الفصل الأول: هل هكر اليوتيوب؟
ملاحظة: رغم اني اكتب للمتعة الى اني احاول كتابة قصة مثالية وممتعة تتناول كل الاهتمامات البشرية، ولذلك اتمنى على الاقل ان تساعدني بتشجيعي ببعض الكلمات الطيبة او بعض الافكار لتحسين الرواية.
استمتعوا~~~
"لماذا هذا المعتوه متحمس جداً لهذا اليوتيوبر بحق الجحيم؟"
تمتمت بهذه الكلمات بصوت أجش، وعيناي نصف مغلقتين، بينما كان ضوء شمس لوس أنجلوس الصباحي يتسلل بوقاحة عبر شقوق الستائر الذكية في غرفتي. كان رنين هاتفي المتواصل على الطاولة الخشبية بجانب السرير يبدو وكأنه آلة حفر تخترق جمجمتي.
مددت يدي بتثاقل، التقطت الهاتف، ونظرت إلى الشاشة التي كانت تضيء وتطفئ كإشارة إنذار. مئة واثنتان رسالة غير مقروءة على تطبيق "لاين". مرسل واحد: جيك.
لقد عرفت جيك منذ أيام الطفولة المبكرة، حين كنا مجرد طفلين يركضان في حدائق بيفرلي هيلز الفارهة. هو، باختصار، أعز أصدقائي وصديق طفولتي الوحيد تقريباً في هذا المستنقع المسمى بالمجتمع الراقي. جيك صديق جيد، وفيّ، ولا يحمل ضغينة، ولكن مشكلته الأزلية هي أنه أحمق كسول بامتياز. حسناً، لأكن منصفاً، هو ليس مجبراً على فعل أي شيء في حياته؛ كونه الابن الأصغر لعائلة من أثرى أثرياء العقارات في الساحل الغربي يمنحه تذكرة مجانية للعبث.
هذا الامتياز يجعله يقضي يومه بالكامل، من شروق الشمس حتى منتصف الليل، في ملاحقة أشياء بلا أي فائدة إنتاجية. ألعاب الفيديو، الأنمي، قراءة المانغا، بالإضافة إلى موهبته الفذة في قتل الوقت بالساعات في التمرير اللانهائي لمقاطع الفيديو على يوتيوب وتيك توك.
حسناً، لست قديساً، أنا أيضاً ابن لعائلة ثرية تملك سلسلة من شركات التكنولوجيا والاستيراد، وأحب الألعاب والأنمي وأشياء أخرى قد يراها البعض تافهة. غرفتي مليئة بمجسمات محدودة الإصدار وأجهزة كونسول من كل الأجيال. ولكن الفارق بيني وبين جيك هو أنني على الأقل أملك عملاً حقيقياً؛ أنا أدير قسماً في شركة والدي، أرتدي بدلة ثلاث مرات في الأسبوع، وأفهم قيمة الاستثمار، على عكس هذا الأحمق الذي يعتقد أن أموال عائلته تتساقط من السماء كالمطر.
وبالإضافة إلى ذلك كله، أنا لست أحمق لدرجة إنفاق 10,000 دولار دفعة واحدة لدعم شخص غريب يجلس خلف شاشة ويلعب لعبة إلكترونية في بث مباشر على يوتيوب. عندما أخبرني جيك عن تبرعه هذا الأسبوع الماضي، كدت أبصق قهوتي. عشرة آلاف دولار؟ كان بإمكانه شراء أسهم، أو حتى شراء سيارة مستعملة وتدميرها للتسلية، لكنه رماها في محفظة رقمية ليوتيوبر!
يبدو أن جيك أصبح مهووساً بهذا اليوتيوبر الذي يطلق على نفسه اسم "SQQ" في الفترة الأخيرة، لدرجة مرضية. إنه يذكره تقريباً في كل محادثة تجمعنا، سواء كنا نتحدث عن الأسهم، أو عن العشاء، أو حتى عن الطقس. "لو كان SQQ هنا لقال كذا..." أو "هل رأيت المقطع الأخير لـ SQQ؟".
وبصراحة، ورغم شكي العميق في أنه يبالغ كعادته في وصف فيديوهات هذا اليوتيوبر لكي يبرر لنفسه التبرعات الفلكية التي يرسلها إليه، إلا أن الفضول البشري اللعين أصابني في النهاية. كيف يمكن لشخص واحد أن يغسل دماغ صديقي بهذه الطريقة؟
جلست على حافة السرير، ومسحت وجهي بيدي، ثم فتحت قفل الهاتف وبدأت في تصفح المحادثة الكارثية التي أيقظتني.
