# الفصل الأول: العودة والاصطدام
كان عبد الصمد القرشي يحدق من نافذة السيارة بينما تتقدم به نحو مقر القيادة العامة.
ثلاثة أشهر كاملة قضاها خارج المدينة.
ثلاثة أشهر كان يعتقد خلالها أن مكانته ما زالت محفوظة، وأن اسمه لا يزال يتردد في الممرات نفسها التي سار فيها يوماً بصفته الذراع اليمنى للوزير.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
كان يتخيل الوجوه القديمة.
المصافحات.
الترحيب.
والنظرات التي تحمل شيئاً من الاحترام.
في النهاية، لم يكن مجرد ضابط عادي.
كان "فالكون".
الاسم الذي عرفه الجميع.
الرجل الذي نفذ عمليات معقدة، وأغلق ملفات عجز غيره عن الاقتراب منها.
توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية.
نزل عبد الصمد بزيه العسكري المرتب بعناية.
رفع الحارس يده بالتحية.
لكن شيئاً ما بدا غريباً.
لم يكن هناك ذلك الدفء المعتاد.
كانت التحية رسمية أكثر مما ينبغي.
باردة أكثر مما ينبغي.
تجاهل الأمر وتابع سيره.
الممرات كما هي.
الجدران كما هي.
لكن الوجوه...
الوجوه تغيرت.
بعضهم تجنب النظر إليه.
وبعضهم اكتفى بإيماءة سريعة قبل أن يشيح بوجهه.
بدأ شعور خفي بالتسلل إلى صدره.
شعور يشبه اقتراب العاصفة.
عندما وصل إلى قاعة الاجتماعات وجد الجميع مجتمعين.
في المقدمة جلس ناصر العنزي.
وعلى يمينه أبو سعد.
تبادل عبد الصمد النظرات معهم قبل أن يؤدي التحية العسكرية.
لم يرد أحد التحية بالحماس الذي توقعه.
قال ناصر ببرود:
"اجلس."
جلس عبد الصمد.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم فتح أبو سعد ملفاً أزرق ووضعه على الطاولة.
قال:
"لدينا قرار إداري يتعلق بوضعك الوظيفي."
عقد عبد الصمد حاجبيه.
"قرار؟"
لم يجب أحد.
أخرج أبو سعد ورقة رسمية وبدأ القراءة.
كل كلمة كانت كضربة مطرقة.
بسبب كثرة الغياب.
بسبب الإخلال بالالتزامات الوظيفية.
بسبب الحاجة لإعادة هيكلة المناصب.
تقرر خفض رتبة الضابط عبد الصمد القرشي وإعادته إلى موقع ميداني أدنى.
ساد الصمت.
للحظة ظن أنه لم يسمع جيداً.
خفض رتبة؟
هو؟
فالكون؟
الرجل الذي أمضى سنوات يبني اسمه؟
رفع رأسه ببطء.
نظر إلى ناصر.
ثم إلى أبو سعد.
ثم إلى الضباط الجالسين حول الطاولة.
بعضهم أخفى ابتسامة.
بعضهم أنزل عينيه.
أما البقية فبدوا وكأنهم يشاهدون عرضاً مسلياً.
قال عبد الصمد بهدوء مخيف:
"هل هذه مزحة؟"
رد أبو سعد:
"قرار رسمي."
"بعد كل ما قدمته؟"
"القوانين تطبق على الجميع."
ابتسم عبد الصمد.
لكنها لم تكن ابتسامة سعادة.
كانت ابتسامة رجل بدأ يفهم شيئاً قبيحاً.
قال:
"القوانين؟"
ثم أشار نحو أحد الضباط الجالسين.
"هذا الرجل لم يحضر نصف دوامه العام الماضي."
وأشار إلى آخر.
"وذاك فشل في ثلاث عمليات متتالية."
ثم نظر مباشرة إلى ناصر.
"لكن الغريب أن العقوبة نزلت عليّ وحدي."
تحولت القاعة إلى كتلة من الصمت.
تكلم ناصر أخيراً.
صوته كان هادئاً.
هادئاً بصورة أثارت غضب عبد الصمد أكثر.
"الأمر ليس شخصياً."
ضحك عبد الصمد.
ضحكة قصيرة.
حادة.
"حين تقول القيادات إن الأمر ليس شخصياً، يكون دائماً شخصياً."
ارتفعت بعض الحواجب في القاعة.
أما ناصر فلم يتغير تعبيره.
قال:
"أنت تجاوزت الحدود المسموحة للغياب."
"بموافقة الوزير."
"الوزير لم يعد هنا."
كانت تلك الجملة كافية.
في تلك اللحظة فقط فهم عبد الصمد.
فهم أن المشكلة لم تكن غيابه.
ولا التزامه.
ولا القوانين.
المشكلة أن الرجل الذي كان يحمي ظهره اختفى.
وسقوط الوزير لم يسقطه وحده.
بل أسقط كل من وقف قريباً منه.
نظر عبد الصمد إلى الوجوه حوله.
ورأى الحقيقة للمرة الأولى.
لم يكن بين زملاء.
كان بين ذئاب.
ذئاب انتظرت غيابه لتقتسم مكانه.
نهض من كرسيه ببطء.
سادت القاعة حالة توتر.
لكن صوته خرج هادئاً.
هادئاً بصورة أخافت بعض الحاضرين.
"حسناً."
نظر إلى الرتبة الجديدة المكتوبة في القرار.
ثم طواها ووضعها في جيبه.
وأضاف:
"أنتم لا تخفضون رتبتي."
توقف للحظة.
ثم أكمل:
"أنتم تخفضون قيمة المؤسسة نفسها."
استدار وغادر القاعة.
خلفه بقي الصمت.
أما في داخله...
فكانت حرب أخرى قد بدأت.
حرب لن تكون ضد العصابات.
ولا ضد المجرمين.