كنت أجلس على مقعدٍ بجوار مجرى مائي.
أو بالأحرى، كان أقرب إلى قناةٍ مائية منه إلى نهر.
لكن لم يكن هناك أي مجرى بمياه صافية كهذا بالقرب من المكان الذي أعيش فيه.
ألقيت نظرة حولي، لكن المشهد لم يكن يشبه اليابان بأي شكل.
ففي كل مكان كانت هناك طرق مرصوفة بالحجارة تجوبها عربات تجرها الخيول، ومبانٍ كثيرة تعلوها أسقف من القرميد الأحمر.
أما المارة، فكانوا يسيرون وكأن حمل السيوف والدروع أو ارتداء الدروع الحديدية أمرٌ اعتيادي.
"...ما هذا المكان بحق الجحيم؟"
كان المشهد نابضًا بالحياة، أشبه بمدينة أوروبية زاهية الألوان.
لكن كان هناك أمرٌ غريب.
لسببٍ ما، كانت اللافتات وأسماء المتاجر مكتوبة باللغة اليابانية.
لم يكن الأمر مجرد غرابة...
بل كان يبعث على القشعريرة.
ومع ذلك، لم يكن يهمني أين أنا الآن.
ما لم أستطع فهمه هو...
لماذا ما زلت حيًا؟
كان من المفترض أن أموت في ذلك اليوم...
"هل هذه هي الغيبوبة التي يتحدثون عنها؟"
عالم الأحلام...
لم أجد تفسيرًا أكثر منطقية من ذلك.
والغريب أنني اقتنعت باستنتاجي بسهولة.
"الحمد لله...
إن كنت قد نجوت بمعجزة...
هم؟"
اصطدم شيءٌ صلب بيدي اليمنى.
كانت حقيبة العمل التي أستخدمها كل يوم.
وبداخلها هاتفي الخاص بالشركة، وجهازي اللوحي، وأدوات الكتابة، وحتى نسخ من مستندات العمل.
"حتى في الحلم ما زلت أحمل أدوات العمل...
هذا يشبهني تمامًا."
الآن بعد أن فكرت في الأمر...
لقد دفنت نفسي في العمل طوال الفترة الماضية.
عندما أستيقظ وأخرج من المستشفى...
ربما يجدر بي أن أذهب لشرب شيء مع أصدقائي.
وأثناء هذه الأفكار، أخرجت هاتفي.
لكن الشاشة لم تعرض سوى عبارة:
«لا توجد خدمة.»
"...يا له من حلمٍ متقن التفاصيل."
أعدت الهاتف إلى جيبي.
لكنني شعرت بنظراتٍ تلاحقني.
كانت نظرات الناس من حولي حادةً بشكل غريب.
خفضت رأسي ونظرت إلى ملابسي.
"...آه... صحيح."
مقارنةً بكل من يرتدي الدروع أو العباءات...
كانت بدلتي السوداء الرسمية تلفت الأنظار بلا شك.
وفوق ذلك...
كنت أحدث نفسي بينما أعبث بجهازٍ حديث في مكان يبدو وكأنه لا يعرف التكنولوجيا أصلًا.
من الطبيعي أن يظن الناس أنني شخصٌ غريب أو مريب.
"من الأفضل أن أغيّر مكاني."
وللهروب من تلك النظرات، دخلت أحد الأزقة الجانبية.
وبينما كنت أسير في الممر الضيق الخافت الإضاءة...
وصلت إلى أذني ضحكاتٌ خشنة وصاخبة من مبنى قريب.
بدافع الفضول، استدرت نحو مصدر الصوت.
كان حانة صغيرة بطرازٍ قديم.
"حانة؟
وكأنها خرجت مباشرةً من فيلمٍ غربي..."
دفعت البابين الخشبيين ودخلت بدافع الفضول.
وفي اللحظة التي وطئت فيها الداخل...
