**الفصل 1 بداية الشتاء**

الشتاء قد حلّ فعلاً، كأنه يأتي كل عام ليذكّر الجميع بأن العالم لا يرحم. هواء قارس يقطع الجلد، يتسلل إلى العظام، يجعل الأنفاس تتصاعد كدخان أبيض في الظلام. المدينة شبه مدمَّرة، شوارعها مغطاة بطبقة من القذارة المتجمدة، مبانيها مائلة كأنها على وشك الانهيار منذ سنوات. الناس هنا لا يتحدثون إلا بالضرورة… أو بالشتائم. بعضهم يتكوَّر على الأرض محاولاً سرقة دفء من حجارة باردة، وآخرون يتجولون بلا هدف، عيونهم فارغة.

في زقاق ضيق، رطب، تفوح منه رائحة العفن والدخان القديم، تقبع حانة – أو ما تبقى منها. جدرانها المتشققة بالكاد تقاوم الانهيار، السقف مثقوب يتساقط منه الماء ببطء، قطرة… قطرة… كأنها تعدّ الثواني المتبقية.

داخلها، نحو عشرين رجلاً. أجسادهم أقوى من معظم سكان الحي، عضلات مشدودة تحت الملابس البالية، لكن عيونهم… عيونهم تخون. يرتجفون، ليس فقط من البرد. خوف خفي يتسلل إلى حركاتهم البسيطة: يد تمسك كأساً بقوة زائدة، نظرة تتجنب النظر إلى الباب، تنهيدة مكبوتة تخرج بصعوبة.

تكلَّم أحدهم أخيراً، صوته منخفض لكنه مرتجف:

«سحقاً… لا أصدّق أن الأمور وصلت بنا إلى هذا الحضيض. البارحة كنا نضحك، نشرب حتى الثمالة، نتبادل النساء كأن الدنيا ملكنا… واليوم؟ نحن نختبئ في هذه الحفرة القذرة، ننتظر المجهول.» توقف، ابتلع ريقه بصعوبة. «كلّ ذلك… بسبب خطة لعينة فشلت.»

الرجل بجواره أمسك بذراعه بقوة، همس بحدة مختلطة بالرعب:

«اخرس… قبل أن يسمعك.»

«فليسمع! ماذا سيحدث أكثر؟ سنموت؟ نحن بالفعل أموات نتحرك.»

«قلت اخرس! حصل ما حصل… كلنا وافقنا. أنسيت؟»

«كيف أنسى… لكن—»

فجأة… دويّ صوت بعيد. ثقيل. يتردد في الصدر قبل الأذن.

العرق بدأ يتصبب من جبين المتحدث رغم البرد القارس. عيناه اتسعتا ببطء، كأن الرعب يتسلق جسده تدريجياً.

الباب انفتح ببطء شديد. دخل رجل طويل، عريض الكتفين، وجهه قاسٍ كالصخر. نظر إلى المتحدث مباشرة، وقال بصوت هادئ بشكل مخيف:

«إذاً… أنا السبب، هاه؟»

نظرة واحدة منه كانت كافية. تجمد الرجل في مكانه، شفتاه ترتجفان، يحاول الكلام لكنه لا يجد الكلمات.

«لا… لا يا سيدي… أنا كنت فقط—»

اللكمة جاءت سريعة، قاسية. طار الرجل في الهواء ببطء مرعب، ثم ارتطم بالأرض بقوة أحدثت صدى في الغرفة. الجميع شهقوا، لكن لم يتحرك أحد. الخوف أمسك بأعناقهم.

القائد – بول ذو الأنف الحديدي – أخذ نفساً طويلاً، ثم رفع صوته ليملأ المكان:

«أنا بول! أنا من سحق عصابة القدم السوداء وحده! أنا من أنهى صيادي المكافآت الذين كانوا يحلمون برأسي! هل تسمعونني؟»

توقف، نظر إلى وجوه رجاله الشاحبة. «لكن خطأ واحد… خطأ واحد فقط… جعلنا نصل إلى هنا. أقذر زاوية في العالم.»

صمت ثقيل. لا أحد يجرؤ على الكلام. الرجل المسحوق لا يزال على الأرض، يتنفس بصعوبة.

