثانية واحدة من التردد.
بل إن تعبير إليزابيث بدا مشرقًا للغاية.
لا رحمة إطلاقًا.
"ل... لماذا لم يعجبك هذه المرة؟"
"لأن الطريقة التي اصطدمت بها بي قبل قليل لم تكن لطيفة."
حتى أنا شعرت بالشفقة عليه بعد سماع ذلك.
لكن عبارة "هذه المرة" شدت انتباهي.
"ذلك هو ريك... صديق الطفولة الذي حدثتك عنه بالأمس."
"هاه؟! متى وصلت أصلًا...؟"
قبل أن أشعر، كان تيندر يقف بجانبي.
أتمنى حقًا أن يتوقف عن الظهور فجأة هكذا.
إنه سيصيبني بنوبة قلبية يومًا ما.
"مهلًا...
هل اعترف لها بحبه من قبل أيضًا؟"
"ليس من قبل فحسب...
بل يفعل ذلك كل يوم منذ أن كانا في الثالثة من عمرهما."
...يا له من إصرار.
لكن الأكثر إثارة للإعجاب من إصراره...
هو أن إليزابيث لا تتأثر إطلاقًا، مهما كرر الأمر.
"والآن...
سيصبح الوضع خطيرًا قليلًا، لذا من الأفضل أن نعود إلى داخل القصر."
"هاه؟ ماذا تقصد؟"
"ريك مسؤول عن مراقبة هذه المنطقة.
وهو عادة يعترف لها عبر بلورة الاتصال.
أما أن يأتي بنفسه إلى هنا...
فهذا يعني أن احتمال حدوث أمرٍ ما مرتفع جدًا."
يعترف لها عبر الهاتف السحري كل يوم...
بصراحة، بدأ الأمر يبدو أقرب إلى المطاردة.
على أي حال، اتبعت نصيحة تيندر وعدت إلى داخل القصر.
وأخذت أراقب من خلف الباب.
ولم يكن قد حدث شيء بعد.
"اعذرني قليلًا."
"ولماذا تختبئ أنت أيضًا؟"
"لا بأس، لا بأس.
لا تشغل بالك."
"كما قال تيندر.
سأشاهد العرض بنفسي بما أنني هنا."
وقبل أن أنتبه، كانت إليزابيث وسيلفا قد انضما إلينا خلف الباب أيضًا.
وكانت القوة القتالية بين المتفرجين ترتفع باستمرار.
"مهلًا يا إليزابيث!
ألستِ أقوى مقاتلة هنا؟
لماذا تختبئين أنت أيضًا؟!"
"اصمت فقط...
انظر، لقد وصلوا."
قالت ذلك وهي تشير إلى السماء.
"السماء...؟
انتظر، ما هذا؟!"
رفعت رأسي.
فرأيت مجموعة من البشر ذوي الأجنحة يحلقون في السماء.
وبدا أن عددهم يقارب العشرة.
"هؤلاء من أنصاف البشر؟"
"لا.
إنها أدوات سحرية لتغيير هيئة الجسد.
وهم يستخدمونها للسيطرة على الوحوش.
سحر من الدرجة الثالثة... لا أكثر."
"لا بد أنهم بقية أتباع الإخوة فولم."
"هاه؟
إذًا تسرب الخبر بالفعل؟"
وبينما كنا نتحدث، بدأ الدخلاء يهبطون.
رجل ضخم.
وعملاق يزيد طوله على مترين.
ورجل مدجج بالدروع من رأسه حتى قدميه.
وآخر مفتول العضلات يحمل على ظهره سيفًا أكبر من جسده.
مجموعة لا يجمعها أي شيء.
وبالنظر إليهم...
لم يكن ريك يبدو ندًا لهم إطلاقًا من حيث المظهر.
"أنتم حقًا لن تساعدوه؟!"
"اهدأ.
راقب فقط...
ستفهم."
"أعني... حسنًا، لكن..."
في النهاية، لم يكن هناك شيء أستطيع فعله حتى لو خرجت.
كل ما استطعت هو مراقبتهم بقلق.
"أيها الفتى!
سلّمنا ابنة لوغانيس!"
"أم...
إليزابيث ليست هنا الآن."