انخفضت ضوضاء الحانة قليلًا.
حدقت بي مجموعة من الرجال ذوي الملامح الخشنة، لكنني لم أجد سببًا للقلق من كل نظرة.
جلست على أحد المقاعد أمام المنضدة.
"أيها المعلم... كأس شوتشو، من فضلك."
"ما هذا بحق الجحيم؟
لا نبيع شيئًا بهذا الاسم."
"...إذن، بيرة."
"حالًا."
على الأقل...
دعني آكل وأشرب بحرية داخل حلمي.
وبينما كنت أفكر بذلك...
وصل إلى أذني حديثٌ خطير من خلفي جهة اليمين.
"أجنبي؟
ماذا سنفعل معه؟"
"ذلك الشيء في معصمه يبدو كأنه حُليّ...
ويبدو مصنوعًا من معدنٍ ثمين أيضًا."
"إذن اتفقنا.
سنحاصره بمجرد أن يغادر الحانة."
تجمّد ظهري من العرق البارد بعدما سمعت حديثهم المخيف دون قصد.
أنزلت نظري ببطء إلى معصمي.
لم يكن سوى ساعة رخيصة اشتريتها بحوالي سبعة آلاف ين من متجرٍ عادي، وليست حتى من علامة تجارية معروفة.
"تفضل... البيرة."
"واااه!"
فوجئت بها توضع أمامي بينما كنت متوترًا، فانتفض جسدي واحتك الكرسي بالأرض محدثًا صوتًا مرتفعًا.
ومن انعكاس الزجاج الذي كان صاحب الحانة يلمعه...
استطعت رؤية الرجال الثلاثة يحدقون بي.
لم أميز ملامحهم جيدًا...
لكنهم جميعًا كانوا ضخام الأجساد.
ولو استهدفني رجال كهؤلاء...
فستنتهي حياتي.
"هم؟
ما بك؟"
"لا... لا شيء."
إن أظهرت خوفي هنا...
فسأبدو فريسةً سهلة.
ولو قرروا محاصرتي الآن...
"..."
لقد أصبح صوتهم أخفض من قبل.
أيمكن أنهم يخططون للهجوم داخل الحانة؟
لا يوجد مكان أهرب إليه هنا.
ولا أظن أن صاحب الحانة سيساعدني.
على الأرجح سيطردنا ويطلب منا القتال في الخارج.
إنها مقامرة...
لكن لا خيار أمامي سوى المغادرة والهرب.
"أيها المعلم...
الحساب."
"ستمئة ين."
"...هم؟
ين؟"
"ما الأمر؟
لا تقل إنك لا تملك المال!"
"لا... ليس هذا."
العملة هنا كانت الين .
في مكانٍ يبدو وكأنه خرج من رواية مغامرات...
كان استخدام العملة اليابانية أمرًا غريبًا لدرجة جعلتني أبتسم بمرارة.
"...صحيح.
إنه حلم في النهاية."
تمتمت بذلك بصوتٍ خافت.
لكن يبدو أن صاحب الحانة لم يعجبه أن يتمتم زبون دون أن يدفع.
"هيه!
ادفع بسرعة!"
"آه... آسف."
فتحت محفظتي.
كنت قد سحبت نقودًا صباح اليوم، لذلك كان بداخلها حوالي خمسين ألف ين.
أخرجت ورقة نقدية من فئة عشرة آلاف ين ووضعتها على الطاولة.
"عشرة آلاف؟
يا للمصيبة."
"احتفظ بالباقي."
أعدت المحفظة إلى جيبي دون انتظار الفكة.
ابتسم صاحب الحانة ابتسامة عريضة.
"هوو...
أنت كريم يا فتى."
"لا...
فأنا أكسب مالًا لا بأس به.
أراك لاحقًا."
كانت عبارة «أكسب مالًا لا بأس به» مجرد تباهٍ سخيف.
لكن بما أنه حلم...