في الزاوية المظلمة، طفل صغير يراقب. بشرته سمراء، شعره كثيف يغطي وجهه تقريباً، وفي وسطه فأر رمادي صغير يرتجف.

«انظر يا كيل…» همس الطفل بخوف مختلط بإعجاب. «هؤلاء هم عصابة الأنف الحديدي… الأسطورة.»

لكنه سرعان ما سمع كلام بول بوضوح، فانطفأ البريق في عينيه.

«سحقاً… ظننتها فرصتنا للخروج. مجموعة فاشلة… ماذا نفعل الآن يا كيل؟»

الفأر نظر إليه بعينين صغيرتين مليئتين بخيبة أمل واضحة.

ثم… طرق على الباب.

طرقة واحدة. هادئة. بطيئة.

ثم أخرى… وبطيئة أكثر.

الرجال انتفضوا. قلوب تتسارع. عرق بارد يغطي الظهور.

بول خرج من الغرفة الداخلية، عيناه تضيقان. عرف. اللحظة قد حانت.

الطرق استمر… بطيء… منتظم… كأنه يعدّ نبضات قلوبهم المذعورة.

أمر بول أحدهم – الرجل نفسه الذي كان يحاور الضحية الأولى – بالاقتراب.

تردد. نظر إلى بول. نظرة واحدة كانت كافية ليتقدم، رجلاه ترتجفان.

اقترب من الباب… نظر من الفتحة الصغيرة…

«من هناك؟»

الجواب جاء سريعاً: سيف اخترق الخشب… ثم الرأس.

الدم تدفق ببطء على الباب. الرجل سقط دون صوت.

فتح الباب ببطء شديد.

دخل… خطوة… خطوة… خطوة.

شخص يرتدي أسود كاملاً. رداء طويل يتمايل كظل. سيف قصير، نحيف، لامع بلمعان بارد.

لكن ما جمّد الدم في العروق هو القناع: مهرّج مبتسم… ابتسامة عريضة، فارغة، لا ترحم. القناع قصير، يغطي الوجه بطريقة تجعله يبدو غير بشري. لا عينين مرئيتين بوضوح… فقط ظلام خلف الابتسامة البيضاء.

الصمت خيّم. ثقيل. خانق.

كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.

نزع السياف سيفه من الرأس ببطء متعمد… قطرة دم سقطت على الأرض… صوتها مسموع في السكون.

وجّه السيف نحو بول.

الرجال تراجعوا خطوة إلى الخلف دون وعي. الخوف يتسرب إليهم كالسم. بعضهم يمسك سلاحه بيد مرتجفة، آخرون يحدقون فقط، عاجزين.

بول… ضحك. ضحكة مجوفة، محاولة لإخفاء التوتر.

«اذهب… احضر الأسلحة.»

هرع رجل. عاد برمي الأسلحة على الأرض. معدن يصطدم بمعدن… صوت يقطع الصمت.

تقدّم بول بخطوات ثقيلة، فاتحاً ذراعيه:

«يا مرحباً بضيفنا العزيز… هل كانت الرحلة طويلة؟»

أمسك كرسياً… جلس ببطء. ثم أمسك كرسياً آخر… ورماه بقوة نحو السياف.

السياف أمسكه بيد واحدة… دون أن يرمش.

رمى الكرسي جانباً بهدوء.

«أحسنت… اجلس. لا بد أنك متعب.»

السياف لم يجب. جلس ببطء شديد… فرَشَ قدميه… اتكأ بيديه على ركبتيه… حدّق في بول.

صمت مطبق. لا كلمة. لا حركة زائدة. فقط تلك الابتسامة المرسومة على القناع… لا تتغير.

بول حاول كسر الصمت:

«إذاً… ما الذي أتى بك؟ خير؟»

السياف رفع سيفه ببطء… وجّهه نحوه… دون كلمة.