[جيك: يا رجل! أكاد أنفجر من السعادة! لا أستطيع الانتظار!]
[جيك: أين أنت؟ استيقظ أيها الموظف الممل!]
[جيك: أقسم لك أن اليوم سيكون تاريخياً!]
تنهدت بضيق وبدأت أكتب ردي بسرعة.
[فين: هاه؟ لماذا كل هذا الحماس المزعج في الصباح الباكر؟]
[فين: أيضاً، كيف تجرؤ على إرسال أكثر من 100 رسالة في هذه الساعة؟ هل اندلعت الحرب العالمية الثالثة ولم تخبرني؟]
لم تمر ثانية واحدة حتى ظهرت علامة "يقرأ" وبدأ في الكتابة.
[جيك: آسف يا رجل، أعرف أنك تكره الإزعاج الصباحي، ولكن يجب أن تشاهد البث الذي سيقوم به 'SQQ' في الساعة التاسعة مساءً اليوم. الأمر حياة أو موت!]
نظرت إلى الساعة في أعلى شاشة الهاتف.
[فين: الساعة الآن 9:00 صباحاً بالضبط. تبقى لبثه اللعين هذا 12 ساعة تقريباً... فلماذا تخبرني عن هذا الآن وتفسد نومي؟]
[جيك: أنت تعرف أني مصاب بذاكرة سمكة وقد أنسى إخبارك لاحقاً، والأمر مهم جداً لأنه سيلعب تلك اللعبة التي تحبها أنت كثيراً.. اللعبة التي قضينا فيها أياماً]
توقفت أصابعي عن الكتابة للحظة. لعبة أحبها كثيراً؟ أنا ألعب العشرات من الألعاب، وكلها ألعاب ذات ميزانيات ضخمة (AAA)، بقصص عميقة وجرافيكس ينافس الواقع.
[فين: لعبة أحبها كثيرا؟ هل تقصد الجزء الجديد من ريزدنت إيفل؟ أو ربما سايلنت هيل؟]
[جيك: لا، قال في منتدى القناة إنه يفكر بأن يلعب ريزدنت إيفل قريباً، ولكنه لن يلعبها اليوم... قال إنه سيلعب لعبة جراني (Granny) اليوم!]
"جراني؟" نطقتها بصوت مسموع، وارتسمت على وجهي علامات التعجب والاشمئزاز في آن واحد.
لعبة Granny لمن لا يعرفها، هي لعبة رعب مستقلة للهواتف المحمولة صدرت منذ سنوات. اللعبة ذات شهرة كبيرة جداً، ولكن صدقني، ذلك ليس بسبب قصتها العميقة (لأنها لا تملك قصة تقريباً)، ولا بسبب مستوى الرسومات والجرافيكس فيها (لأن جرافيكس اللعبة يبدو وكأنه صُنع في عام 2004 بواسطة طالب في المدرسة الثانوية كاختبار مدرسي).
الأمر فقط أنه مع النسخة الأولى من اللعبة، حدث شيء غريب في خوارزميات اليوتيوب. لعبها الكثير من كبار اليوتيوبرز المشهورين، وبدأوا في الصراخ المفتعل والقفز من كراسيهم خوفاً من عجوز بكسلية قبيحة. هذا التفاعل المبالغ فيه جعل اللعبة تنتشر كالنار في الهشيم وتجذب ملايين اللاعبين رغم بساطتها ورداءة برمجتها.
وبما أن اللعبة انفجرت وقتها وصنعت ثروة لمطورها المستقل، أصدر المطور ثلاثة أجزاء من اللعبة تقريباً بنفس المحرك الرخيص، وحتى أن المعجبين صنعوا نسخاً وتعديلات (Mods) أو ألعاباً كاملة تحت اسم اللعبة الأصلية ونشروها في كل مكان.
السبب الوحيد الذي يجعل جيك يظن أنها "من ألعابي المفضلة" هو أنني وببساطة لعبتها مرة واحدة فقط بسبب استفزازه المباشر. وقتها أزعجني جيك بأنني رغم مهارتي في ألعاب التصويب، لن أستطيع الفوز في هذه اللعبة وحل ألغازها تحت الضغط.
وبعد أن خسرت في محاولتي الأولى والثانية بسبب تحكم اللعبة السيء وظهور العجوز من العدم، شعرت بأن هذه اللعبة الغبية تتحداني شخصياً. وتحت تأثير استفزاز جيك وسخريته، لعبت اللعبة مراراً وتكراراً، حفظت خريطة المنزل، أماكن الأدوات، وأوقات تحرك العجوز، حتى أصبحت مهووساً بها لفترة قصيرة وتمكنت من إنهائها بأعلى مستوى صعوبة.
