الفصل الثالث: قصر الظلال
لم ينم عبد الصمد تلك الليلة.
كان يجلس داخل المستودع المهجور الذي اتخذه فريقه مقراً مؤقتاً.
أمامَه جلس رجل مقيد اليدين والقدمين.
وجهه مليء بالكدمات.
وعيناه تحملان خليطاً من الخوف والتحدي.
كان ذلك سعيد عسيري.
اليد اليمنى لبكر.
أحد أخطر رجال البلاك ديث.
والمفتاح الوحيد للوصول إلى القصر.
وضع عبد الصمد كوب ماء أمامه.
ابتسم سعيد ساخراً.
"إذا كنت تريد مني الكلام... وفر وقتك."
جلس عبد الصمد مقابله.
بهدوء غريب.
هدوء جعل سعيد يشعر بعدم الارتياح.
قال عبد الصمد:
"تعرف ما يعجبني في المجرمين؟"
لم يجب سعيد.
أكمل عبد الصمد:
"أنهم يعتقدون دائماً أنهم أذكى من الجميع."
ابتسم سعيد.
"وأنت؟"
"أنا لا أحتاج أن أكون أذكى منك."
انحنى للأمام.
"أنا فقط أحتاج أن أعرف ماذا تخاف."
اختفت الابتسامة من وجه سعيد.
لاحظ عبد الصمد ذلك فوراً.
كانت ضربة ناجحة.
قال سعيد:
"لا أخاف أحداً."
رد عبد الصمد:
"كاذب."
ثم ألقى أمامه ملفاً.
فتح سعيد الملف.
وفي اللحظة التالية تغير وجهه.
صور.
أسماء.
عناوين.
زوجته.
إخوته.
أماكن عملهم.
قال عبد الصمد بصوت بارد:
"أنت لا تخاف عليّ."
ثم أشار إلى الصور.
"أنت تخاف عليهم."
ساد الصمت.
لأول مرة بدأ سعيد يتعرق.
مرّت دقائق طويلة.
ثم انهار أخيراً.
وقال بصوت منخفض:
"هناك رجل داخل الجيش."
رفع عبد الصمد رأسه.
"من؟"
تردد سعيد.
ثم قال:
"فهد المطيري."
ساد الصمت.
حتى ماركو الذي كان يقف قرب الباب تجمد مكانه.
فهد المطيري لم يكن مجرد ضابط.
كان من أصحاب النفوذ.
ومن المقربين للقيادة.
قال عبد الصمد:
"ما علاقته ببكر؟"
أجاب سعيد:
"هو الذي يحمي شحنات السلاح."
"مقابل ماذا؟"
ضحك سعيد بمرارة.
"مقابل أموال تكفي لشراء مدينة كاملة."
شعر عبد الصمد بأن الصورة بدأت تتضح.
لكن قبل أن يسأل السؤال التالي...
رن جهاز الاتصال.
التقط ماركو السماعة.
ثم تغير وجهه.
"لدينا مشكلة."
وقف عبد الصمد فوراً.
"ماذا؟"
"قناصة فوق المباني المحيطة."
تجمدت الأجواء.
أضاف ماركو:
"أحدهم يراقب المستودع منذ ساعة."
أطفأ عبد الصمد المصباح فوراً.
غرق المكان في الظلام.
تسارعت الأنفاس.
في الخارج...
كان الموت يراقبهم.
***
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان قصر بكر يزداد ازدحاماً.
سيارات سوداء.
حراس مدججون بالسلاح.
وأفراد عصابات قدموا من كل مكان.
جلس بكر على كرسيه الضخم.
كالملك فوق عرشه.
قال أحد رجاله:
"سعيد اختفى."
لم يرد بكر.
قال رجل آخر:
"بعض العصابات بدأت تشك فينا."
رفع بكر رأسه ببطء.
كانت عيناه مرعبتين.
"إذن ابحثوا عنه."
"وماذا إذا قبضت عليه الشرطة؟"
ابتسم بكر.
ابتسامة جعلت الجميع يصمت.
"إذا تكلم..."
توقف قليلاً.
"...فلن يعيش حتى نهاية اليوم."
***
بعد يومين.
دخل عبد الصمد القصر لأول مرة.
متخفياً.
مرتدياً ملابس رجال العصابات.
بجواره ماركو.
وفي جيبه الصغير جهاز تسجيل سري.
كان يعلم أن أي خطأ يعني موته.
ليس السجن.
بل الموت.
فوراً.
استقبله رجل ضخم عند البوابة.
"الزعيم يريد رؤيتك."
قادوه عبر ممرات طويلة.
حتى وصل إلى قاعة فاخرة.
جلس بكر في نهايتها.
نظر إلى عبد الصمد طويلاً.
ثم قال:
"سمعت أنك تبحث عن الخائن."
أخفى عبد الصمد توتره.
"وأنا سمعت أنك تريد رأسه."
ضحك بكر.
ضحكة عالية.
ثم أشار إلى كرسي.
"اجلس."
جلس عبد الصمد.
كان يشعر بأن كل شخص في القاعة يراقبه.
أي حركة خاطئة.
أي كلمة غير محسوبة.
ستنهي كل شيء.
قال بكر:
"هل تعلم لماذا ما زلت حياً؟"
"لا."
"لأنني لم أقرر قتلك بعد."
ساد الصمت.
لكن عبد الصمد لم يُظهر خوفه.
بل قال:
"إذا قتلتني فلن تجد الخائن."
ارتفعت حواجب بكر.
ثم ابتسم.
لأول مرة.
ابتسامة رضا.
قال:
"أعجبني جوابك."
اقترب منه أكثر.
ثم همس:
"أحضر لي رأس الخائن."
"وسأعطيك ما تريد."
أجاب عبد الصمد:
"اتفقنا."
لكن في داخله...
كان يفكر بشيء آخر.
لم يكن يريد رأس الخائن فقط.
بل رأس بكر نفسه.
ورأس كل من يحميه.
***
بعد ساعات.
أخذ بكر ضيفه الجديد في جولة خاصة.
هبطوا عبر مصعد مخفي تحت القصر.
وكلما نزلوا أكثر...
اتسعت عينا عبد الصمد.
مستودعات ضخمة.
أسلحة.
صناديق أموال.
غرف عمليات.
أجهزة اتصال حديثة.
وخرائط لمدن كاملة.
لم يكن هذا مجرد مقر عصابة.
بل دولة داخل دولة.
قال بكر بفخر:
"كل ما تراه هنا بنيته بنفسي."
لم يرد عبد الصمد.
كان جهاز التسجيل يعمل بصمت داخل جيبه.
وكل ثانية تمر كانت تعني دليلاً جديداً.
وقف بكر أمام باب فولاذي ضخم.
ثم التفت إليه.
وقال:
"قريباً ستكون واحداً منا."
ابتسم عبد الصمد.
ابتسامة أتقنها خلال سنوات عمله.
ابتسامة رجل يبدو مخلصاً.
بينما يخفي خنجراً خلف ظهره.
وفي تلك اللحظة تحديداً...
وصلته رسالة مشفرة على هاتفه السري.
رسالة قصيرة جداً.
من علي الهاشمي.
"البث المباشر بعد 48 ساعة."
قرأها مرة واحدة.
ثم حذفها.
رفع رأسه نحو بكر.
وتظاهر بأن شيئاً لم يحدث.
لكن قلبه كان يعرف الحقيقة.
بعد ثمانٍ وأربعين ساعة...
إما يسقط القصر.
أو يسقط هو معه