بول ابتسم بتوتر:

«عرفت أنهم سيرسلون أحداً… لكن شخص واحد فقط؟ يا للسخرية. أنا بول العظيم… ويرسلون هذا… الشيء القصير الهزيل؟»

الرجال بدؤوا يضحكون… ضحكات متوترة، مصطنعة. يحاولون إخفاء الرعب. لكن الهالة التي تحيط بالسياف… سوداء… ثقيلة… كأن الموت نفسه جلس أمامهم.

من الزاوية، همس الطفل لفأره:

«أليس مجنوناً يا كيل؟ يهاجم وحده… ثلاثين رجلاً؟»

الفأر اختبأ أكثر… يرتجف.

بول وقف فجأة:

«لكل شيء نهاية… وبداية.»

نظر إلى رجاله: «ربما هذه نهايتنا.»

أمسك الكرسي بقوة. الرجال رفعوا أسلحتهم… أنفاسهم متقطعة.

السياف… خفض سيفه ببطء… غير مبالٍ.

صرخ بول:

«قاتلوا من أجل حياتكم!»

ورمى الكرسي بكل قوته.

ورمى بول الكرسي بكل ما أوتي من قوة، صرخة الخشب المتصدع تملأ الغرفة كأنها صرخة أخيرة قبل الموت.

الكرسي قطع الهواء ببطء مرعب... ثم توقف فجأة.

سيف السياف الأسود قطع خشبه إلى نصفين دون أن يتحرك السياف من مكانه. قطعة الخشب سقطت على الأرض بصوت خفيف، كأنها أنفاس أحدهم الأخيرة.

الرجال الثلاثون... توقفوا للحظة.

كأن الزمن تباطأ. أنفاسهم تتسارع، لكن حركاتهم تبدو ثقيلة، مترددة. عيونهم تتنقل بين بول وبين الشخصية السوداء الجالسة أمامهم. الخوف لم يعد خفياً؛ صار ملموساً، يتسلل إلى عضلاتهم، يجعلهم يشعرون بثقل في الساقين، برعشة في الأيدي التي تمسك الأسلحة.

أحدهم – رجل عريض المنكبين، ندبة تعبر وجهه – رفع فأسه أولاً. خطا خطوة إلى الأمام... ثم توقف.

نظر إلى السياف.

القناع المبتسم لا يزال هناك، لا يتغير. لا عينان مرئيتان بوضوح، فقط ظلام عميق خلف الابتسامة البيضاء المرسومة. كأن الوجه ليس وجهاً... بل قناعاً يرتديه شيء آخر، شيء لا ينام، لا يتعب، لا يخاف.

الرجل ابتلع ريقه بصعوبة. صوته خرج مهزوزاً:

«ه... هيا... اقتلوا هذا الشبح!»

لكن صوته لم يشجع أحداً. بل زاد من التوتر. الآخرون تبادلوا النظرات: هل نتقدم؟ هل نهرب؟ هل هذا حقاً شخص واحد؟

بول وقف خلفهم، يتنفس ببطء، يحاول استعادة سيطرته. عيناه مثبتتان على السياف.

في داخله... مزيج من الغضب والخوف الذي لم يشعر به منذ سنوات. هو الذي كان يُخيف الجميع، الآن يشعر ببرودة غريبة تتسلل إلى صدره. ليس خوفاً من الموت... بل خوفاً من أن يكون هذا الشيء أمامه لا يُقتل بالطرق المعتادة.

السياف... لم ينهض فوراً.

رفع رأسه ببطء شديد، كأنه يدرس كل واحد منهم. ثم... وقف. حركة سلسة، بطيئة، لا صوت لها تقريباً. رداؤه الأسود تحرك معه كظل ينفصل عن الجدار. السيف القصير في يده اليمنى... والآخر في اليسرى... كأنهما امتداد لجسده، لا أدوات.

تقدم خطوة واحدة.

الأرض تحت قدميه بدت تصدر صوتاً خفيفاً... لكن ليس صوت خطوات عادية. صوت أقرب إلى حفيف أوراق ميتة، أو تنفس شيء يزحف في الظلام.

رجلان اندفعا معاً هذه المرة. فأس وخنجر. صرخة متزامنة لتشجيع أنفسهما... ولإخفاء رعبهما.

السياف لم يتراجع.