وبسبب المقاطع الفيروسية التي غسلت دماغي وقتها عن اللعبة في كل منصات التواصل، بدأت ألعب اللعبة لأيام متجاهلاً ألعاباً في مكتبتي بجودة أعلى وقصة خرافية دفعت فيها مئات الدولارات. ببساطة، أصبحت Granny لفترة من الزمن من الألعاب التي أقدرها، ليس لجودتها، بل بسبب جيك واليوتيوب الذي غسل دماغي وجعلني أتقبل اللعبة وأعترف لا شعورياً أنها "لعبة جيدة" ميكانيكياً. لكن هذا كان في الماضي. اللعبة ميتة الآن.
[فين: لماذا تبالغ في الأمر إذن؟ إنه فقط سيلعب لعبة ماتت منذ زمن طويل، والجميع يعرف كل أسرارها ونهاياتها. أين المتعة في مشاهدة شخص يلعب جراني في هذا العام؟]
[جيك: أنت لا تفهم يا صاح! هذا الرجل يمتلك أسلوباً مختلفاً كلياً في اللعب. الأمر ليس مجرد التقاط أدوات والهروب. صدقني، بثوثه مختلفة عن أي شيء رأيته في حياتك.]
توقفت عن الكتابة. كان جيك محقاً في شيء واحد؛ أنا شاهدت مقطعاً قصيراً جداً على تيك توك يشرح سبب شهرة اليوتيوبر SQQ الانفجارية في الفترة الأخيرة.
السبب الذي يتحدث عنه الجميع هو أن هذا اليوتيوبر يلعب الألعاب وكأنه داخلها حرفياً. أسلوبه في الكلام، تفاعله مع البيئة المحيطة، وحتى زوايا التصوير... كل شيء يبدو وكأنه يلعب لعبة واقع افتراضي (VR) خارقة التطور تنقل لك تجربة اللعبة بالكامل من منظور الشخص الأول، ولكن بجودة تتجاوز أي خوذة VR متاحة في الأسواق حالياً، سواء كانت مجرد Quest أو حتى Apple Vision.
في البداية، اعتقدت أن الأمر مجرد مونتاج ذكي. رسومات وجرافيكس اللعبة، وحتى أصوات البيئة في الألعاب، تختلف بالكامل في مقاطعه وفي البثوث المباشرة خاصته. تبدو الألعاب القديمة وكأنها صُنعت بمحرك Unreal Engine 5 في مقاطعه.
قال جيك لي مرة، وعيناه تلمعان من الحماس، إن الأمر يبدو وكأن هذا الشخص محتجز داخل اللعبة حقاً. ليس فقط أنه يتصرف وكأنه إذا مات في اللعبة فسيموت حقاً في الواقع (وهو تمثيل ممتاز بالمناسبة)، بل أيضاً زوايا التصوير التلقائية، وتصرفات المخلوقات والأعداء من حوله في اللعبة، حركتهم، تفاعلاتهم الفيزيائية... كلها واقعية جداً وغير مبرمجة مسبقاً بالشكل المعتاد.
أشعر دائماً، كشخص يفهم قليلاً في التكنولوجيا بفضل عملي، أن هذا الرجل ثري بشكل فاحش، ربما أكثر من عائلتي، لدرجة أنه حصل على نموذج أولي لجهاز ألعاب كمومي أو تكنولوجيا ستصدر بعد 50 سنة، وقرر ببساطة، وبكل عبثية، أن يستخدمها في صناعة المحتوى على يوتيوب بدلاً من بيعها للجيش أو لشركات التكنولوجيا الكبرى.
[فين: أين كان... أظنني سأشاهده الليلة لكي تسكت فقط. ولكن إن كان مملاً، سأطالبك باسترجاع الـ 10,000 دولار التي رميتها عليه.]
[تمت المشاهدة] [11:13 صباحاً]
أغلقت شاشة الهاتف، وتنهدت بعمق. نهضت من السرير، اتجهت نحو الحمام لغسل وجهي، ثم طلبت من الخادمة إعداد كوب من القهوة السوداء. بعد أن استعدت كامل وعيي، قررت أن أقوم ببعض البحث الاستقصائي.
ذهبت للجلوس على الأريكة الجلدية الإيطالية السوداء في منتصف غرفتي الواسعة. أخذت جهاز التحكم الفضي، وشغلت شاشة التلفاز الذكية من طراز OLED بحجم 85 بوصة والتي تغطي جداراً كاملاً تقريباً.
