فجأة، اخترق صوت نحيبي صوتٌ آخر.
لم يكن صوتاً بشرياً عادياً، بل كان أشبه بتمتمة شيخٍ طاعن في السن تأتي من غرفة الكتب القديمة والمحرمة. مسحتُ دموعي وتتبعتُ الصوت كالمسحورة. دخلتُ الغرفة، فانغلق الباب خلفي من تلقاء نفسه، لكن الفضول كان أقوى من الخوف.
وهناك وجدته.
كتابٌ لم أرَ مثله قط. غلافه سماوي بلون السماء في يومٍ صافٍ، حوافه ذهبية تلمع في الظلام، وتلك الرائحة العطرة كانت تنبعث منه وكأنه قلب المكتبة النابض. مددتُ يدي المرتجفة نحوه.
بمجرد أن لامست أناملي جلده البارد، انفجر العالم في رأسي. لم تكن مجرد لمسة، كانت صاعقة. صورٌ متلاحقة، وجوهٌ لم أعرفها، معارك، وديان، ومشاهد مرت أمام عيني بسرعة الضوء قبل أن تضربني موجة كهربائية عنيفة قذفتني للخلف.. ثم ابتلعني الظلام.
"ميس.. ميس!"
فتحتُ عينيّ بصعوبة لأجد وجه رغداء القلق وبعض المعلمين فوقي.
"ماذا حدث؟" سألتُ بصوت واهن.
قالت رغداء بسرعة: "الأرض اهتزت.. انقطع التيار الكهربائي وسمعنا صوت سقوطك. وجدناكِ هنا تحتضنين هذا الكتاب."
نظرتُ ليدي، كنتُ أتشبث بالكتاب السماوي وكأنه طوق نجاة. كذبتُ ببراعة لم أعهدها: "لا شيء.. تعثرتُ فقط."
رأيتُ الشك في عيني رغداء، لكنها صمتت. بعد زيارة روتينية للمرضة، ركبنا الحافلة عائدتين. كان الكتاب في حقيبتي يثقل كاهلي، ليس بوزنه، بل بطاقته الغريبة. شعرتُ أن شيئاً ما بداخلي قد تغير، أو ربما.. استيقظ.
دعوتُ رغداء لمنزلي. كنتُ بحاجة لمن يشاركني هذا الحمل. في غرفتي، أخرجتُ الكتاب بحذر.
"رغداء.. هذا الكتاب مريب. إنه يناديني."
"ماذا تعنين؟" سألتْ بتوجس.
"أشعر برابطٍ معه.. كأنه جزء مني."
وكأن الكتاب سمع كلماتي، بدأ يهتز بعنف! توهج بلون أزرق ساطع أضاء الغرفة، وعاد ذلك الصوت يصرخ في رأسي حتى كدتُ أفقد صوابي. سقطتُ على ركبتي أصرخ: "توقف! أرجوك هذا كثير!"
هدأ الصوت فجأة، وتحول إلى همسٍ تلاشى، تاركاً اسمي محفوراً بماء الذهب على غلاف الكتاب: "ميساء".
"لماذا اسمكِ عليه؟" همست رغداء برعب.
"لا أدري.. لكنه مرتبط بي."
فتحتُ الكتاب. الصفحة الأولى كانت تحمل عبارة واحدة: أول خطوة نحو الطريق هي تقبل نفسكِ كما هي دون تكلف.
نظرنا لبعضنا، ونطقنا في آن واحد: "أي طريق؟"
"إلى مملكة البرزخ."
جاء الرد من خلفنا. استدرنا بفزع لنجد فتىً غريباً يقف في وسط غرفتي. بدا في الثالثة عشرة، بشرته قمحية، شعره أسود فوضوي، وفي عينيه العسليتين نظرة غرور لا تناسب طفلاً.
قال الفتى بابتسامة ساخرة: "أميرتي.. استغرقتِ وقتاً طويلاً لتعثري على الكتاب. هل جسدكِ البشري ضعيف لهذه الدرجة؟"
"أميرة؟ من أنت؟" صرختُ به.
ضحك: "برديس كانت محقة، ذاكرتكِ ممسوحة تماماً. أنا مصعب. وعلينا الذهاب قبل أن يصل جنود الظل."
قبل أن أستوعب كلمة، اهتزت الأرض بعنف. دخان أسود خانق بدأ يتسرب من شقوق الجدران، وتجسدت ظلال مرعبة تبحث عنا.
عض الفتى إصبعه، ورسم دائرة دم على الأرض فُتحت كبوابة لبعدٍ آخر.
صرخ بي: "اقفزي الآن!"
كان عقلي يصرخ "لا"، لكن الصوت في الكتاب همس "نعم". في لحظة جنون، ألغيتُ تفكيري، أمسكتُ يد رغداء المرتعدة، وقفزنا نحو المجهول، تاركين عالمنا خلفنا.. وابتس
امة نصرٍ على وجه الفتى الصغير