رفع سيفه الأيمن ببطء... قطع الهواء بحركة دائرية ناعمة... كأنه يرسم قوساً أسود في الفضاء.

الفأس الأولى انكسرت في منتصفها. الرجل الذي يحملها شهق، عيناه تتسعان من الصدمة. قبل أن يفهم ما حدث... اخترق السيف الثاني صدره.

ببطء.

دخل السيف بين أضلاعه... توقف لحظة... ثم انسحب ببطء أكبر، كأن السياف يستمتع بإحساس الدم الدافئ الذي يغطي النصل.

الرجل سقط على ركبتيه. دم يتساقط قطرة... قطرة... على الأرض الباردة. يداه تحاولان الإمساك بالجرح... لكن القوة غادرته. نظر إلى السياف... إلى تلك الابتسامة الثابتة... ثم انهار وجهه على الأرض.

الثاني صاح بيأس:

«لا... لا...!»

هجم بجنون، خنجره يهوي نحو عنق السياف.

لكن السياف مال برأسه قليلاً... فقط قليلاً... كأنه يتفادى قطرة مطر. الخنجر مرّ بجانب القناع... ثم... ركلة واحدة، سريعة، دقيقة، في منتصف الصدر.

طار الرجل إلى الخلف، اصطدم بالجدار، انزلق إلى الأرض وهو يلهث، يحاول التنفس... لكنه لا يستطيع. ضلوع مكسورة... رئتاه تمتلئان بالدم.

الغرفة صارت أكثر برودة.

الرجال الآخرون تراجعوا خطوتين. أسلحتهم مرفوعة... لكن أيديهم ترتجف. عرق بارد يغطي جباههم رغم الشتاء القارس. أحدهم تمتم بصوت منخفض، كأنه يصلي:

«هذا... هذا ليس إنساناً...»

بول صاح محاولاً استعادة السيطرة:

«لا تتراجعوا! اقتلوه! هو واحد فقط!»

لكن صوته خرج أضعف مما أراد. الرعب بدأ يتسرب إليه هو أيضاً.

السياف... لم ينظر إلى بول بعد.

دار ببطء... نظر إلى الرجال المتبقين.

كلما دار، يبدو أن الظلال في الغرفة تطول... تتحرك نحوه... كأن الظلام نفسه يتبعه.

الطفل في الزاوية... كيل الفأر مختبئ في شعره... يرتجف بشدة.

الصبي همس بخوف:

«يا كيل... هذا... هذا ليس قاتلاً عادياً... هذا... الموت نفسه جاء يجمع أرواحهم.»

الفأر لم يرد... فقط اختبأ أكثر، كأنه يعرف أن الاقتراب من هذا الشيء يعني النهاية.

بول رفع سيفه الخاص أخيراً... سيف ثقيل، ملطخ بالدماء القديمة.

«تعال... إذا كنت تريد رأسي... فخذه بنفسك!»

السياف... رفع رأسه ببطء.

لأول مرة... بدا أنه ينظر إليه مباشرة.

الابتسامة على القناع... لا تزال هناك.

لكن الجو... صار أثقل. كأن الهواء نفسه يضغط على صدر الجميع.

ثم... خطا خطوة نحو بول.

خطوة واحدة فقط... ومعها... بدأت النهاية الحقيقية.

ورمى بول الكرسي بكل ما أوتي من قوة، صرخة الخشب المتصدع تملأ الغرفة كأنها صرخة أخيرة قبل الموت.

الكرسي قطع الهواء ببطء مرعب... ثم توقف فجأة.

سيف السياف الأسود قطع خشبه إلى نصفين دون أن يتحرك السياف من مكانه.

بول رفع سيفه الثقيل بكلتا يديه. السيف الذي قتل به عشرات الرجال، الذي قطع رؤوساً وأنهى عصابات. عضلاته مشدودة، عروقه بارزة، أنفاسه تخرج كدخان ساخن في البرد.

«تعال... يا شبح! إذا كنت تريد رأسي... فتعال خذه بنفسك!»

صرخ بول صرخة حربية عميقة، ثم اندفع إلى الأمام كالوحش.