فتحت تطبيق اليوتيوب على التلفاز، وبحثت عن الأحرف الثلاثة: SQQ.
بمجرد أن دخلت قناته، شعرت بوخزة حادة من الحسد المرير في صدري. يجب أن أعترف بشيء لم أشاركه مع جيك يوماً؛ لقد جربت مرة أن أصبح يوتيوبر. قبل عامين، اشتريت أفضل كاميرات، وأغلى مايكروفونات، وحاسوباً بمواصفات مرعبة، وقضيت شهراً كاملاً أصور وأقوم بعمليات المونتاج لألعاب مختلفة، محاولاً بناء شخصية كاريزمية على الإنترنت. وماذا كانت النتيجة؟ بعد شهر من الإرهاق النفسي والمادي، كل ما حصلت عليه هو 300 مشترك تقريباً، نصفهم من الحسابات الوهمية أو الروبوتات. أدركت حينها أن الأمر صعب بشكل جنوني ويتطلب حظاً وقبولاً لا يمتلكه الجميع، فتخليت عن الفكرة وعدت لعملي المكتبي.
ولكن هذا الرجل... هذا الـ SQQ، يمتلك الآن 10.3 مليون مشترك في قناته. رقم مرعب. ومشاهدات مقاطعه تتجاوز حدود المنطق.
نظرت إلى الغلاف الرئيسي للقناة (البانر). كان بسيطاً لكنه يحمل هالة من الفخامة الغامضة. في المنتصف، استقر شعار القناة. لم يكن الشعار مجرد أحرف عادية مكتوبة بخط تقليدي؛ بل كانت الأحرف "SQQ" متداخلة بعبقرية مع تصميم زخرفي فريد يميل للطابع الفيكتوري أو السحري. كانت الخطوط منحنية وحادة في نفس الوقت، وتشكل معاً علامة تجارية بصرية لا يمكنك نسيانها بمجرد رؤيتها، وكأنها ختم لجمعية سرية. كمحب للتفاصيل وللأشياء ذات الطابع الزخرفي المتقن، اضطررت للاعتراف بأن تصميم هذا الرمز وحده ينم عن ذوق رفيع واحترافية عالية، وليس مجرد عمل هاوٍ.
نزلت بالأسفل لأبحث عن أشهر مقطع في قناته، وانصدمت بكمية شهرته ورواجه.
هذا المقطع، كما قرأت في بعض التعليقات، أخذ المركز الأول في "الترند" على مستوى العالم في اليوتيوب خلال ثلاث ساعات فقط من نشره.
عنوان المقطع: **'سوبر ماريو - هذه ليست لعبة الطفولة بالتأكيد!'**
الصورة المصغرة للمقطع (Thumbnail) كانت غريبة ومربكة لدرجة أنني اقتربت من الشاشة الضخمة لأدقق فيها. في البداية، فكرت وكأنها مرسومة بواسطة ذكاء اصطناعي متطور جداً خضع لعمليات تعديل بشرية مكثفة. لقد كانت تبدو كلقطة عادية من لعبة 3D ولكن برسومات وجرافيكس واقعي لدرجة مخيفة.
ولكن الصادم والمقلق، أن الظاهر في الصورة هو الشخصية الرئيسية في اللعبة، "ماريو". ولكنه لم يكن ماريو الكرتوني اللطيف السمين الذي نعرفه. كان يظهر بشكل واقعي جداً ومثالي؛ رجل إيطالي في منتصف العمر، بملامح منهكة، عرق يتصبب من جبهته، قميصه الأحمر متسخ بالطين، ونظرة رعب حقيقية في عينيه وهو ينظر إلى فطر ضخم متحول خلفه. تفاصيل الأقمشة، مسام البشرة، إضاءة الشمس الكئيبة في "مملكة الفطر"... كل شيء في الصورة المصغرة كان يصرخ بالواقعية الكابوسية.
عدد مشاهدات المقطع كان 86.3 مليون مشاهدة. وعدد التعليقات تجاوز 800 ألف تعليق. هذا ليس يوتيوبر عادي، هذه ظاهرة ثقافية كاملة.
كان الفيديو صادماً، وفكرت بمشاهدته فوراً، ولكنني تذكرت أنني يجب أن أحافظ على حماسي للبث المباشر الذي أخبرني عنه جيك. أريد أن أرى هذا السحر يحدث أمامي في الوقت الفعلي (Live) لأتأكد من أنه ليس مجرد مونتاج خدع بصرية (CGI) متقن.
خرجت من مقطع ماريو، وانتقلت إلى قسم "البث المباشر المجدول". وجدته.