فلا بأس بأن أبدو رائعًا قليلًا.
خرجت من الحانة بخطواتٍ خفيفة.
وكأنه أمرٌ طبيعي تمامًا...
خرج الرجال الثلاثة خلفي.
لم أكن أمشي بسرعة.
لكن بعد نحو عشر ثوانٍ فقط...
حاصروني.
"قف مكانك."
"يبدو أنك تحمل مالًا كثيرًا."
"إما أن تموت...
أو تسلم كل ما معك.
اختر."
منذ الجملة الأولى...
كانت كلماتهم غبية ومليئة بالتهديد.
لذلك تجاهلتهم.
إن كان هذا حلمًا...
فلن يؤلمني الضرب، أليس كذلك؟
إن واصلت السير بصمت...
فلا بد أنهم سيملّون ويتركونني.
"غخ...!"
ألمٌ عنيف اجتاح جسدي كله فجأة.
لم أستطع التنفس.
ولم أعد قادرًا حتى على إغلاق فمي.
اختل إحساسي بالاتجاه والتوازن...
ولم أعد أعلم إن كنت واقفًا أم جالسًا.
وحين أدركت ما حدث...
كان جسدي قد سقط جاثيًا على الأرض.
"آه...
أوووه..."
ألمٌ ثقيل ينبض في بطني مع كل نبضة قلب.
لقد وجه إليّ أحدهم لكمةً لا رحمة فيها إلى فم المعدة...
بعضلاتٍ مدربة لا داعي لها.
كان الألم...
أشد مما تستطيع الكلمات وصفه.
ارتفع شيءٌ حامض من معدتي.
لم أستطع التنفس.
وفقدت ساقاي كل قوة.
حلم؟
حلم؟
حلم؟
حلم؟
حلم؟
...
هذا...
ليس حلمًا، أليس كذلك؟
خلال ثوانٍ معدودة...
غرقت في العرق حتى بدأت القطرات تتساقط من طرف أنفي.
كان السقوط نحو الأرض رعبًا لا يوصف.
لكن...
أن يلاحقك الموت على يد بشر ...
كان كابوسًا أشد قسوة.
تراكم الرعب فوق الرعب.
وتوقف الدم عن الوصول إلى دماغي كما ينبغي.
لم أعد قادرًا على التفكير.
والفكرة الوحيدة التي تمسكت بها بكل ما أملك كانت...
"...لا أريد أن أموت."
"هاه؟"
"لا أريد أن أموووووت!!"
ركضت وأنا أبكي.
لم تكن في بطني أو ساقي أي قوة.
فكان ركضي متعثرًا ومثيرًا للشفقة.
ظللت أركض بكل ما أملك، أصرخ طالبًا النجدة.
لكن...
كل ما عاد إليّ كان ضحكاتهم الساخرة.
"لا تهرب أيها الوغد!"
"غااااه...!"
ألمٌ حاد اخترق ساقي...
فسقطت أرضًا في مكاني.
وعندما التفت...
رأيت سكينًا كبيرة مغروسة بعمق في ربلة ساقي.
لم أعد قادرًا حتى على الكلام من شدة الرعب والألم.
ومع ذلك...
واصلت الزحف على الأرض، محاولًا الهرب.
لم أعد أسمع أيًا من الأصوات المحيطة بي.
لكن عبارةً واحدة فقط وصلت إلى أذني.
"إلى اللقاء... أيها العجوز."
ومن طرف بصري...
رأيت نصلًا يهبط نحوي.
『العودة إلى نقطة البداية』
خُيّل إلي أنني رأيت هذه الكلمات مطبوعةً خلف جفنيّ.
وعندما فتحت عيني...
وجدت نفسي مجددًا على ذلك المقعد بجانب القناة المائية...
في ذلك المكان الجميل بصورةٍ غير طبيعية...
والمثير للريبة في الوقت نفسه.