سيفه يهوي من الأعلى بقوة هائلة، يشق الهواء بصوت يشبه عواء الريح في العاصفة.

لكن السياف... لم يتراجع.

مال برأسه قليلاً إلى الجانب... فقط بضع سنتيمترات... والسيف مرّ بجانب القناع، قاطعاً خصلة من ردائه الأسود.

بول لم يتوقف. دار بسرعة، ضربة أفقية قوية نحو الخصر.

السياف رفع سيفه القصير بيد واحدة... اصطدام المعدن بالمعدن أحدث شرارة صغيرة في الظلام. الصوت كان حاداً، معدنياً، يتردد في الغرفة كصرخة.

قوة التصادم جعلت ذراع بول ترتجف... لكنه لم يتراجع. دفع بكل قوته، محاولاً كسر دفاع السياف.

السياف... لم يتحرك خطوة إلى الخلف.

ثم... فجأة... ردّ.

سيفه الآخر – النحيف، اللامع – انطلق كالبرق من الأسفل. قطع في فخذ بول... ليس عميقاً... لكن كافياً ليفتح جرحاً طويلاً. الدم انبثق فوراً، ساخناً، يتساقط على الأرض بصوت خفيف.

بول صاح من الألم... لكنه ابتسم ابتسامة متوحشة.

«هذا كل ما عندك؟!»

اندفع مرة أخرى، ضربة متتالية: يمين، يسار، من الأعلى، من الأسفل. سيفه يدور كعاصفة حديدية. كل ضربة تحمل قوة رجل قضى سنوات في القتال الوحشي.

السياف... يتفادى.

يتحرك ببطء ظاهري... لكنه دائماً خطوة واحدة أمام الضربة. سيفه القصير يصد، يقطع، يرد... بحركات دقيقة، اقتصادية، لا تبذل جهداً زائداً. كأنه لا يقاتل... بل يرقص رقصة الموت.

ثم... جاءت الضربة القاضية الأولى.

بول رفع سيفه عالياً لضربة نهائية من الأعلى.

السياف تقدم خطوة صغيرة... رفع سيفه الثاني... وطعن.

النصل دخل في كتف بول... من الأمام... خرج من الخلف.

الدم رذاذ أحمر في الهواء.

بول تجمد للحظة... عيناه تتسعان من الصدمة. السيف الثقيل سقط من يده... ارتطم بالأرض بصوت ثقيل.

لكنه لم يسقط بعد.

بيده اليسرى... أمسك بذراع السياف... سحبه نحوه بعنف.

«لن... تموت... لوحدك!»

بكل ما تبقى من قوته... رفع قبضته اليمنى... وضرب السياف في القناع بقوة هائلة.

صوت كسر... ليس القناع... بل عظام يد بول.

القناع لم يتحرك... لم ينكسر... ابتسامته لا تزال هناك.

السياف سحب سيفه ببطء من كتف بول... الدم يتدفق كشلال صغير.

ثم... ضربة أخرى.

سيف قصير آخر... في البطن.

دخل... توقف... ثم دار داخل الجرح... ببطء... متعمد.

بول شهق... دم يخرج من فمه... عيناه تفقدان بريقهما تدريجياً.

السياف سحب النصل... خطوة إلى الخلف.

بول سقط على ركبتيه... يده تمسك الجرح... الدم يتسرب بين أصابعه.

نظر إلى السياف... إلى تلك الابتسامة الباردة... ثم همس بصوت مكسور:

«من... أنت...؟»

لم يجب السياف.

رفع سيفه مرة أخيرة... ببطء... كأنه يعطي بول لحظة أخيرة ليدرك النهاية.

ثم... هوت الضربة.

رأس بول... ذو الأنف الحديدي... تدحرج على الأرض... توقف أمام أقدام رجاله الذين كانوا يرتجفون في الظلال.

الغرفة صارت صامتة تماماً... إلا من صوت قطرات الدم التي تسقط... ببطء... على الأرض الباردة.

ثم... دار السياف ببطء... كأن الجثث المتناثرة حوله لا تعنيه شيئًا.