كانت الصورة المصغرة للبث القادم تظهر رجلاً ذو شعر أحمر قصير فوضوي، وعيون بنية داكنة واسعة، وبشرة بيضاء شاحبة قليلاً، وكأنه لم يرَ الشمس منذ أسابيع. كان يرتدي قميصاً أبيض ممزقاً قليلاً ومتسخاً بالبقع الداكنة، مع بنطال أسود واسع، وكان حافي القدمين.
كان هذا الشاب الوسيم – والذي أفترض أنه يجسد شخصية SQQ الافتراضية – مرعوباً ويجري، بينما يطارده مسخ غريب في ممر مظلم. بعد التدقيق قليلاً في ملامح ذلك المسخ المشوه، اتسعت عيناي بصدمة. تعرفت على ذلك المسخ.
لقد كانت الجدة "جراني". الوحش الذي يجب أن تهرب منه في اللعبة. ولكنها هنا لم تكن مجرد مضلعات رديئة التصميم. كانت امرأة مسنة صلعاء مع بعض خصلات الشعر الأبيض الجاف والمتناثر بشكل مقزز على فروة رأسها المليئة بالبقع. ترتدي فستاناً أبيض واسعاً، متسخاً وملطخاً بدماء قديمة وجافة. بشرتها كانت غير صحية، تميل للرمادي والأخضر المتعفن، والأبشع من ذلك كله كان عينيها؛ محمرتان وبلا بؤبؤ، مجرد بياض مرعب مع أوردة حمراء وسوداء نافرة تظهر في جسدها وعينيها بشكل يثير الغثيان في المعدة.
في يدها ذات الأظافر الطويلة القذرة، حملت مضرب بيسبول خشبياً قديماً، مليئاً بالمسامير الصدئة والملطخة بالدماء الطازجة، بينما تطارد الرجل ذو الشعر الأحمر في الصورة.
تراجعت بظهري على الأريكة، وابتلعت ريقي بصعوبة.
"يجب أن أعترف بأن هذا الرجل، أو الفريق الذي يعمل معه، مذهل حقاً في تصميم الصور المصغرة... واقعية وجذابة، ومرعبة بشكل يجعلك لا تستطيع إشاحة نظرك عنها."
مرت الساعات ببطء شديد ذلك اليوم. قضيت وقتي في مراجعة بعض ملفات العمل، ولكن عقلي كان يعود باستمرار إلى تلك الصورة المصغرة وإلى تصميم الشعار الغريب لتلك القناة.
عندما اقتربت الساعة من التاسعة مساءً، أغلقت حاسوبي المحمول. أطفأت أضواء الغرفة الرئيسية، وتركت فقط الإضاءة المحيطية الخافتة الزرقاء خلف الشاشة. ارتديت سماعات الرأس الاحترافية المحيطية، وأمسكت بجهاز التحكم مجدداً.
دخلت على الرابط الذي أرسله جيك. كانت شاشة الانتظار تعمل، وعداد الثواني يتناقص.
صندوق الدردشة (الـ Chat) على يمين الشاشة كان يتحرك بسرعة جنونية، آلاف الرسائل تتدفق في الثانية الواحدة. لم أستطع حتى قراءة الأسماء من سرعة التدفق. هذا الحشد البشري ينتظر شخصاً واحداً ليلعب لعبة قديمة؟
10... 9... 8...
شعرت بنبضات قلبي تتسارع قليلاً. ربما كان حماس جيك معدياً، أو ربما الجو المظلم الذي خلقته في غرفتي هو السبب.
3... 2... 1...
اختفت شاشة الانتظار، وظهرت شاشة سوداء بالكامل للحظات. لم يكن هناك أي موسيقى، مجرد صمت ثقيل ومزعج.
ثم، وبمجرد دخولي الفعلي لجو البث، سمعت صوت شاب يتحدث، صوته كان يرتجف قليلاً، يتخلله صوت أنفاس مضطربة ومتقطعة، وكأنه يركض أو يختبئ.
يبدو الصوت شاباً جداً، غير ناضج تماماً، قد يكون حتى لمراهق. فكرت لوهلة بأنه ربما فقط طبقة الصوت خاصته مرتفعة مما يجعله يبدو صغيراً، أو ربما يستخدم مغير أصوات (Voice Changer) متطوراً ليناسب الشخصية الت
ي اختلقها.
ولكن النبرة... نبرة الرعب في صوته لم تكن تبدو كتمثيل أبداً.
انقشع السواد تدريجياً، لتظهر الصورة، ومعها، بدأ كابوس حي يبث للملايين.