"لا تكذب علينا!!"
"سنقتلك!!"
"أتريد الموت؟!"
كانت كتفا ريك ترتجفان.
ومن الخلف بدا كحيوان صغير مذعور.
لكن في اللحظة التالية...
وصل إليه صوت آخر غير التهديدات.
"ريك!
هيا، تخلص منهم!"
صرخت إليزابيث فجأة تشجعه.
وفي تلك اللحظة...
تغيرت ملامح ريك.
"إليزابيث...
شكرًا."
نزع ريك قبعته بهدوء.
وما ظهر تحتها جعلني أُصدم.
كان شعره...
أشقر.
أشقر طبيعي بلا شك.
وليس مصبوغًا.
كما ظهرت أذناه، اللتان كانتا مخفيتين تحت القبعة، تتدلى منهما أقراط على شكل جماجم.
لكن المتسللين لم يعيروا هذا التغيير أي اهتمام.
بل وجهوا أنظارهم نحونا.
"هناك!
إنها تلك المرأة!
أمسكوا بها!!"
"تمسكون... بمن تحديدًا؟"
انخفض صوت ريك بشكل ملحوظ.
واختفت تمامًا تلك الهيئة الخجولة الوديعة.
بل أصبح حضوره طاغيًا...
أشبه بحضور تنين.
"إليزابيث...
شاهدي جيدًا."
"بالطبع."
بدأت الرياح تدور حول ريك.
وتوقف المتسللون عن الكلام، واستعدوا للقتال.
[تمنٍّ للون]
[حبٌّ للصوت]
[شفاءٌ بالعطر]
[تبجيلٌ للرغبة]
[اضحكي من الألم الذي يغفر كل شيء]
[واهبي الموت للأبرياء، أيتها الإلهة الشريرة]
ظهرت دائرة سحرية بنفسجية تحت قدمي ريك.
[ملاك العذاب — «نيكرولايز»]
وما خرج من الدائرة السحرية...
لم يشبه أي كائن حي.
جسدٌ مركب من أجزاء غير متجانسة ومخاطة معًا.
جناحان أسودان ممزقان يقطران دمًا.
ذراع يمنى متفحمة.
وذراع يسرى مغروسة فيها عشرات الأشواك.
مقلتا عينين تتدليان من موضع الأذنين.
ولوامس لا حصر لها تتلوى خارجةً من الفم.
وكان نصفه العلوي يخرج من داخل عذراء حديدية ، أداة التعذيب الشهيرة.
"...أوغ...
يا له من شيء مقزز."
"من الوقاحة أن تنظر إليه بكل هذا الذعر.
ذلك أحد أفراد العرق المقدس للأرواح."
"روح...؟
هذا الشيء؟!"
لقد قرأت عن الأرواح في كتاب بالأمس.
لكنني كنت أتخيل كرات ضوء صغيرة...
أو مخلوقات لطيفة ذات أجنحة صغيرة.
وليس...
هذا الكابوس الخارج مباشرةً من لعبة رعب عن الزومبي!
"ما الذي ينوي فعله باستدعاء شيء كهذا؟!"
"إنه استدعاء الأرواح.
وماذا عساه أن يفعل بها غير استخدامها كمرؤوس تابع له؟"
أجابت إليزابيث وكأن الأمر بديهي للغاية.
أما بالنسبة لي...
فذلك الشيء بدا كشيء لا ينبغي لأي إنسان أن يقترب منه.
"...لحظة.
لا تقل لي إنه أقوى منك فقط لأنه يستطيع التحكم بوحش كهذا؟"
"ليس (وحشًا كهذا).
الأدق أن تسميهم أرواحه المتعاقد معها .
ريك ساحر من الطراز الرفيع، وقد أبرم عقودًا مع ما يقارب عشرة أرواح مختلفة."
قالت إليزابيث ذلك وهي تلوح بمروحتها، رافعةً صدرها بفخر.
"إنه في المستوى السادس ...
أي أعلى مني برتبة واحدة."
كان ذلك الرجل...
ريك تورتنيسكي .
قائد فرقة الفرسان الأولى في المملكة...
وثاني أقوى رجل في هذه البلاد بأسرها.