حركة واحدة سلسة، بلا عجلة، بلا تردد. رداؤه الأسود تحرك معه كظل ينفصل عن الجدران، يتمايل بلا صوت. السيفان القصيران في يديه... لا يزالان يقطران دمًا ببطء، قطرة... قطرة... تسقط على الأرض المتشققة، تختلط بالتراب والدماء القديمة، تصنع بركًا صغيرة لامعة تحت ضوء الشمعة الوحيدة المتبقية.

الرجال المتبقون... لم يتحركوا.

كأن الزمن تجمد في أجسادهم.

أحدهم سقط على ركبتيه ببطء، كأن قواه انسحبت فجأة من ساقيه. يداه ترتجفان وهما تمسكان بالفأس الذي لم يستعمله. عيناه مفتوحتان على وسعهما، لكنهما فارغتان... كأن النظرة قد غادرت جسده قبل أن يموت.

آخرون ظلوا واقفين، أسلحتهم مرفوعة نصف رفعة، أجسادهم متصلبة. أنفاسهم متقطعة، خفيفة جدًا، كأن الخوف يمنعهم حتى من التنفس بعمق.

في الزاوية المظلمة، الطفل لا يزال جالسًا، متكورًا على نفسه.

كيل – الفأر الرمادي الصغير – مختبئ تمامًا داخل خصلات شعره الكثيف، يرتجف بشدة حتى يشعر الصبي بحركته الدقيقة على فروة رأسه.

الصبي... عيناه واسعتان، لامعتان بالدموع التي لم تسقط بعد. يده الصغيرة تغطي فمه ليمنع أي صوت من الخروج.

همس بصوت يكاد لا يُسمع، مرتجف:

«انتهى... كلهم... انتهوا.»

ثم... توقف السياف فجأة بعد خطوتين فقط نحو الباب.

توقف تمامًا، كأن شيئًا ما جذب انتباهه... أو كأنه يمنح الغرفة لحظة أخيرة لتتنفس.

الرجال المتبقون تصلبوا في أماكنهم.

أيديهم مشدودة على أسلحتهم، مفاصل أصابعهم بيضاء من الضغط، لكنهم لم يجروءوا على رفعها أكثر.

السياف... رفع رأسه قليلاً، ببطء شديد.

ثم... تكلم.

صوت خرج من تحت القناع، خشن، مبحوح، كأنه ينبعث من حلق محترق أو من قبر قديم. صوت يشبه حفيف أوراق ميتة ممزوج بأنين بعيد، مرعب لأنه هادئ جدًا، واضح جدًا:

«أنا... لم آتِ لأخذ حياتكم.»

توقف لحظة.

«مهمتي... رأسه فقط.»

رفع يده اليسرى ببطء، مشيرًا إلى الرأس المتدحرج على الأرض.

«أعطوني إياه... ودعوني أذهب.»

صمت ثقيل.

تقدم أحدهم بعد تردد طويل – رجل نحيف، وجهه شاحب – خطواته مرتجفة. انحنى، أمسك برأس بول من الشعر الملطخ بالدم... رفعها بحذر شديد.

مد يديه المرتجفتين نحو السياف.

السياف أمسك الرأس بيد واحدة، دون أن ينظر إليه مباشرة.

فتح كيسًا جلديًا أسود معلقًا على جانبه، وضع الرأس داخله بهدوء، أغلق الكيس برباط جلدي، ثم علقه على كتفه.

لم يقل شيئًا آخر.

دار... وخرج.

خطواته الهادئة تلاشت في الزقاق المظلم.

مرّت لحظات... قبل أن يتحرك أحد.

على الأرض، الرجل الذي لكمه بول في البداية بدأ يتحرك أخيراً.

استيقظ ببطء، رأسه يدور، مشوش تمامًا.

رفع رأسه بصعوبة، يمسك جبهته المكسورة.

نظر حوله... الجثث... الدم... الفراغ.

همس بصوت ضعيف، مكسور:

«ماذا... حصل؟»

لم يجب أحد.

الشتاء خارج الحانة استمر في العواء، والليل طال أكثر... والصمت صار أثقل من أي وقت مضى.

---

2026/02/11 · 1 مشاهدة · 2417 كلمة
نادي الروايات - 2026